السينما المصرية في ذكرى 25 يناير: كلّ ما كان مسموحاً وكل ما أصبح ممنوعاً

25 يناير 2021
الصورة
من فيلم "آخر أيام المدينة" للمخرج تامر السعيد (IMDB)
+ الخط -

لا يمكن قراءة تعامل السينما المصرية مع الثورة المصرية وكيفية تجسيدها إلا بتتبع لمراحل تلك الثورة ذاتها. كانت الثورة المصرية مُلهمة وحالمة جداً في بدايتها، صورة مُشرقة وجميلة لملايين الناس في كل الشوارع، متآلفين على هدفٍ واحد، ويصلون لنهاية سعيدة بخلع الرئيس حسني مبارك. 

صورة بسيطة وواضحة، منحت سنتين بعدها تقريباً مساحة كبيرة من الحراك، المجتمعي والإبداعي، بشكل غير مسبوق في تاريخ مصر.

السينمائيون المصريون حاولوا استغلال تلك اللحظة الاستثنائية من الحرية وانعدام الرقابة، تقريباً. وخلال أول عامين، بعد الثورة، صدرت العديد من الأفلام التي تتفاعل مع الحدث التاريخي. أفلام لم تكن ذات مستوى فني عالٍ، ولا رؤية عميقة نحو الثورة، ولكن الآن، بعد عشر سنوات، يمكن النظر إلى أهميتها من ناحية أرشيفية.


الثورة المسموحة
أهم تلك الأفلام على الإطلاق هو "18 يوم"، الفيلم الذي يجمع عشرة مخرجين مصريين ليقدم كل منهم فيلماً قصيراً يرتبط بالثورة، ويقدم رؤيته عنها. نُفذ الفيلم سريعاً ليعرض بعد خمسة أشهر فقط من يناير، ضمن فاعليات مهرجان "كان" السينمائي عام 2011، في لحظة كان العالم فيها نَهماً جداً ليفهم ما جرى.

ورغم الجدل الذي أثاره الفيلم حينها، سواء في الأسماء التي شاركت فيه، أو منظورهم نحو الثورة، إلا أن الشيء المؤكد هو التقاط الفيلم لـ"لحظة الحرية"، وتعبيره عن أشياء لن يكون من المسموح بعد ذلك التعبير عنها؛ مثل قصة الناشط السياسي الذي يتم تعذيبه (ويشير إلى الناشط وائل غنيم مؤسس صفحة كلنا خالد سعيد التي دعت للتظاهر يوم 25 يناير) في فيلم "19-19"، أو قيام النظام الحاكم باستئجار بلطجية للاعتداء على الناس في ميدان التحرير فيلم "تحرير 2-2"، أو حتى التقاط نهم الناس للتصور مع دبابات الجيش في الشوارع في فيلم "حظر تجوّل"، هذا عوضاً عن حرية "لغة الحوار" والتصوير في أماكن عامة أو حيوية، وغيرها من الأمور التي تجعل لهذا الفيلم أهمية تاريخية بعيداً عن قيمته الفنية.

للأفلام التي ظهرت قبل عشر سنوات قيمة أرشيفية عالية

فيلم آخر مُشابه صوّر خلال نفس الفترة، بكل المشاعر البكر نحو الثورة، وهو "الشتا اللي فات" للمخرج إبراهيم البطوط، الذي يتناول أحداث يناير والـ 18 يوماً بأول قصص تتبادر على الذهن؛ حيث شاب ثوري خائف، وضابط أمن دولة عنيف، وإعلامية في تلفزيون الدولة، وتأثير الأحداث السياسية على كل منهم. الفيلم متواضع في مستواه الفني، ولكن تنفيذه في لحظة مُبكرة عام 2011 جعله قادراً على التقاط شكل الشوارع ونبضها في تلك الفترة، بشكل توثيقي مهم.

في عام 2012 أيضاً، صدر فيلم "بعد الموقعة" للمخرج يسري نصر الله، وعرض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان "كان" السينمائي، متناولاً في أحداثه قصة مُغايرة عن أهالي نزلة السمان، المنطقة الفقيرة في القاهرة، الذين اشتركوا في موقعة الجمل (وقاموا بضرب المتظاهرين بميدان التحرير). ورغم اختلاف طموح الفيلم عن السائد حينها، إلا أن تنفيذه السريع والمتعجل ووسط أحداث مضطربة جداً في ذلك الوقت (من أجل اللحاق بعرض "كان") جعله يفتقد رؤية فنية وسياسية متماسكة.

كذلك كان فيلم "فرش وغطا" عام 2013، للمخرج أحمد عبد الله، الذي تناول فيه شكل القاهرة وقت الثورة، من خلال قصة هارب من سجنه بعد اندلاع الأحداث، واختار أن يكون الفيلم "صامتاً" تقريباً. ولكن تلك "الفجوة" الضخمة بين "شكل" الفيلم وما يتناوله من أحداث.. أفقداه الكثير من التوازن والجدية.

ولكن المهم فعلاً في أفلام تلك المرحلة، سواء المذكورة أو غيرها من أفلامٍ وثائقية أشهرها "الميدان" لجيهان نجيم (رُشح لأوسكار أفضل فيلم وثائقي عام 2013)، ورغم مشاكلها أو عيوبها أو الجدل نحوها، هو تعبيرها عن لحظة كانت الثورة فيها "مقبولة" على مستوى رسمي، لا يؤيدها النظام الحاكم قطعاً، ولكنه لا يقدر على معاداتها بصورة علنية، لذلك كان هناك الكثير من المسموح بعرضه وتناوله، قبل أن يتغير كل ذلك لاحقاً.

الثورة المرفوضة
في 2013، حدثت الكثير من الاضطرابات السياسية. كانت ذروتها إسقاط الرئيس السابق محمد مرسي عن طريق انقلاب عسكري لوزير الدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلحة، حينها، عبد الفتاح السيسي، قبل أن يصبح هو نفسه، في 2014، رئيساً للجمهورية.

تعامل السيسي مع الثورة يُشبه تماماً تعامل النظام الحاكم العسكري منذ اندلاعها؛ قبول على مضض وتأكيد على دعم الشعب الذي خرج يوم 25، ثم تشكيك في أيادٍ خفية تدخلت واستغلت الشعب (وسمى السيسي ذلك في إحدى خطبه المبكرة بـ"أحداث 28 يناير"، وهو اليوم الذي خرج فيه الناس للشارع فعلاً وكان الفعل الأكثر أيقونية فيه هو حرق أقسام الشرطة ومبنى الحزب الوطني الحاكم)، قبل أن تكون علاقة الرئيس والنظام بالثورة واضحة جداً حين قال (في أحد أحاديثه في يناير 2018): "انتوا فاكرين اللي حصل من سبع سنين هيتكرر تاني؟". تحدد الجملة بوضوح موضع "الثورة" كـ"عدو"؛ حدث ضخم واستثنائي وفوضوي ولن يسمح النظام بتكراره مرة أخرى.

تلك الخلفية مهمة لاستيعاب مساحة الرقابة والتقييد في السينما المصرية عند التعامل مع الثورة منذ 2014 حتى الآن؛ فأي فيلم يتناول أحداثها، سواء بشكل مباشر أو غير مُباشر، لن يُمنح أصلاً تصاريح رقابية.

حتى الهامش البسيط المسموح، والذي يتجسد في فيلم "نوارة" للمخرجة هالة خليل عام 2015، وتتناول فيه الثورة بصورة "شكوى" مفتوحة تخص الفقراء وتعديل أحوالهم، بعيداً عن أي سياق أكبر مرتبط بالحرية أو القهر أو غليان الشارع، أو فيلم "اشتباك" للمخرج محمد دياب (عُرض في مهرجان "كان" عام 2016) بتجسيد "جدل واشتباك مجتمعي" داخل عربة ترحيلات في أغسطس 2013 مع تنحية شبه تامة للشرطة (التي نراها في الفيلم ترش المتظاهرين الإسلاميين بالمياه، في الوقت الذي سقط فيه ألف قتيل في ميدان رابعة العدوية في القاهرة في يومٍ واحد). ولكن المهم أن حتى هذا "الهامش" البسيط من التقاطع السينمائي مع الثورة لم يعد مسموحاً بعدها.

يتجسد ذلك بأوضح صورة عند منع فيلم "آخر أيام المدينة" للمخرج تامر السعيد من العرض في مصر، حيث استبعد، أولاً، من العرض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي عام 2016 (وأعلنت رئيس المهرجان ماجدة واصف في مرحلة لاحقة أن ذلك تم بعد تدخل جهات سيادية)، ثم عدم منحه تصريحاً رقابياً للعرض طوال عام 2017. ورغم أن الفيلم يتناول الغليان السياسي في الشارع المصري في عام 2010 من دون تناول الثورة ذاتها بشكل مُباشر، إلا أن رؤية "السعيد" للشرطة والداخلية واللحظة السياسية التي أنتجت الصورة.. كل هذا أصبح ممنوعاً.

لا يمكن لأي عمل سينمائي اليوم أن يأتي على ذكر الثورة

الشيء الوحيد الذي ظل مسموحاً هو سردية "الثورة كمؤامرة" أو "الثورة كعدو"؛ التي تظهر على سبيل المثال في فيلم "الجزيرة 2" للمخرج شريف عرفة (2014)، حيث يتناول حدث فتح السجون المصرية يوم 28 يناير باعتباره تدخلاً من أيادٍ خارجية (الجماعات الإسلامية والإخوان) وليس خطة من الداخلية المصرية بعد فقدها السيطرة على الشارع. وكذلك فيلم "عيار ناري" للمخرج كريم الشناوي في (2018)، وهو فيلم سُمِح فيه بتجسيد أحداث اشتباك سياسي مع الشرطة بعد الثورة، ولكن في قصة شاب بلطجي يُقتل داخل الأحداث ويدعي أهله أنه شهيد!

تلك هي السردية الوحيدة المسموحة في السينما المصرية عن الثورة. ومع ذلك.. يظل الأفضل بالنسبة للنظام الحاكم هو نسيان ما حدث تماماً، كأن "يناير" لم يَكن، فالمطلوب حالياً هو تذكر بطولات الجيش (فننتج سينما عن أكتوبر 1973 كمرجعية وشرعية دائمة للقوات المسلحة في الحكم)، وبالطبع تذكر أن هناك إرهاباً وخطراً دائماً ومحدقاً (فننتج أفلاماً عن الشرطة وبطولاتها وملاحقتها لإرهابيين). ولننس يناير والثورة وميدان التحرير وصورة الناس في الشارع. ولكن.. ورغم كل شيء.. فكل هذا لن يُنسى.

المساهمون