"السيادة" لكريستيان سويغال: سياقات تشكيل التطرّف وتوليد العنف الفردي

03 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 09:06 (توقيت القدس)
"السيادة": اشتغال سينمائي يُنبِّه إلى كيفية تشكّل التطرّف (الملف الصحافي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "السيادة" (2025) يعيد تشكيل حادثة ممفيس 2010، مسلطًا الضوء على التطرف من خلال قصة جيري كين وابنه جو، المنتميين لحركة "المواطنين السياديين" الرافضة للسلطة.
- القصة تركز على حياة جيري وابنه بعد فقدان الزوجة، حيث يزرع جيري أفكارًا متطرفة في ابنه، مما يؤدي إلى عنف ضد الشرطة.
- الفيلم يبرز أهمية فهم جذور التطرف، مستمدًا قوته من أداء نِكْ أوفرمان وجاكوب ترمْبلاي، ويعكس رؤية المخرج كريستيان سويغال.

ليس "السيادة" (2025) فيلماً عادياً، بل بحث عميق، وإعادة تشكيل ذكي لحادثة/جريمة مميتة، جرت وقائعها غربي ممفيس الأميركية، عام 2010. الخبر ليس الجريمة، فالقتل يُمكن أنْ يحدث في كلّ لحظة وفي أي مكان، بل في أفعال مُرتكِبَيْها ومرجعياتهما، لأنّ المحقّقين وجدوا، بعد التحقيق في سياقاتها وأسبابها، أنّ الأب وابنه (مُرتكبي الجريمة) ينتميان إلى حركة "المواطنين السياديين"، التي ترفض السلطة والقوانين الحكومية، خاصة رجال الشرطة، فتقف بوجهها/وجههم، وتحوّل المواجهة إلى عنفٍ كبير، وتنتهي بمأساة أحزنت الجميع.

أول روائي طويل

تلقّف المخرج وكاتب السيناريو كريستيان سويغال هذه الحادثة، وعكسها في أول فيلمٍ روائي طويل له، ليُنبِّه إلى ظاهرة التطرّف وكيفية تشكّله، إذْ يُمكن لأي طفل ومراهق وشاب أنْ يتشبّع بتلك الأفكار، وينضمّ إلى الجيش أو الشرطة، ليس لاقتناعه بهما أو بأحدهما، بل لأنّ منطلقه الأساسي يرفضهما، وفي هذه الحالة ينتقم من فصيل أو جهة أو بلد. هناك حوادث كثيرة نَحَتْ هذا المنحى، وعكسته.

فقدان الزوجة الأم

في "السيادة"، تعود القصة الأساسية إلى جيري كين (نِكْ أوفرمان)، والد المُراهق جو (جاكوب ترمْبلاي)، اللذين يعيشان ظروفاً مأسوية بعد فقدانهما الزوجة/الأم، وباتت الديون تحاصر الأب المتطرّف، الرافض دفع أقساط المنزل، بحجّة أنّ الأمر غير قانوني، ولا يحقّ للمصرف حجزه، لأنّه لا يعترف بقوانينه المجحفة، ولديه إيمان راسخ بأنّه سيتغلّب عليه في المحكمة، التي لا يعترف بها أيضاً. كما أنّه أدخل ابنه في هذه الحالة المرضية، وحرمه من الدراسة والاختلاط بأقرانه، مكتفياً بأنْ يُملي عليه ما يريد معرفته من تلك الأفكار. أكثر من هذا، بات الأب يلقي محاضرات في مناطق عدّة لنشر تلك الأفكار، التي تأخذ بعدها منطلقات التطرّف الأعنف، حين تتأزّم الأوضاع، فتحدث المواجهة الكبرى: بلوغ قمة العنف الذي يدعو إليه في محاضراته.
استطاع سويغال، في 100 دقيقة، صوغ مُدوّنة معقولة من العناصر المندرجة في معادلة "يجب أو يجب ألّا"، بعيداً عن التلقين والوعظ. عبرها فقط يُمكن فهم السبل التي تقود مباشرة إلى التطرّف والعنف بكل سهولة، خاصة عندما يجد جيري عقلاً صافياً وفارغاً كعقل جو، الذي لا يملك أيّ خبرة في الحياة، سوى تلك التي يعطيها له.
هذه منطلقات مرضية وفهم خاطئ، بحث عنه وآمن به، ليس لأنها أفكار يمكن مناقشتها، بل لأنها مشاكل فردية بين الأب والحكومة، بحث وصاغ لها صوغاً مناسباً، وحوّلها إلى أفكار مشروعة أقنع بها نفسه ونقلها إلى غيره. وعندما وجدها في الآخرين، آمن بها مجدّداً، لأنّه أحسّ بجدواها وقوّتها، فتمادى فيها أكثر.

معالم جديدة

المُرهق في الأمر، مُحاصرة جو، وجعله يحسّ أنّ العالم مساحة يسير فيها والده فقط. بمعنى أنّه بات لا يرى إلا ما رآه والده غير السوي، وما خبره وعاشه، فباتت تلك الأفكار المرضية شعلة توقد قلبه الغض. ثم وَجّه الكلاشنكوف إلى صدور "أطفال" مثله، تخرّجوا حديثاً من مدارس الشرطة، لاعتقاده أنّهم أعداء وأفراد غير شرعيين، يُلاحقون ويواجهون أفكار والده الصافية والمنطقية.
رسم العنف معالم جديدة في حياته، لكنّه لا يعرف المآلات التي يوصله إليها. وعندما عرف وأحسّ بها، كان الأوان فات. والمجرم الأكبر، الذي له كلّ تلك الأفكار المظلمة التي زرعها في ابنه وغيره، هو جيري، الذي لم يوزّع أفكاراً بل سموماً على كثيرين يبحثون عنها، لأنّه وجدهم جاهزين، بعد أنْ هيّأت الحكومة بمنطلقاتها الرأسمالية الموجعة المناخ له ولهم، تلك الحكومة التي تبني أبراجاً عالية على حساب من لا يملكون منازل عادية.
"السيادة" تجسيد عملي لكيفية تشكّل التطرّف وزرعه. بذلك، يُسقَط على مجتمع أو فرد يملك أفكاراً ظلامية وهدّامة. أي أنّه درس عملي لفهم المنطلقات والبيئات الحاضنة له، وكيفية تشكّله، والسياقات التي يكبر فيها وينتشر. هذا الفهم يقود مباشرة إلى طرق استئصاله ومحاربته قبل فوات الأوان.
استمد "السيادة" قوّته من طريقة بناء فكرة التطرف وصياغتها، وهذا وفقا لمنطلقات فنية، انعكست في ذهاب المخرج صوب روح "سينما الطريق"، وما يفرزه هذا التيار من تعدّد الفضاءات وتجلّي الخيوط الدرامية على طول الطريق وما تحدث من مفاجآت متعدّدة. من ناحية أخرى، ساهم التمثيل المقنع والواعي لكل من نِكْ أوفرمان وجاكوب ترمْبلاي في إعطاء الفيلم بُعداً مُقنعاً وواقعياً، خاصة أنّهما غير مألوفَيْن لدى الجمهور، ما أعطاه بُعداً توثيقياً أكثر منه تمثيلياً، وبالتالي ساهما في إقناع المتلقّي بأبعاد العمل المتعدّدة.
أثبت كريستيان سويغال، في أول فيلم روائي طويل له، بأنّه مخرج جيّد للأفلام ذات الأفكار الكبيرة، وهذا معطى يفتح له أبواب المستقبل، خاصة أنّه يملك المرجعيات المناسبة لتقديم الكثير، إذْ جاء من بيئة مناسبة، فهو خريج كلية السينما والفنون بجامعة جنوبي كاليفورنيا. كما عمل في مجالات الكتابة السينمائية والتحرير والتصوير، وإخراج أفلامٍ قصيرة.

"السيادة" لا يقدّم مجرد سرد لحادثة مأساوية، بل يفتح نافذة لفهم أعمق حول جذور التطرف والعنف في المجتمعات الحديثة. الفيلم يدعو المشاهدين للتأمل في كيفية تشكّل هذه الأفكار المدمرة، وتأثير البيئة الاجتماعية والسياسية عليها، ويطرح تساؤلات جوهرية عن مسؤولية الأفراد والمؤسسات في منع انتشارها. يبقى التحدي الأكبر هو كيف يمكن للمجتمعات التصدي لهذا التيار قبل أن يبتلع المزيد من النفوس ويهدد النسيج الاجتماعي برمته. "السيادة" ليس فقط فيلماً عن مأساة شخصية، بل هو تحذير ومناشدة لفهم أعمق وأوسع للآثار المدمرة التي يمكن أن تتركها أفكار التطرّف حين تُترك من دون رقابة أو معالجة.

المساهمون