22 سبتمبر 2020
+ الخط -

حين يتعلق الأمر بالتضليل والأخبار الزائفة، يركز الإعلام الغربي على روسيا وإيران والصين، وذلك لسبب وجيه، إذ تنشر هذه الدول الكثير من المعلومات المضللة. لكنه يميل إلى تجاهل حقيقة أن المملكة العربية السعودية يجب اعتبارها واحدة من الجهات الدولية الأخطر في مجال القمع الرقمي.

فالاستبداد الرقمي السعودي، أي استخدام الأدوات الرقمية بما فيها مواقع التواصل الاجتماعي في مراقبة وقمع وفرض رقابة على مواطنيها في الداخل والخارج، فاضح في وقاحته.

وخلال السنوات القليلة الماضية، نجحت الكيانات المرتبطة بالسعودية في استغلال "تويتر" والتغلغل فيه، لدرجة أن الموقع نفسه أصبح سلاحاً بيد الحكم السلطوي. وتحت قيادة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، حاول النظام حلّ تناقضه: تقديم صورة عن سعودية جديدة ومتقدمة، وإحباط أي انتقاد محتمل في الوقت نفسه.  

وهذه المسألة ليست صعبة، إذ إن المملكة تضم العدد الأكبر من مستخدمي "تويتر" الناطقين باللغة العربية وأكثر الحسابات الموثقة، فكيف تمنع مواطنيها من استخدام هذه المساحة الواسعة في النقد؟

الترهيب والمضايقات

القاعدة الأولى: استخدام الترهيب والمضايقات والقتل.

حرص النظام السعودي على أن يواجه منتقدوه عواقب أفعالهم؛ الصحافي السعودي جمال خاشقجي، الذي كان من منتقدي "إصلاحات" محمد بن سلمان، قُتل بوحشية داخل السفارة السعودية في مدينة إسطنبول التركية، عام 2018. وقبل اغتيال خاشقجي، واجه هجمات قاسية و"سيلا يوميا من التعليقات البغيضة" عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديداً "تويتر"، لدرجة دفعته إلى البكاء يومياً، وفق ما تداولت تقارير إخبارية.

وأرجع خاشقجي حملة الكراهية هذه إلى المستشار السابق في الديوان الملكي سعود القحطاني، الذي يعتبره كثيرون المسؤول عن هندسة سمعة المملكة العربية السعودية في الفضاء الرقمي.

وإذا كان خاشقجي مواطناً سعودياً، فالأميركيون أيضاً ليسوا آمنين. إذ حذرت أخيراً "وكالة الاستخبارات المركزية" الأميركية (سي آي إيه) العميل السابق في "مكتب التحقيقات الفيدرالي" (أف بي آي)، علي صوفان، من احتمال تدبير عملية لاغتياله بدعم سعودي. ومثل خاشقجي، واجه صوفان حملة مضايقات على "تويتر" من حسابات سعودية، بعد أسبوعين من تلقيه تحذيراً من "سي آي إيه".

وغالباً ما يُضايَق منتقدو المملكة العربية السعودية على "تويتر" وتُسرب معلومات خاصة عنهم، من دون أي عواقب تذكر. خلال الصيف الحالي، تعرضت صحافيتا "شبكة الجزيرة الإعلامية"، غادة عويس وعُلا الفارس، لموجة من التغريدات المعادية للنساء من حسابات موثقة لأشخاص معروفين على "تويتر". كما اخترقوا هاتف عويس، ونشروا صورة لها، انتزعت من سياقها، زاعمين أنها تبينها عارية.

التجسس

أُفيد بأن المملكة العربية السعودية حققت ما لم تحققه أي دولة إلى الآن: التسلل إلى مقر شركة "تويتر". خلال العام الحالي، رفع "مكتب التحقيقات الفيدرالي" (أف بي آي) دعوى قضائية ضد ثلاثة أشخاص متهمين بالتجسس لصالح السعودية. وقد عمل اثنان منهم داخل شركة "تويتر"، ووصلوا إلى معلومات خاصة عن مغردين سعوديين.

وباستخدام صلاحياتهما في "تويتر"، تمكن علي آل زبارة وأحمد أبو عمو من الوصول إلى عناوين البريد الإلكتروني، وعنوان بروتوكول الإنترنت (آي بي)، وتواريخ ميلاد عدد من منتقدي السلطات السعودية المعروفين، إضافة إلى بيانات آلاف المغردين الآخرين. والأدهى من ذلك أن الوسيط المزعوم أحمد المطيري كان مستشاراً إعلامياً لدى العائلة المالكة.

وكانت للاختراق السعودي لعملاق التكنولوجيا الأميركي عاقبة مدمرة، إذ قالت المواطنة أريج السدحان إن شقيقها عبد الرحمن أخفته الشرطة السعودية السرية، ووردت أخبار عن خمسة أشخاص آخرين، على الأقل، واجهوا المصير نفسه، كنتيجة مباشرة للتسلل السعودي إلى "تويتر".

الحسابات الزائفة والبروباغندا

فور إسكات المنتقدين، يُمكن إخفاء أي رواية مضادة باقية عبر الحرص على أن تُسمع الأخبار الموافق عليها فقط. وفي هذا السياق، تلعب المملكة العربية السعودية دوراً بارزاً في عمليات التأثير المنسقة والمعروفة عبر "تويتر". وفي الواقع، تمتلك المملكة العربية السعودية أكبر عدد من الحسابات التي أزالتها "تويتر" بسبب هذا النوع من العمليات، متفوقة على روسيا و إيران.

أحد المنافذ الإخبارية الأكثر متابعة في السعودية هو حساب SaudiNews50، وهو ليس منصة تقليدية، بل مشروع تديره شركة التسويق الرقمي "سماءات". والحساب المذكور كان من أكثر حسابات "تويتر" التي أعيد تغريد منشوراتها في العالم العربي، أثناء جريمة اغتيال خاشقجي، لكن كل ما نشره كان تضليلاً محضاً.

بعد أشهر من مقتل خاشقجي، كانت شركة "تويتر" قد حذفت 88 ألف حساب تابع لـ"سماءات"، بسبب سلوكها الذي يشبه الرسائل غير المرغوب فيها (spam). بعبارة أخرى، كان حساب SaudiNews50 ينشر بروباغندا السلطات السعودية التي عززتها آلياً جيوش من الحسابات الزائفة.

التسويق المخادع والقرصنة

كل هذه الحسابات الزائفة تخدم غرضاً رئيسياً واحداً: الإيهام بوجود دعم أو تأييد شعبي لسياسات الدولة. وبعض هذه الحسابات مرغوبة أكثر من بعضها الآخر في نشر المعلومات المضللة.

وقد قرصن حساب ينشر البروباغندا السعودية حسابات موثقة على "تويتر" لشخصيات رياضية أميركية أو مشاهير تلفزيونيين. وفي إحدى المرات، اخترق حساب عالم أرصاد جوية أميركي كان قد توفي قبل سنوات، وذلك لأسباب دعائية، إذ تمنح العلامة الزرقاء التي توضع على الحسابات الموثقة الأخبار المتداولة مزيداً من المصداقية ومجالاً أوسع للانتشار.

وهكذا، بوجود أكبر عدد من عمليات حذف الحسابات على "تويتر"، والقدرة على التسلل إلى شركة التواصل الاجتماعي، والاستعداد لإعدام النقاد بوحشية على أرض أجنبية، من الواضح أن المملكة العربية السعودية واحدة من أكثر الجهات الفاعلة، إن لم تكن الأخطر، في فضاء منصات التواصل الاجتماعي.

والعلاقة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة هي التي حالت دون التدقيق العميق في ممارساتها، إذ تميل وسائل الإعلام إلى التركيز على خصوم واشنطن الراسخين في إيران والصين وروسيا.

وليس هناك ما يشير إلى انحسار هذه الممارسات. فبعد تخفيض رتبة سعود القحطاني، عقب الإعلان عن دوره المزعوم في مقتل خاشقجي، لا تزال المضايقات والمعلومات المضللة متفشية. من غير المعروف ما إذا كان القحطاني لا يزال يتحكم في اللعبة، ولكن يبدو أن الثابت الوحيد هو محمد بن سلمان، الذي أصبحت السلطوية السعودية الرقمية تحت حكمه، رائدة عالمياً في المجال. 

* نُشر مقال الرأي هذا في النسخة الإنكليزية من موقع "العربي الجديد" في 15 سبتمبر/أيلول الحالي.