"الست"... في إثر سيرة أم كلثوم الشخصية

23 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:24 (توقيت القدس)
منى زكي في مهرجان مراكش السينمائي، 3 ديسمبر 2025(ستيفان كاردينال/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "الست" يقدم قراءة درامية لحياة أم كلثوم، مستعرضاً جوانب من سيرتها الذاتية باستخدام تقنيات سينمائية مثل الفلاش باك، مما يجذب جيلاً جديداً لاكتشاف سيدة الغناء العربي. يركز الفيلم على تفاصيل حياتها الشخصية والنفسية، ويظهرها كإنسانة عاشت تجارب قاسية أثرت في شخصيتها.

- رغم الانتقادات مقارنة بمسلسل "أم كلثوم" (1999)، يبرز الفيلم منظوراً فنياً مختلفاً، حيث تسعى منى زكي لتقديم صورة واقعية بعيداً عن المثالية. يطرح الفيلم تساؤلات حول الجوانب الإنسانية للفنانة، مثل تدخينها وغضبها.

- التحضير للفيلم استغرق ثلاث سنوات، ونجح في تقديم مادة غنية عن أم كلثوم، رغم تغييب بعض الجوانب. يركز الفيلم على مسيرتها الفنية والوطنية، ويعتمد على أداء مميز من طاقم الممثلين، مما يجعله تجربة سينمائية مهمة ومؤثرة.

بعد خمسين عاماً على رحيلها، يُعرض حالياً فيلم "الست" الذي يتناول جوانب من السيرة الذاتية لأم كلثوم، في قالب درامي يقدّم قراءة في حياة سيدة الغناء العربي، مع تفاوتٍ مقصود في التركيز على التفاصيل المحيطة بشخصيتها ومسيرتها.
يغوص الفيلم في مشاهد وحوارات بعضها موثّق بصوت أم كلثوم نفسها، فيما أُعيد بناء أماكن خاصة أو دمجها بصرياً لتفعيل الصورة وربطها بالسرد الوثائقي. وقد لجأ الكاتب (أحمد مراد) والمخرج (مروان حامد) إلى تقنية الفلاش باك بوصفها أداة مناسبة لسرد الرواية، ووسيلة جاذبة لجيلٍ جديد يسعى إلى اكتشاف أم كلثوم أو إعادة التعرف إليها.
لا تبدو المقارنة بين مسلسل "أم كلثوم" (1999) للمخرجة إنعام محمد علي والكاتب محفوظ عبد الرحمن، وفيلم "الست"، مقارنة منصفة عند المشاهدة، رغم أنها شكّلت الأساس لمعظم الانتقادات الموجّهة إلى الفيلم، خصوصاً على منصات التواصل الاجتماعي. كما لا يمكن الجزم بضرورة أن تظهر منى زكي بصورةٍ مطابقة شكلياً لأم كلثوم، ففي ذلك إلغاء لمنظور الفنان أولاً، ولمقاربة الدور ثانياً.
تحاول منى زكي أن تقود المشاهد إلى عالمٍ تحكمه سيرة ذاتية أقرب إلى التصديق، وليس إلى صورة مثالية مُسبقة. نحن أمام حياة امرأة عرفت الفقر في طفولتها، ومن الطبيعي أن تترك هذه التجارب القاسية أثرها النفسي العميق، وأن تتحول إلى ندوبٍ كامنة في الشخصية. وعلى النقيض من الصورة الملطّفة، يرصد المخرج مروان حامد تفاصيل من حياة مطربة كابرت على مصائبها، ولم تستسلم للخوف أو المرض، حتى في أكثر اللحظات هشاشة، كما في مشهد اقتحام اللص منزلها، إذ يتجاور الخوف مع الإيمان والقلق.
بحسب ما صرّح به الكاتب أحمد مراد والمخرج مروان حامد، استغرق التحضير للفيلم ثلاث سنوات، في محاولة شاقة لاختزال سبعين عاماً من حياة حافلة في عمل سينمائي واحد. ورغم صعوبة المهمة، نجح الفيلم في تقديم مادة غنية عن وجوه أم كلثوم الإنسانية والنفسية، وهي مقاربة قد ترضي بعض جمهورها وتغضب آخرين.
تظهر أم كلثوم في الفيلم وهي تدخن بشراهة، وتغضب من موسيقي يتأخر عن موعد البروفة فتوبّخه وتطرده. مشاهد كهذه تطرح سؤالاً بديهياً: ولمَ لا؟ أليست هذه احتمالات منطقية في حياة فنانة قادت فرقة، وتحملت مسؤوليات فنية كبيرة؟
تنطلق حكاية "الست" من مسرح الأولمبيا في باريس، في اختزالٍ لمسيرة امتدت 76 عاماً، شملت جولات عربية وأوروبية لدعم المجهود الحربي في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. يركّز الفيلم على حادثة المعجب الجزائري الذي اقتحم المسرح، بوصفها الوجه الآخر للحب الجماهيري، والثمن النفسي الذي يدفعه الفنان في مواجهة الهوس، إلى جانب أعباء الرسالة الوطنية ودور "نجمة الشباك".

ربما كان الجانب الأقل حظاً في الفيلم هو الإنتاج الفني والغنائي لأم كلثوم، إذ يلاحظ تغييب واضح لعلاقتها بالملحنين والشعراء، واستبدال ذلك بموسيقى مرافقة لأشهر أعمالها، ومنها "ألف ليلة وليلة" لبليغ حمدي، الذي غاب حضوره عن الفيلم كلياً.
في المحصلة، يمثّل "الست" تجربة سينمائية مهمة لكل من يهتم بسجل أم كلثوم، ويُحسب له حسن اختيار الممثلين بما يخدم الخطين الدرامي والوثائقي، من منى زكي إلى محمد فراج، وسيد رجب، وأمينة خليل، ونيللي كريم، وغيرهم. يعتمد الفيلم على عنصر وجداني واضح، صُوّر بأسلوب بانورامي متماسك، ونجح في ربط خيوط سردية متفرقة في نسيج واحد، حيوي ومشحون، من دون أن يقع في فخ الملل، رغم تجاوز مدته الساعتين.