"السادة الأفاضل"... رحيل تاجر الآثار واستيقاظ لعنة الفراعنة

20 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:11 (توقيت القدس)
بيومي فؤاد في الفيلم (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "السادة الأفاضل" للمخرج كريم الشناوي هو ملحمة كوميدية تبرز الفروقات بين الريف والمدينة، وتتناول قصة عائلة مصرية تكتشف أسرار تجارة الآثار بعد وفاة الأب، مستلهمة من فيلم "المومياء" لشادي عبد السلام.
- يعتمد الفيلم على سيناريو محكم من ثلاثة كتّاب، ويتميز بأسلوب المخرجين غاي ريتشي وكوينتن تارانتينو، حيث يقدم حبكة كوميدية ساخرة ونهايات عبثية للشخصيات، مع بعد فلسفي هزلي حول الموت.
- تميز الفيلم بأداء قوي من ممثلين ثانويين واستخدام أدوات سينمائية جديدة، ويسخر من الطهرانية الريفية، كاشفاً الجوانب الإنسانية المكبوتة في المجتمع المصري.

لم يكد المخرج كريم الشناوي ينتهي من حصاد نجاح فيلمه "ضَيّ" حتى بدأ عرض فيلمه الأحدث "السادة الأفاضل". الفيلم ملحمة كوميدية تضم مجموعة من أبرز وجوه السينما المصرية، مقسّمة بحسب الحكاية إلى خطوط متوازية، يروي خلالها قصة تبدو للوهلة الأولى تافهة عن الريف المصري وتجارة الآثار، لكنها تنفتح على تجليات تراجيدية عبثية عن فوضى العلاقات الأسرية والكبت الاجتماعي، في إطار ممتد من الضحك والمغامرة على مدى ساعتين.
تبدأ الحكاية بوفاة الأب جلال أبو الفضل (بيومي فؤاد)، لتعود العائلة وتتجمع لحضور الدفن والجنازة. يتولى طارق الابن الأصغر ترتيب كل تفاصيل البيت، فيما يعود حجازي (محمد شاهين) الطبيب من القاهرة ليكتشف حقيقة أن أباه تاجر آثار، وليس رجلاً عصامياً كما كان يظن. ويتعثر العم (أشرف عبد الباقي) بوفاة أخيه وباختفاء مومياء كانا متفقين على بيعها، فيما تتوالى مفاجآت الأب والميراث واحدة تلو الأخرى، وسط دهشة الحاضرين من عدم قدرتهم على التواصل، بالرغم من صلات القرابة الحميمة التي تجمعهم.
الفروقات بين الريف والمدينة تلعب دوراً مركزياً في إبراز حالة الشرخ الذي تعيشه العائلة، التي لم يجمعها سوى جنازة وميراث. تخرج قصة المومياء وتهريبها من أسفل السرير، لتصبح رمزاً للجشع الذي تبناه الأب أولاً، قبل أن يسلك أفراد العائلة الطريق نفسه. يلامس الفيلم، بمحاكاته الساخرة، أحد أهم أفلام الإرث السينمائي المصري، "المومياء" للمخرج شادي عبد السلام؛ فهناك حديث غير مباشر عن لعنة الفراعنة، وما قد يحدث حين تُنتزع مومياء بإهمال من باطن الأرض، إلى جانب حالة التآمر والجشع التي تعيشها عائلة أبو الفضل، في ما يشبه "عيش الضباع"، لكن في صورة كاريكاتورية مُغايرة كلياً لفيلم عبد السلام.
يحمل الفيلم، وكوميدياه، قدراً واضحاً من البعد الفلسفي الهزلي في نظرته إلى الموت؛ إذ تدور الأحداث كلها حول سيرة متوفٍّ ينتظر الدفن، وفي مساحة لا تتجاوز البيت وباحته، كأنها فصول من مسرح العبث. تتكالب أشكال الغباء الإنساني والانتهازية من أفراد العائلة ضد الميت، وفي مشهد النهاية يسخر الفيلم من تصورات الناس حول الموت؛ فالموت المهيب يُستهزأ به عبر مخيلة البسطاء، في مقابل حبكة كوميدية تشكك في هوية الميت، وما إذا كان نعشه خفيفاً لحسناته أم لأن النعش خاوٍ تماماً، في مقابل الإرث الفرعوني الذي يبجّل الموت أكثر من الحياة.
اعتمد الشناوي على أدوات جديدة في أول تجربة كوميدية طويلة له. فجاءت الصورة وتكويناتها فائقة الجمال؛ واختار مدير التصوير مصطفى فهمي باليتة ألوان غير مألوفة في السينما المصرية، مزيجاً فريداً من التركواز والأزرق والأحمر، مع كوادر واسعة تحتضن ثياب العزاء السوداء. كذلك، بدت حركة الممثلين داخل الكادر منسابة، بينما خدمت ديكورات الثمانينيات قصة الفيلم، معبرة عن تغلغل الفساد في العائلة منذ زمن بعيد.
يتضح تأثّر الشناوي في طريقة القطعات والنهايات المأساوية لشخصياته بالمخرج البريطاني غاي ريتشي في "سناتش" (Snatch)، والأميركي كوينتن تارانتينو في "بالب فيكشن" (Pulp Fiction). فالشخصيات كلها تُقدِم على أفعال تراجيدية نابعة من جهلها بالحياة، فتسقط في نهايات عبثية تموت من غبائها وسذاجتها، على عكس السرد الطويل العميق لشخصيات فيلمه السابق "عيار ناري".
لعل أبرز ما منح الفيلم ثقله بوصفه تجربة جديدة ومؤثرة في دور العرض هو السيناريو المحكم الذي كتبه ثلاثة كتّاب من مشارب مختلفة، ما جمع جمهوراً متنوعاً من أعمار مختلفة. كل شخصية، مهما بدت ثانوية، لها مبرراتها وخلفيتها التي تدفعها للتورط في بيئة الريف بما يتجاوز الصور النمطية عن هدوئه ومحبة أهله للخير.
تتجلى براعة السيناريو في الخط الثاني من أبطال الفيلم، الذي يحمل لواء الكوميديا: الثلاثي (طه دسوقي، علي صبحي، ميشيل ميلاد) الذين يخططون للسطو على البوسطة المجاورة لبيت عائلة أبو الفضل. شخصياتهم مثقلة بجوانب عائلية وطموحات شخصية، لكن في إطار كوميدي متحرر.
منهم شخصية فاروق، التي يؤديها علي صبحي، وهو حارس مرمى تلقى رشوة ليمرر هدفاً في دورة رمضانية، لكن غباء منفذ الضربة أضاع كل شيء، ليجد فاروق نفسه مطارداً من فتوات القرية الذين دفعوا له مبلغاً طائلاً. شخصية فاروق ذات رونق خاص، ميّالة إلى توقع الكوارث، وتشبه كثيرين من أبناء الأرياف الذين يمارسون كرة القدم عملاً غير معترف به. وعندما يذهب لسرقة خزنة البوسطة مع جوهري، لا يجد طريقة لتفادي البصمات سوى ارتداء قفازات حراسة المرمى، لأنها ببساطة الوحيدة التي يمتلكها.
أحد أبرز مخرجات السيناريو وبصماته الاجتماعية هو سخريته من حالة الطهرانية التي يدّعيها المجتمع المصري ذو الطابع الريفي؛ فاختيار الليلة الأخيرة من رمضان، وقدوم العيد، كان مفتاحاً لكشف الجانب الإنساني المكبوت؛ إذ يستبيح الناس ما امتنعوا عنه طيلة الشهر: المخدرات، الكحول، بل وحتى الدعارة، التي شكّلت عنصر الضحك الأبرز في الفيلم.

سينما ودراما
التحديثات الحية

تظهر هنا شخصية دنيا، الفتاة الريفية التي تمارس الدعارة، عرجاء تمشي بعكازين وساق ملفوفة بالجبس، تمارس عملها بالدَّين أحياناً، وتحتفظ بحساباتها في كراسة صغيرة. وجودها في أي مشهد يثير الضحك تلقائياً، بسذاجتها ورقصها الذي يشبه التشنجات، كما يصفه جوهري، زبونها الأول ليلة العيد.
أفضل أداء بالفيلم كان لممثلَين ثانويَّيْن: ميشيل ميلاد في شخصية محمود العويل، وأحمد السعدني في دور سمير إيطاليا تاجر الآثار والهجرة غير الشرعية، الذي قدّم أداءً جاداً كان الفيلم يحتاجه لتخفيف تدفق الكوميديا.

المساهمون