الرسائل الصوتية... نداء في الفراغ؟

22 ابريل 2021
الصورة
الحيرة التي تسببها الرسائل الصوتية تكمن في أسلوب الرد عليها (فرانس برس)
+ الخط -

نُشر مؤخراً في مجلة "ذا نيويوركر" مقال بعنوان "شهوة الحديث عبر الرسائل الصوتيّة"، تحكي فيه الكاتبة رايتشل سايم عن الرسائل الصوتية كبديل عن النصيّة والحديث الهاتفيّ. وتُحدثنا فيها عن اللحظة التي بدأت فيها استخدام هذا النوع من الرسائل، وكيف دفعها استخدام الرسائل الصوتيّة إلى إعادة النظر في أساليب التواصل مع الآخرين، وكيفية اطلاعها على آراء كارهي هذا النوع من التواصل، وكتبت مقالها المذكور في سبيل تغيير آراء بعضهم.

نكتب هذا المقال انتصاراً لكارهي هذا النوع من التواصل، أولئك الذين يعتريهم التلبك والحيرة عند استلام هذا النوع من التسجيلات، والأهم، وهي "الحيرة الكبرى"، هل يكون الرد تسجيلاً صوتياً أو رسالة مكتوبة؟ هنا بعض مساوئ هذا النوع من التواصل، وإشكاليته التي تصل إلى حد القلق العقلي: الالتباس في النبرة تتيح الرسالة النصية خلق التباس في النبرة، لا يتضح في بعض الأحيان الغضب من المزاح من التهكم، مزيج نصّي يتيح لمن يرسل ألا يكون حاسماً، يترك باباً للمجادلة والمواربة، نص يفتح على نصوص أخرى، وتناصات ربما مع رسائل سابقة، ويتيح للقارئ التفكير والتفكّر في معاني الكلمات وتواترها، خصوصاً حين نتحدث عن رسائل شخصية لا تلك الخاصة بالعمل، التي تتضح فيها أحياناً لهجة الأمر.

الالتباس في النبرة يتيح أحياناً إنهاء الحديث، أو حتى تجاهله، فمن السهل تجاهل رسالة نصيّة، أو قراءة مطلعها فقط من دون الرد على المرسل، أما الرسالة الصوتية فتحتم علينا الإجابة في حال رأيناها، أو عرف المرسل أننا رأيناها. هي أشبه بنداء لا بد من تلبيته، وتجاهله قلة أدب، تجاهل النصي أسهل ومريح، بل ويمكن التعلل بالكسل لعدم الإجابة، أما الرسالة الصوتيّة فلا بدّ من الإجابة عليها، فلا يجوز تجاهل النداء لأن إطلاقه حكماً يفترض أن هناك مجيباً.

تكنولوجيا
التحديثات الحية

معضلة الكذب والحقيقة تبيح الرسالة النصية الكذب والمواربة، تنسف السياق، نص بنيوي مغلق، لا يعلم المتلقي شروط الكتابة ومكانها وسرعة إنشاء الكلمات، وكيفية تراص الأفكار (إلا في حال إرسال جمل متقطعة). كما أن الأمر يتيح المجال للتعديل وإعادة الكتابة. وبسبب غياب النبرة، أو تعمد غيابها، يمكن الكذب من خلال الرسالة النصية، خصوصاً عند الحديث عن المكان والزمان، هي مسافة للتحرر من متطلبات الآخر التواصليّة، خصوصاً تلك التي تطلب رجع الصدى، والذي يفترض الحقيقة والرد والجدل... كل هذا غير موجود في الرسالة الصوتيّة، حيث يتضح المكان والضجيج والحالة الذهنيّة، ونبرة الصوت، كل ما يشوش على ما يراد قوله، بل وأحياناً يُفتضح الشرط الذي سجّل فيه الكلام، أثناء المشي، أثناء الأكل، أثناء العمل، وإن كان هذا مطلوباً، فليكن اتصالاً هاتفياً، وينتهي الأمر.

إشكالية الرد على تسلسل المعلومات الحيرة التي تسببها الرسائل الصوتية تكمن في أسلوب الرد عليها، أي على أي جزء من الرسالة نرد أولاً؛ السلام، ثم رد السلام ثم الطلب ثم الجواب. ومتى نجيب؟ أثناء الاستماع (إن كنا نكتب)، أو بعده. لا حوار هنا إذن. مجرد حيرة ورغبة بالمقاطعة، تلك التي لا يمكن القيام بها في الرسائل النصية أيضاً. لكن في الرسالة الصوتية تبدو المقاطعة مستحيلة؛ لأننا نضطر إلى سماع كل شيء، ولا يمكن تجاهل جزء بسبب حجم الشاشة.

معضلات وصعوبات تدفع أحياناً إلى تجاهل كل شيء وفقدان الرغبة في الكلام والكتابة. الرغبة في التعجل بعكس الاتصال الهاتفي، تمنع الرسائل المسجلة التعجّل، أي الرغبة في معرفة "لبّ" الكلام، إذ لا يمكن المقاطعة وطلب الاستعجال أو اختزال ما يقال.

الأهم، لا يمكن الرد بكلمة واحدة ضمن رسالة مسجلة، الأمر غير لطيف، بل ومعيب في بعض الأحيان، إذ لا بد من مقدمات (سلامات، رد السلام..)، إلى جانب المسافات المجانية من الأصوات والأنفاس والآهات وكل ما هو غير "نصي"، والذي أيضاً يأخذ الوقت، بعكس الرسالة النصيّة؛ تلك الكلمات المختزلة، التي يقال فيها ما يراد فقط قوله.

المساهمون