الذكاء الاصطناعي والذوق العالمي... لغة جاهزة للاستخدام
استمع إلى الملخص
- زها حديد تتصدر في العمارة بأكثر من 63 ألف أمر نصي، بينما يتصدر ويس أندرسون في الإخراج بأكثر من 92 ألف أمر، مما يعكس تأثيرهم الكبير في مجالاتهم.
- تثير الدراسة تساؤلات حول تأثير الذكاء الاصطناعي على التنوع الفني، مع وجود فجوة في استخدام الأسماء العربية، باستثناء زها حديد.
في بحث حديث نشرته منصة Kapwing، حُلِّل ما يقرب من خمسة ملايين أمر نصي استخدمها متعاملو منصة ميدجورني (Midjourney) خلال العام الأخير، في محاولة لفهم المراجع البصرية الأكثر حضوراً في مخيلة مستخدمي أدوات توليد الصور والفيديو. الدراسة، رغم طابعها الإحصائي، تقدم صورة واسعة عن الطريقة التي يعاد بها تشكيل الذوق العالمي مع طغيان استخدام الذكاء الاصطناعي، وعن المبدعين الذين احتلوا واجهة هذا المشهد الجديد، ومن بينهم اسم عربي لافت، هو المهندسة المعمارية العراقية البريطانية الراحلة، زها حديد (1950 - 2016).
من أهم نتائج البحث، كان تصدّر الفنان التشيكي آلفونس موخا (Alphonse Mucha) لقائمة الرسامين الذين يستدعيهم المستخدمون في الأوامر النصية للصور، بما يزيد على 230 ألف طلب. هذه العودة الكثيفة إلى موخا تحمل دلالة واضحة، وهي أن المستخدم يبحث عن أسلوب جاهز، له هوية مرئية مميزة وسهل أن نتعرّف إليها من خلال خطوط منحنية وجماليات حالمة وتكوينات قريبة من الصور الكلاسيكية. الذكاء الاصطناعي هنا لا يعيد إنتاج موخا وحسب، بل يعيد تدوير لغته الجمالية بوصفها رمزاً معاصراً، وجزءاً من قواميس التصميم السريعة التي يلجأ إليها المستخدمون.
في مجال العمارة، جاءت زها حديد في الصدارة بأكثر من 63 ألف أمر نصي، متفوّقة على أسماء عالمية مثل فرانك لويد رايت (Frank Lloyd Wright) وفرانك غيري (Frank Gehry). هذا الحضور لا يفسره مجرد انتشار أعمالها، بل قدرتها على أن تكون كوداً بصرياً فورياً؛ فيكفي أن يكتب المستخدم Zaha Hadid style حتى يفهم الذكاء الاصطناعي أنه مطالب بعمارة مستقبلية ومنحنية وانسيابية، عمارة قائمة على خطوط حادة وهياكل جريئة. إنها لغة جاهزة للاستخدام، قادرة على أن تمنح أي تصميم هوية بصرية متماسكة خلال ثوانٍ.
يبدو أن هذا الاستخدام لا يقتصر على الهواة، إذ تشير الدراسة إلى أن بعض المعماريين والطلاب يستعينون فعلاً بأوامر نصية تحتوي على اسم زها حديد في مراحل التخطيط الأولي، ما يمنح تصميماتهم مظهراً احترافياً سريعاً، حتى لو كانوا في طور التجريب. وفي خانة المخرجين، يتقدم المخرج الأميركي ويس أندرسون (Wes Anderson) بأكثر من 92 ألف أمر نصي، فألوانه التي تشبه الباستيل، وتُماثل الكادرات والسرد البصري في القصص المصورة، كلها عناصر تحولت اليوم إلى صيغة مفتوحة ومتاحة.
تحضر نيويورك في المرتبة الأولى بين المدن الأكثر استدعاءً في الأوامر النصية، تليها باريس وطوكيو. يعكس هذا الأمر هيمنة صورة المدينة العالمية في المخيلة الجماعية، إذ تُستحضر السماء الحضرية الشاهقة والأضواء والواجهات الزجاجية مراراً. بالنسبة إلى المُستخدِم، هذه المدن ليست أماكن بقدر ما هي رموز تعطي الصورة انطباعاً بالحداثة.
هنا، يأتي التساؤل: هل يقود الذكاء الاصطناعي نحو ذوق بصري موحد؟ تثير هذه النتائج سؤالاً عن مستقبل التنوّع الفني، فالتكرار الضخم للأوامر النصية التي تستند إلى الأسماء نفسها والمرجعيات نفسها من شأنه أن يخلق تضييقاً على التنوّع البصري. ومع تكرار الأوامر النصية وتشابهها قد نجد أنفسنا أمام ذوق عالمي متقارب، مهما اختلفت الثقافات. في المقابل، يذهب آخرون إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون نقلة في مخيلة الفنان وليس عائقاً لها، إذ يتيح له اختبار عشرات الأفكار في وقت قصير، وتجاوز مرحلة التخطيط الأولي نحو مناقشة الأثر والمضمون.
في السياق العربي، تكشف هذه النتائج عن فجوة ملحوظة، تتمثل بشبه غياب للأسماء العربية في قوائم الأوامر النصية الأكثر استخداماً على منصات توليد الصور والتصاميم. الاستثناء الوحيد تقريباً هو زها حديد، وهو استثناء لا يخفي القاعدة؛ فالذكاء الاصطناعي يُعاد تدريبه باستمرار على مرجعيات بصرية غربية، فيما تبقى المرجعيات العربية، مثل الزخارف الإسلامية والعمارة التاريخية والرموز الشعبية والأنماط الحروفية، على هامش هذا المشهد.
هذا الغياب قد تكون له تبعات مستقبلية، من بينها مثلاً ظهور صورة حضرية عربية متخيّلة لا تشبه المدن الحقيقية، بل نسخاً من نماذج جاهزة ونمطية. قد يؤدي ذلك أيضاً إلى تراجع الحس المحلي لدى المستخدم الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي لإنتاج صورة. وهنا تظهر الحاجة الملحّة لإنشاء نماذج ذكاء اصطناعي عربية تتغذى على الأرشيف البصري المحلي.
هنا، يُطرح سؤال: ما الذي يجمع المخرج ويس أندرسون والمعمارية زها حديد؟ نحن أمام معمارية تفكّك الخط المستقيم حتى يتلاشى، ومخرج سينمائي مهووس بالتماثل. لكن تحت هذا التناقض الظاهر، يلتقي الاثنان في منطقة أعمق: كلاهما يصنع عالماً لا يكتفي بتمثيل الواقع، بل يعيد اختراعه وفق منطق داخلي صارم.
زها حديد لم تكن تبني بقدر ما كانت ترسم حركة. العمارة لديها فعل زمني ومسار يتلوى وسطح ينزلق وفراغ يقاوم الثبات. مبانيها تبدو كأنها لقطة مجمدة من فيلم مستقبلي، حيث الجاذبية اقتراح وليست قانوناً. في المقابل، فإن عوالم ويس أندرسون ثابتة ظاهرياً ومؤطرة بدقة، لكن هذا الثبات يخفي حركة نفسية غنية: شخصيات قلقة، وحنين كثيف، وطفولة لم تُحلّ عقدها بعد.
كلاهما مهووس بالشكل، لكن الشكل عندهما ليس زينة. بالنسبة إلى حديد، الشكل هو الفكرة نفسها؛ لا يمكن فصل المفهوم عن الانحناءة. وعند أندرسون، التماثل والألوان الباستيلية ليسا مجرد أسلوب، بل لغة شعورية تضبط إيقاع السرد وتكشف هشاشة الشخصيات.
هكذا، تكشف هذه الدراسة أن الذكاء الاصطناعي لا يصنع الصور وحسب، بل يعيد رسم خرائط الذوق العام. فالأسماء الرائجة مثل آلفونس موخا وزها حديد وويس أندرسون، تحولت إلى مفاتيح لغوية يكتبها المستخدم في أمر صغير، فتنفتح أمامه مخيلة جاهزة. وإذا كان الفن عبر التاريخ يعتمد على إعادة تفسير العالم، فإن المشهد الجديد يضيف إلى ذلك طبقة مختلفة. فالعالم يعيد تفسير نفسه عبر برمجيات تتغذى على خيال البشر، ثم تعيد هذا الخيال بصيغة عالمية موحّدة. والسؤال هنا: كيف يمكن للفنون العربية أن تحجز مكانها داخل هذا المشهد المتسارع، قبل أن يصبح الذوق البصري الجديد حقيقة نهائية؟