الذكاء الاصطناعي في الصحافة... أيّ دور للمؤسسات؟

15 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 16 أغسطس 2026 - 12:09 (توقيت القدس)
احتجاج ضد تأثير الذكاء الاصطناعي على الصحافة في تولوز، 18 يونيو 2026 (ألان بيتون/ Getty)

فرض الذكاء الاصطناعي في الصحافة وعالم الكتابة حضوره على صناعة المحتوى، فيما لا تزال الحدود الفاصلة بين المسموح والمحظور غائبة أو ضبابية، خصوصاً عربياً. هذه محاولة لمناقشة أهمية الذكاء الاصطناعي واستحالة تجاوزه، ومسؤولية المؤسسات في تأطير استخدامه بما يخدم عملها، ومواكبة التحولات الراهنة، وتفادي ما يمكن تسميته بـ"الفناء الرقمي".

فشلت أخيراً صفقة نشر رواية الجريمة "اتصل بي، وسأخفي الجثة" للكاتب جيري فالادي، وقيمتها مليوني دولار، بسبب "شبهة" الكتابة بالذكاء الاصطناعي. في معرض دفاع فالادي عن روايته، قال إنها "مرت على قرّاء ومحررين في دور عدة، من دون اكتشاف دليل حاسم على استخدامه الذكاء الاصطناعي". كما حذر، في الوقت نفسه، من النتائج الخاطئة لأدوات الكشف، إذ لم تتضمن رسالة الوكالة بسحب الرواية دليلاً تقنياً يثبت كتابة النص آلياً. إذا كان وكيل فالادي الأدبي لديه الجرأة للتراجع عن صفقة بهذا الحجم، فإن هذه الواقعة تعيد التركيز على سؤال يتكرر يومياً: كيف يتسلل الذكاء الاصطناعي إلى عالم الكتابة بمختلف أشكالها؟ ما هي حدوده المسموح بها؟ وأين يجب رفع الأعلام الحمراء؟ إلى جانب قائمة لا تنتهي من الانشغالات التي يفترض أن تكون حاضرة في ذهن كل من له صلة بمجالات الإبداع الفكري، بما في ذلك الصحافة، وتحديداً المكتوبة.

يمكن الزعم أن المنخرطين في العمل الصحافي يواجهون هذا السؤال يومياً بينما تمرّ أمامهم عشرات التقارير والعناوين والمقدمات التي يتسلل الشك، إن لم يكن اليقين، باستخدام الذكاء الاصطناعي فيها، وبما يتجاوز الحدود التي يفترض أن تكون مسموحة. لكن يبقى السؤال الجوهري: أين الدليل الحاسم وكيفية إثباته، وما الخطوات الممكنة؟

إذا كانت هناك مسلّمات يمكن الانطلاق منها، فإن أولها يفترض أن يكون اعتبار استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة ليس عيباً أو انتقاصاً من قدرات الصحافيين، بل إن ما يمكن تسميته بـ"أميّة" الذكاء الاصطناعي هو ما لا يُغتفر في ظل التطور المتسارع الذي يشهده هذا المجال. وبالتالي، فإن توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في الصحافة أمر مشروع. أما أولئك الذين يتعاملون معه باعتباره "عدواً" يجب محاربته باستمرار والتسخيف منه، فإنهم يخوضون معركة خاسرة. هي إذاً منطقة وسطى تحتاج، قبل كل شيء، إلى أن تكون مساحة مهنية وآمنة تحكمها ضوابط واضحة تحدد ما هو مسموح وما هو ممنوع بالنسبة إلى الصحافي والمؤسسة التي ستنشر التقرير المولّد بالذكاء الاصطناعي، أو الذي استُخدمت تطبيقاته في إعداده.

على مدى السنوات الماضية، نُشرت قائمة طويلة من المقالات والأبحاث التي تتناول هذا الموضوع، وأغلبها، بطبيعة الحال، باللغات الأجنبية، الفرنسية والإنكليزية تحديداً. ويمكن الغوص في مضامينها واستخلاص الدروس والضوابط منها، خصوصاً أن المؤسسات الإعلامية الغربية تجاهر منذ سنوات باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد النصوص، كلياً أو جزئياً، فيما لم تكن مؤسسات عدة في العالم العربي قد تناهى إلى مسامعها أي شيء عن هذه الأدوات. "أسوشييتد برس"، مثلاً، تنشر منذ نحو عقد آلاف الأخبار التي تُولّد سنوياً عبر الأتمتة، ثم خوارزميات الذكاء الاصطناعي. لكنها كانت تعي جيداً، منذ اللحظة الأولى، أهمية وجود إطار منظّم، خصوصاً أن خططها كانت توسعية، فوضعت دليلاً واضحاً يحدد معايير استخدامها. وبالتالي، فهي لا تخجل من ذلك أو تخفيه، بل تفصح عنه بشفافية.

الذكاء الاصطناعي في الصحافة ومسؤولية المؤسسات

لكن المشكلة تبقى عربياً. إذ تفتقر غالبية المؤسسات إلى هذه الضوابط، بل يمكن القول إن الصحافيين العاملين فيها أو المتعاونين معها قد تقدموا عليها بأشواط، ويميلون إلى استخدام أدوات ذكاء اصطناعي مجانية وبشكل عشوائي، ما يجعل الأدوار معكوسة، أي أن الصحافي نفسه هو الذي يقود هذا المسار، لا المؤسسات. وتقول التجارب إنه كلما تأخرت المؤسسات في رسم حدود وضوابط استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة وقعت في فخاخ عدة، وباتت الكلفة أكبر بكثير عليها.

فوضى الذكاء الاصطناعي الحالية، أو ما يمكن تسميته بمرحلة الذروة أو حتى الفقاعة الخارجة عن أي دائرة رقابة، لن تدوم طويلاً. وفي خضم النقاشات الدائرة حول هذه القضايا والحقوق الفكرية، يتصدر الغرب، وتحديداً أوروبا، المشهد. خلال كتابة هذا المقال، كانت الأنباء ترد عن توجه الاتحاد الأوروبي نحو إلزامية وسم النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي، ثم تجاوبت شركة أنثروبيك، المشغلة لـ"كلود"، مع ذلك عبر إضافة بصمة غير مرئية تتيح التعرف إليها. ويمكن توقع أن تحذو شركات أخرى حذوها، فيما ستبقى أخرى بعيدة عن هذا المجال تناور. العبرة أن التحولات تحدث راهناً خلال أيام أو حتى أسابيع. ويجب أن يبقى في الأذهان أيضاً أن حيَل التغلب عليها ستكون حاضرة، مثلما حدث عندما ظهرت في الجامعات، قبل نحو عقدين وأكثر، أدوات مكافحة وكشف النسخ في الأبحاث، أو ما يعرف ببرامج مكافحة الانتحال (plagiarism).

كلما تأخرت المؤسسات في رسم حدود وضوابط استخدام الذكاء الاصطناعي في الصحافة، وفي مجال الكتابة خاصة، وقعت في فخاخ عدة، وباتت الكلفة أكبر بكثير عليها

لذلك، فإن النقاش حول ضوابط الذكاء الاصطناعي في الصحافة لا بد منه، ويفترض أن يبدأ بتحديد ما الذي تريده المؤسسات أولاً، والصحافي ثانياً، من هذه الأدوات. والأهم أن ذلك كله يحدث بينما تتغير طبيعة القراءات ومجالاتها وأمكنتها؛ فلم تعد الصحيفة الورقية ولا الموقع الإلكتروني يشكلان إغراءً لمتصفح غير صبور يستخدم هاتفه ويتنقل بين تطبيقات قائمة على السرعة والتسليع. وبالتالي، يتغير شكل عالم الصحافة جذرياً، وليس مجازاً السؤال عمّا سيبقى من عالم الصحافة المكتوبة التقليدية مستقبلاً. وهنا تصبح الهوية أكثر أهمية، على عكس ما يعتقد كثيرون، لأنها وحدها تتيح الثبات ومعرفة الخيارات للخروج من العموميات والبحث في التفاصيل.

والدور القيادي حتماً من نصيب المؤسسات في هذه الحالة، لأن استخدام الذكاء الاصطناعي الهادف يحتاج ليس فقط إلى خطط واضحة، بل إلى موارد مالية. يحدث هذا عندما تكون للمؤسسات عدة أهداف طموحة تتطلب استخدام ما يتعارف عليه باسم Large Language Model (LLM)، أي بناء نموذج لغوي كبير لذكاء اصطناعي توليدي. تهدر المؤسسات أوقاتاً طويلة في توحيد مصطلحاتها وإعداد دليلها التحريري، بينما يمكن لتدريب نموذج خاص بها أن يوفر الكثير. التدقيق اللغوي والترجمات، جميعها مجالات يمكن الاستفادة فيها من الذكاء الاصطناعي وتوفير الكثير من الوقت والجهد، على أن تبقى مرحلة التحقق النهائي من مسؤولية البشر. كما يمكن استخدام هذه النماذج لإعداد تقارير تتماشى مع السياسات التحريرية للمؤسسات، عبر تدريبها على أرشيفها الخاص، وعبر التدريب الصحيح على أوامر التوليد (prompt engineering)، لاستخراج أفضل النتائج واختصار الوقت. وهذه الأمثلة تعد "بدائية" أو الحد الأدنى الذي يمكن للمؤسسات توظيف الذكاء الاصطناعي فيها لفائدة العمل اليومي الروتيني. أما الاستخدامات المتقدمة سواء في صحافة البيانات أو التحقيقات المعمقة وحتى كتابة البرامج الخاصة بالمؤسسات، التي تلبي احتياجاتها، فحديث آخر.

ولا يمكن تجاوز أهمية أدوات الذكاء الاصطناعي اليوم في مواكبة التحولات المتسارعة في محركات البحث التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي في توجيه القارئ، بل والحجر عليه ضمن مساحات محددة. إعداد أو تحسين نص يوازن بين متطلبات تحسين محركات البحث التقليدي (SEO) وتحسين الظهور في أنظمة الذكاء الاصطناعي (AIO) لم يعد ترفاً، لأن مقابله هو الفناء الرقمي. والصمود أمام هذه التحولات هو الشغل الشاغل للمؤسسات الصحافية في الوقت الراهن. فبعض الإحصاءات الحديثة تشير إلى خسارة كبرى المواقع الإخبارية ما لا يقل عن 35% من الزيارات المباشرة إلى مواقعها، بفعل التحولات التي يشهدها عالم محركات البحث والذكاء الاصطناعي. ولا تقتصر هذه التحولات على قطاع الصحافة وحده؛ إذ تظهر بيانات منشورة في يونيو/ حزيران الماضي، استناداً إلى تتبع النقرات، حجم التغيّر على مستوى العالم، إذ تنتهي نحو ثلثي عمليات البحث على "غوغل" في الولايات المتحدة من دون أي نقرة، أي من دون انتقال المستخدم إلى موقع آخر. ولتوضيح الصورة، من بين كل ألف عملية بحث على "غوغل" في الولايات المتحدة، لا ينتج سوى 232 نقرة تقود المستخدم إلى مواقع أخرى. وبالتالي، فإن أي استخفاف بهذه التحولات المتسارعة قد تكون كلفته باهظة.

نقطة إضافية تحضر في النقاش حول الذكاء الاصطناعي في الصحافة وتؤدي دوراً رئيسياً في حماية المؤسسات والصحافيين عند استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهي مستوى الإلمام بالموضوع. كلما تقلصت ثقافة الصحافي، تحول إلى متحكَّم به، وكلما زادت معرفته، كان هو المتحكِّم بالنص، والخطر يبقى في انقلاب الأدوار، وهو ما يمكن تلمّسه يومياً، إذ إن بعض ما ينتشر حالياً من تقارير مكتوبة أو مصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي في مؤسسات عربية، يثير الأسى أكثر من أي شيء آخر، لأن التوصيف الأدق له هو الهراء.

كلما تقلصت ثقافة الصحافي، تحول إلى متحكَّم به، وكلما زادت معرفته، كان هو المتحكِّم بالنص

بديل عن المطبخ التحريري؟

يبقى سؤال أخير: لماذا يجد الصحافي في برامج الذكاء الاصطناعي ملجأً آمناً يستأنس برأيه، ولا يجده في المطبخ التحريري؟ على مدى عقود، كان يكفي أن يقال إن صحافياً تدرب في هذه المؤسسة أو تلك، ليكون هناك يقين، لا يخيب إلا في حالات نادرة، بأنه تلقى تدريباً موسعاً على ما نسميه نحن العاملين في هذه المهنة "الأصول"، وامتلك الحد الأدنى من المهارات التي تؤهله لممارسة العمل الصحافي، ثم يأتي المطبخ التحريري ليصقل هذه المهارات ويطوّرها، بل ويسهم في بناء شخصية الصحافي المهنية، إذ كان يكفي أحياناً مراقبة ما يجري داخله من دون الانخراط المكثف فيه للتعلم واكتساب الخبرة، فكيف إذا كان هناك متخصصون في التدريب والمساعدة على توليد الأفكار وتطويرها؟ أما اليوم، فيكاد هذا التقليد يغيب عن غالبية المؤسسات لأسباب عدة يطول النقاش فيها، فتراجع إلمام الصحافي بأصول المهنة، كما تراجع اهتمام المؤسسات بدورها في تكوين الصحافي وتزويده بما يحتاج إليه لأداء عمله. وتخلق هذه الأجواء البيئة المثالية لفجوات التواصل التي يملؤها الذكاء الاصطناعي بسهولة؛ فبجمل بسيطة، يتحول إلى كاتم أسرار، ومساعد في العصف الذهني، وحتى مرشد.

تراجع اهتمام المؤسسات في تكوين الصحافي يخلق البيئة المثالية لفجوات التواصل التي يملؤها الذكاء الاصطناعي بسهولة

وهنا تصبح المسؤولية أكبر على المؤسسات لإعادة التفكير في بيئة العمل السائدة فيها، خصوصاً أن غالبيتها محكومة بهاجس الكمية قبل النوعية: المهم كم خبراً ينتج الصحافي، لا ما ينتج؛ وهل يجذب الخبر قراءات أم لا، قبل أن يكون السؤال: هل الخبر مهم ومفيد ومهني؟ من دون إغفال ضرورة أن يكون المنتج/ المحتوى النهائي مقروءاً ويواكب المتطلبات التقنية. كل ذلك يساهم في تحويل الصحافي إلى آلة لإنتاج المحتوى، أو يضعه في منافسة شروطها غير عادلة، وهو ما يدفعه، من قبل المؤسسات، عن قصد أو غير قصد، إلى الاعتماد أكثر، وأحياناً بصورة عشوائية، على الذكاء الاصطناعي.

أفضل ما يمكن أن تقوم به المؤسسات حالياً هو التمهّل، والبحث بجدية وواقعية في كيفية التعامل مع الذكاء الاصطناعي في الصحافة في انتظار اتضاح حدود التحولات التي سيحملها إلى هذا العالم. وهذا يتيح لها مواكبة هذه التحولات والمواءمة بين هدفها الأساسي، بوصفها مصدراً موثوقاً للمعلومات، ومتطلبات قرّاء هذا العصر.