الذاكرة الخصبة في بيروت... استعادات سينمائية في مواجهة المحو
استمع إلى الملخص
- يعتمد خليفي على تداخل فريد بين التسجيلي والروائي، ليخلق سردية تتجاوز السينما السياسية التقليدية نحو الشعر البصري، حيث تصبح الكاميرا مشاركة في الحكاية، وتعيد للوقت معناه وللصورة قدرتها على التأمل.
- إعادة عرض الفيلم في بيروت يمثل استعادة ثقافية، حيث يخرج الجمهور بصمت عميق، متأثرين بقدرة الصورة على الشفاء وجمع الناس حول ذاكرة لا تموت.
عُرض في بيروت أخيراً فيلم "الذاكرة الخصبة" للمخرج الفلسطيني ميشيل خليفي، أحد أبرز روّاد السينما الفلسطينية الحديثة، في لقاءٍ بدا وكأنه عودة إلى الجذر الأول للصورة، وإلى السؤال الذي ما زال مفتوحاً منذ عقود: كيف يمكن للفن أن يواجه المحو؟
منذ اللقطة الأولى، يفتح خليفي نافذة على العالم الداخلي للمرأة الفلسطينية: الأم، والأرملة الصابرة التي تخوض معركتها اليومية مع الاحتلال، والابنة، التي تبحث عن ذاتها بين الغياب والمنفى. هاتان الشخصيتان ليستا مجرد رمزين اجتماعيين، بل هما وجهان للهوية الفلسطينية نفسها: واحدة متجذّرة في التراب، والأخرى تائهة في حداثة مفروضة من الخارج.
وبين هذين الصوتين، تقف الأرض كامرأة ثالثة، خصبة رغم الجراح، تحفظ الذاكرة في الحجارة والقمح والزيتون. لذلك لم يكن عنوان الفيلم مجرد استعارة، بل تعريفاً جديداً للخصوبة: خصوبة الذاكرة والقدرة على تجديد الوجود في وجه الطمس.
يعتمد ميشيل خليفي في "الذاكرة الخصبة" (1981)، على تداخلٍ فريد بين التسجيلي والروائي، ليخلق سردية لا تُشبه السينما السياسية التقليدية، بل تتجاوزها نحو الشعر البصري. الكاميرا هنا ليست شاهدة فقط، بل مشاركة في الحكاية. تتجوّل ببطء في الأزقة، تصغي إلى صمت البيوت، وتلاحق الريح بين الحقول. كل لقطة تقول ما لا تستطيع الكلمات قوله.
يُبطئ خليفي الإيقاع عمداً، كأنه يريد للمُشاهد أن يتورّط في الحنين، في الانتظار، في ثقل الزمن الفلسطيني الممتد منذ النكبة. هذا البطء ليس ضعفاً درامياً، بل اختيار فني يعيد للوقت معناه، وللصورة قدرتها على التأمل والمساءلة.
لا يستخدم خليفي المرأة باعتبارها عنصراً تزيينياً أو أداة رمزية فحسب، بل يجعلها مركز الوجود الفلسطيني. فالمقاومة في أفلامه لا تقتصر على السلاح، بل تمتد إلى الحياة اليومية: الزراعة، والغناء، والحكاية، والقدرة على البقاء.
هكذا يتحوّل الجسد الأنثوي إلى أرضٍ ثانية، وإلى وعاء للذاكرة الجمعية. والخصوبة - في بعدها الأعمق - هي استمرار الحكاية في وجه النسيان، وهي فعلٌ من أفعال الرفض.
ينتمي ميشيل خليفي، المولود في الناصرة عام 1950، إلى جيلٍ صنع السينما الفلسطينية من داخل فلسطين، بعد أن كانت تُروى غالباً من المنفى. دراسته في بلجيكا مكّنته من بناء لغة بصرية تجمع بين الحس الأوروبي الدقيق والتجذر الشرقي في الحكاية والرمز.
من "عرس الجليل" (1987)، الذي عُرض في مهرجان "كان" ونال جوائز عالمية، إلى "نشيد الحجر" (1990)، وحتى أعماله الوثائقية، يظل خليفي مخلصاً لفكرته الكبرى: أن الجمال نفسه مقاومة، وأن الفلسطيني ليس ضحية فقط، بل إنسانٌ قادر على الحب، والعمل، والفن، مهما ضاق به المكان.
إعادة عرض "الذاكرة الخصبة" اليوم ليست مجرد مناسبة سينمائية، بل فعل استعادة ثقافي في مدينة أنهكتها الانهيارات. بيروت هنا تشهد مجدداً على قدرة الصورة على الشفاء، وعلى جمع الناس حول ذاكرة لا تموت.
لقد خرج الجمهور من القاعة بصمتٍ عميق، كأنهم يشيّعون زمناً ويولدون من جديد. ذلك الصمت بالذات هو ما يريده خليفي: أن تخرج من الفيلم وفيك أثر الأرض. ففي زمنٍ يغمره الضجيج الرقمي، يذكّرنا ميشيل خليفي بأن السينما، حين تكون صادقة، تصبح مثل الذاكرة نفسها: خصبة، مؤلمة، لكنها لا تُمحى.