الدراما المغربية: الأزمة تبدأ قبل السطر الأول

الدراما المغربية: الأزمة تبدأ قبل السطر الأول

20 يناير 2021
الصورة
نعيش في عصرٍ كلّ ما يُنتح فيه عالمياً مُتاح بفضل منصّات كـ"نتفليكس" (Getty)
+ الخط -

تُعاني الدراما المغربيّة أزمة وجود وهوية، قبل مشاكل النصّ والتقنية وغيرها. فتعدّد الصور المُستلبة من الدراما الأجنبية، تركية أو هندية، يجعل نصوصها مُرتبكة وغير قادرة على التقاط تفاصيل من حياة الناس وعيشهم.

الواقع السياسي بنتوءاته وهَجانته، غائبٌ ومُغيّبٌ في الدراما المغربيّة، بحكم العلاقة المُتنافرة واقعياً ومُتخيّلاً بين التلفزيون والسياسة. فالأوّل غير قادر، بمسلسلاته وأفلامه، على إحراج السلطة سياسياً، والتأثير في لعبتها، أو أقلّه في القبض على قصصٍ وحكايات، تُعاد بلورتها ونسجها في الصورة التلفزيونية، بقدر ما تظلّ مُلتصقة بالواقع الذي أفرزها، وتنأى عنه في آن واحد.
بما أنّ مجمل شركات التلفزيون تنتمي إلى مُؤسّساتٍ تابعة للدولة ومُخطّطاتها، فإنّ الهوّة في العلاقة بين التلفزيون والسياسة ـ السلطة تزداد بشكلٍ كبير، أمام واقع مغربي، يحبل بمختلف التناقضات النفسية والسياسية والاجتماعية، وبعدم قدرة الدراما المغربيّة، منذ ثمانينيات القرن الـ20، على توطيد هذه العلاقة، بسبب الرقابة، ليس واقعياً بل في سيرة المرئي المُتخيّل. على هذا الأساس، فإنّ أهمية الصورة الدرامية، التي يحاول بعض المسلسلات طرحها سياسياً واجتماعياً، تكمن في قيادتها إلى كتابة تاريخٍ هامشيّ مُضادٍ، يتنصّل من التواريخ الرسمية، التي تكتبها السُلطة وحاشيتها عادة، بحيث إنّ ضخامة الإنتاجات الدرامية تُمكّنها ـ في حالاتٍ كثيرة ـ من كتابة مضادة للسُلطة، تُفجّر أوهامها وعيوبها، وإنْ بطريقة مُتوارية، لكنّها مُؤثّرة، تقتحم معها مختلف التابوهات الجنسية والسياسية والدينية، التي لا تزال إلى اليوم تعترض سير الدراما وتقدّمها، في المغرب كما في البلاد العربيّة.

بما أنّ مجمل شركات التلفزيون تنتمي إلى مُؤسّساتٍ تابعة للدولة ومُخطّطاتها، فإنّ الهوّة في العلاقة بين التلفزيون والسياسة ـ السلطة تزداد بشكلٍ كبير

في هذا التحقيق، تتناول "العربي الجديد" آفاق الصناعة الدرامية في المغرب ومستقبلها، على ضوء علاقتها بالموروث السلطوي، مع عاملين في الصناعة الفنية، تأليفاً وإخراجاً ونقداً. السيناريست عبد اللطيف نجيب: الدراما التلفزية لا تتناول السلطة

للحديث عن الدراما التلفزيونية والسلطة، لا بُدّ من الإشارة إلى العلاقة الشائكة والملتبسة بين الطرفين. فالفنّ عامة مُحرّك أساسي للوعي والإحساس بالجمال؛ وللسينما والتلفزيون، أي الصورة بشكل عام، قوّة تأثير ونفاذ إلى وعي الجمهور الواسع، وتوجيه الذوق الفني إلى التماهي بالواقع والتصالح معه، أو إلى نقده والرغبة في تجاوزه. في هذا الإطار، تبدو العلاقة مُتنافرة بين الدراما التلفزيونية والسلطة، إذا حصرنا الموضوع في إشكالية الفن والسياسة. من المعلوم أنّ التلفزيون نافذة إعلامية مفتوحة على قاعدة واسعة من المُشاهدين. لذا، فإنّ كلّ عمل درامي مُعدّ للعرض أمام الجمهور لا بُدّ من خضوعه للرقابة، خاصة في مجتمع ودولة لا يزالان يعانيان مشكلة التابوه والمقدّس، المطروحين بإلحاح. وبالتالي، فإنّ هامش الحريات في الإبداع ما فتئ يضيق.

أما إذا حصرنا موضوعنا في الدراما التلفزيونية وكيفية معالجتها لإشكالية السلطة، فهذه الأخيرة تتّخد أبعاداً عدّة: السلطة الأبوية في الدراما الاجتماعية، كما في "وجع التراب" لشفيق السحيمي؛ أو السلطة المالية، كما في "يقوت وعنبر" لمحمد نصرات. هناك الدراما البوليسية، كما في "المفتش حمادي" لداوود ولاد السيد. في جولة سريعة على المسلسلات الرمضانية الأخيرة، يُلاحَظ أنّ الدراما التلفزية تبتعد كُلّ البعد عن تناول قضية السلطة بمعناها الشامل، ومعالجتها في قالب درامي يستكنه تعقيداتها، ويكشف عن تمفصلاتها المعقّدة، والتي تجمع بين السلطات السياسية والدينية والجنسية، لأنّ السياق الثقافي والمجتمعي لم يتلقَّ بعد عقار التشافي من الخوف بل الرهاب، الذي يحدثه الكلام عن الممنوع أو التابو. في المقابل، تحاول الدراما السينمائية تجاوزه.

المخرج محمد الشريف الطريبق: الدراما المغربية تتطوّر في غياب استراتيجية

أولاً: 90 في المائة من الدراما المغربية إنتاجُ قنوات رسمية، وتقوم شركاتٌ بتنفيذ الإنتاج فقط. لكنْ، قبل التحدّث عن رقابة الدولة، أظنّ أنّ رقابة المجتمع أصبحت أشرس، كما يمكننا التحدّث عن الرقابة الذاتية، التي تبدأ من تبلور فكرة عمل سيبثّ على الشاشة الصغيرة، ويُفترض بالعائلة أنْ تُشاهده. عموماً، الدراما المغربية تتطوّر في غياب استراتيجية تنطلق من سياسة وانتظارات الدولة في هذا المجال، لأنّه لا يزال يُنظَر إليه كترف لا كقطاعٍ اقتصادي وتربوي. الإنتاج التلفزي لم يكن أبداً مُرادفاً للإبداع، لأنّه دائماً من إنتاج قنوات رسمية. لذا، فإنّ هناك مُحدّدات أخلاقية وسياسية لا يُمكن تجاوزها. ورغم التحوّل الذي عرفه السمعي البصري عالمياً، من عدم وجود حدود بين السينما والتلفزيون، فإنّ المسلسلات تبقى ـ من ناحية القيم والمغامرة الفنية ـ إنتاجاً يرغب في أنْ يكون شعبياً، وبالتالي شعبوياً. في المغرب، وعلى عكس الرأي السائد، نتمتّع بحرية فنية، لأنّ المطلوب هو الجودة. لكنّنا نواجه مشكلة الكتابة، فالكتابة الدرامية تحتاج إلى ساعات عدّة من العمل، ما يفرض التحكّم التام في آلياتها، وفي تطوير السيناريو لأعوامٍ، قبل الشروع في التنفيذ. واقع الحال أنّ هناك أعمالاً تُكتب حلقاتها في حينها، ما يجعل بنية الأعمال هشّة. من حيث الإنتاج، أغلبية المنتجين هم حقيقةً وسطاء بين القناة والمبدعين، يرفضون المغامرة في عملٍ إنْ لم تكن هناك ضمانات مادية من القنوات التي ينفّذون لها الإنتاج، وهذا يجعل كلّ شي مؤجّلا إلى حين وجود التمويل، فتضيع فرصة تحضير معقول، ويتعثّر التصوير، ويسوده الارتجال.

مسألة الرقابة نقاشٌ قبل أوانه. لا نزال نراهن على أعمالٍ تحترم قواعد الكتابة، وتحقّق نوعاً من الانسجام بين مكوّناتها

مسألة الرقابة نقاشٌ قبل أوانه. لا نزال نراهن على أعمالٍ تحترم قواعد الكتابة، وتحقّق نوعاً من الانسجام بين مكوّناتها، وما لها من قوّة على أنْ تسافر بالمتفرّج، خصوصاً أنّنا نعيش في عصرٍ، كلّ ما يُنتح فيه عالمياً مُتاح، بفضل منصّات كـ"نتفليكس". على هذا الأساس، على الدول التي تُفكّر جدّياً بالأمن الغذائي، أنْ تُفكِّر أيضاً بالأمن الثقافي، وإلّا سينتقل المتفرّج إلى منابر أخرى، وعندها تصعب مخاطبته، بعد أنْ يفقد الثقة في الإنتاج المحلي. عواقب هذا الوضع تتجاوز الثقافة وحدها، لتعمّ مجالات الحياة، وعلى رأسها الإنسان.

الناقد سليمان الحقيوي: لا مجال لمشاهدة مشاريع درامية تتأمل الواقع المغربي

لطالما ارتبط الحديث عن الدراما المغربية بالخصائص والسّمات نفسها التي طغت على مجمل الإنتاج الدرامي المغربي، أقلّه في العقدين الماضيين. تؤكّد هذا الارتباط حالة الجمود التي تتصف بها عجلة الإنتاج الدرامي المغربي، وتأخّر النظر في قطاعٍ يؤدّي، في بلدان أخرى، دور القوّة الناعمة. لذلك، لا يمكن أنْ نفصل الإنتاج الدرامي، المعروض على القنوات المغربية المحلية، عن الإنتاجات الأخرى، كبرامج اجتماعية وسياسية واقتصادية وإخبارية.

من هذه الناحية، ورغم سلبياتها، يبدو أنّ هناك انسجاماً بين عناصر المنتوج البصري المغربي، في تشكيل صورة ضحلة وموغلة في الانحدار منذ زمن، ما ولّد علاقة، متشنّجة ومستمرّة، بين رفض هذا الوجه الكئيب والمُطالبة بتجويده.

لكنْ، أشير إلى أنّ هذا المنتوج، رغم كل ما يقال عنه، يُلاقي إقبالاً في مواسم عرضه، كشهر رمضان مثلاً، لاعتبارات لها علاقة بعادات التلقّي ونسبة الأمية. من أسباب هذا الوضع، هناك انحسار دائرة الإنتاج في قنوات القطب العمومي، المتميّزة بتعدّد شكلي فقط التي تشتغل بالوتيرة المطمئنة نفسها لصالح شركات الإنتاج نفسها، والمرتبكة في طلب عروض الإنتاجات وقبولها، والحيّز الزمني المخصّص لتنفيذها.

تأتي الدراما المغربية بالخصائص نفسها التي تصاحب ولادتها: ضعف كتابة، وسطحية مواضيع، وانعدام معالجة، وسرعة تنفيذ

 

أمام ظروفٍ كهذه، تأتي الدراما المغربية بالخصائص نفسها التي تصاحب ولادتها: ضعف كتابة، وسطحية مواضيع، وانعدام معالجة، وسرعة تنفيذ. لا مجال إذاً لمُشاهدة مشاريع درامية، تتأمّل الواقع المغربي، المتّسم بالغنى والتنوّع، أو حتى الإنصات إلى نبض الشارع الذي يوفّر مادة مُهمّة، تسم تغيّره المتسارع.

في هذا الجانب، تستحيل رؤية دراما تشتغل بعمق على التاريخ أو الواقع، في معترك السلطة أو السياسة أو الدين، أو غيرها من المحرّمات. وبفعل محدودية فضاء العرض، وطرق الدعم الملتوية، ونمطية العلاقة بين مهنيي القطاع، صارت تمارَس رقابة ذاتية للمحافظة على وتيرة الإنتاج نفسها، من دون طموحاتٍ لخلق أفق تكسر به هذا الجمود، أو حتّى ترغب في تغيير ربما يؤدّي إلى فتح المجال أمام مشتغلين جدد، يُقلقون طابور المستفيدين من الوضع، أو يحرّكون قصصاً تشاكس السلطة.

المساهمون