الدراما الأردنية: الفنانون يُطلقون صرخة في وجه الحكومة
استمع إلى الملخص
- في 23 سبتمبر 2025، طالب الفنانون الأردنيون بدعم حقيقي للقطاع تحت قبة البرلمان، مشيرين إلى تدني دخلهم مقارنة بالمبالغ الكبيرة المخصصة للمؤثرين، ودعت نقابة الفنانين إلى محاسبة المسؤولين وتوفير فرص عمل.
- أثار إنتاج مسلسل رمضاني بميزانية كبيرة من بطولة "المؤثر" يزن النوباني جدلاً، مما يعكس مشكلات أعمق في بيئة الإنتاج الثقافي الأردني وضرورة وضع خطة شاملة لدعم الإبداع المحلي.
تشهد الدراما الأردنية أزمة حادة، تصاعدت أخيراً مع احتجاجات فنانين ضد تدهور أوضاعهم المعيشية وتهميشهم المستمر. وهي أزمة تتفاقم منذ عقود، تعود إلى أسباب متشابكة: غياب الدعم الرسمي، وتراجع الإنتاج، وضعف التخطيط الثقافي، وهيمنة المحتوى الأجنبي على حساب المحلي.
بعد مرحلة ازدهار في الثمانينيات، تعرّضت الدراما الأردنية إلى ضربات متتالية، أبرزها أزمة الخليج عام 1990 التي أثرت سلباً على السوق المحلية. تراجعت آنذاك ميزانيات الإنتاج، وغابت سياسات واضحة لدعم القطاع. وعلى مدار سنوات، اعتُبر الفن ترفاً ولم يُنظر إليه بوصفه أولوية، ما أدى إلى توقف كثير من المشاريع وخسارة الفنانين فرص العمل والاستقرار. اقتصادياً، تقلص التمويل، وعزف المستثمرون عن الإنتاج الدرامي، فيما فقدت الدراما الأردنية مكانتها عربياً. أما ثقافياً، فتراجع الاهتمام بالمحتوى المحلي، وحلّت الأعمال المدبلجة والمنتجات المستوردة محل الدراما الوطنية، التي باتت محصورة في أعمال نمطية لا تعبّر عن المجتمع أو تحاكي تطلعاته.
صرخة من أجل الدراما الأردنية
أطلق الفنانون الأردنيون في 23 سبتمبر/ أيلول 2025 صرخة تحت قبة البرلمان، مطالبين بدعم حقيقي للقطاع. تحدث نقيب الفنانين السابق ساري الأسعد عن واقع صادم: أكثر من مائة فنان لم يتجاوز دخل كل منهم ألف دينار (1250 دولار) خلال عامين، فيما يُصرف على بعض "المؤثرين" مئات آلاف مقابل عمل واحد. وانتقد تخصيص التلفزيون 500 ألف دينار لأحد المؤثرين، واصفاً ذلك بـ"القتل المعنوي للإبداع"، مطالباً بمحاسبة المسؤولين. ووصف الممثل زهير النوباني الوضع بأنه "مهين"، وأشار فنانون آخرون إلى معاناة معيشية حادة، فيما أكد النقيب الحالي محمد يوسف العبادي أن القضية لم تعد مطلبية، بل تمسّ جوهر العدالة الفنية والهوية الوطنية.
أكدت نقابة الفنانين أنها ليست مسؤولة عن الأزمة، بل دعمت بيان "الصرخة"، وحاولت التواصل مع الجهات الرسمية لتوفير فرص عمل للفنانين. واتهمت الحكومات المتعاقبة بعدم تقديم حلول جذرية، منتقدة توجه التلفزيون نحو محتوى قائم على اسكتشات وسائل التواصل الاجتماعي الضحلة، بدلاً من الدراما المحلية. وأوضح وزير الثقافة، مصطفى الرواشدة، أن الوزارة ليست جهة إنتاج درامي، بل تدعم الفعاليات الثقافية والفنية ضمن إمكاناتها، ودعا إلى عقد ورش عمل مشتركة بين النقابة والقطاع الخاص لصياغة خطة دعم متكاملة. واقترح زهير النوباني تحويل وزارة الثقافة إلى وزارة سيادية، وتخصيص موازنات حقيقية لإنتاج أعمال تعرض على الفضائيات العربية، بما يعيد للدراما الأردنية حضورها. كما دعا إلى إنتاج تسعة مسلسلات سنوياً (270 حلقة) وتحديث التشريعات المتعلقة بالصناعة الفنية. ورأى المنتج عصام حجاوي في الدراما "صوت الوطن"، ودعا إلى إنشاء مجلس أعلى للدراما، بميزانية لا تقل عن عشرة ملايين دينار، يتولى الإنتاج والتسويق، على أن يُلزم التلفزيون بشراء الأعمال المحلية لتشجيع المنتجين والاستثمار المحلي.
شرارة الجدل
اندلعت كل هذه السجالات بعد إعلان مؤسسة الإذاعة والتلفزيون عن نية إنتاج مسلسل رمضاني من بطولة "المؤثر" يزن النوباني، بميزانية قدرت بـ480 ألف دينار. وأثار القرار استياء فنانين اعتبروا أنه تجاهل للخبرات المحلية، ودفع النوباني لاحقاً إلى إعلان انسحابه من المشروع، مبرّراً قراره بتجنب الإساءة إلى مؤسسة وطنية. وفي حين دافعت المؤسسة عن المشروع وأكدت أن الميزانية تغطي تكلفة الإنتاج بالكامل، اعتبر بعضهم أن هذه الأموال كان يمكن أن توجَّه إلى دعم الدراما الأردنية التقليدية.
بطبيعة الحال، امتدت هذه السجالات إلى وسائل التواصل الاجتماعي، فانقسم الرأي العام الأردني بين متعاطفين مع الفنانين المخضرمين، ومدافعين عن النوباني كونه وجهاً شبابياً يحظى بشعبية واسعة. بعضهم رأى أن تكاليف الإنتاج مبالغ فيها، بينما دافع آخرون عن النوباني بوصفه جزءاً من الجيل الجديد الذي يجب دعمه. طاولت هذه السجالات سياسيين سابقين، إذ نشر الوزير السابق مروان جمعة تعليقاً وصف فيه منتقدي النوباني بـ"الفاشلين"، ما أثار موجة استنكار دفعته إلى حذف المنشور لاحقاً.
تعكس الأزمة الحالية مشكلات أعمق في بيئة الإنتاج الثقافي الأردني، فالإهمال المزمن للدراما وتكرار الوعود الرسمية من دون تنفيذ خلقا حالة من الإحباط لدى الفنانين. ومنذ أول اعتصام لهم عام 2011، لم تُترجم وعود الدعم إلى إجراءات حقيقية. حتى التوجيهات الملكية السابقة بتخصيص دعم مادي لم تنفّذ، كما يؤكد فنانون. ترى "مجموعة الصرخة" أن الأزمة جزء من أزمة إبداع أوسع، تطاول قطاعات ثقافية مختلفة. وطرحت المجموعة ورقة عمل تدعو إلى إنتاج حكومي منتظم، وتأسيس رقابة فنية مستقلة، وتمثيل مؤسسي للفنانين في صناعة القرار، وترويج الأعمال محلياً وعربياً. دعت، أيضاً، إلى تحسين أجور العاملين وزيادة سعر شراء التلفزيون الأعمالَ الأردنية لضمان الاستمرارية والجودة.
لم تعد أزمة الدراما الأردنية مجرّد قضية قطاع، بل قضية وطنية في صُلب الإنتاج الثقافي، وتستدعي معالجة جدّية لا تقتصر على ردود الأفعال أو الحلول المؤقتة. المطلوب خطة شاملة تعيد بناء الثقة وتضمن استدامة الإبداع المحلي.