الحاجة الحمداوية: الأغنية التي عرفها المغرب

07 ابريل 2021
الصورة
مثّلت للاستعمار شبحاً مُرعباً ووجهاً حقيقياً لكل أشكال النضال (عبد الحق سنّة/فرانس برس)
+ الخط -

بدا رحيل المطربة المغربيّة المخضرمة الحاجة الحمداوية (1930-2021)، أول من أمس، بارداً، بالنظر إلى حساسية حياتها الشخصية ومسيرتها الفنية داخل مغرب ينغل سياسيا، تحت وطئة الاستعمار وميثولوجياته. لم يكُن بإمكان الحمداوية، وهي صغيرة تحبو على درب الغناء في ذلك الإبان، إلّا أن تكون من الوجوه الفنية البارزة التي تصدّت للاستعمار الفرنسي عن طريق الأغنية داخل مجتمع مغربيّ تقليدي، لم تكُن مظاهر التحديث والحداثة قد تجذّرت في نسيجه الاجتماعي. هذا الأمر وجد فيه الاستعمار خرقاً لسياسته ومقاومة لوجوده، وأهميّة ذلك في تحرير الشعوب من تقليديتها.

على هذا الأساس، ظلّ الاستعمار يُمارس سطوته التنكيلية في حقّ الفنانة الواعدة، وهي صغيرة تُطرب الناس داخل الأعراس والحفلات الوطنية المغربيّة، وترسم صورة مغايرة لمغرب الخمسينيات.

لكن، ما ظلّت تتميّز به تجربة الحمداوية وهي شابة هو ثورتها على التقاليد الغنائية السائدة آنذاك. فهي أوّلاً لم تستعر لسان الغرب وتنخرط في حداثته الفنية عن طريق الاستعمار، وإنّما بقيت مُتشبثة بفنّ غنائيّ شعبيّ، لم يكُن متداولاً داخل أوساط فنية برجوازية تحتقر هذا اللون الغنائي، باعتباره "فنّاً منحطّاً"، كما زعموا، ولد داخل أوساط شعبية وقبائل رعوية، ومن دون قوالب غنائية مُتعارف عليهاً أكاديمياً.

لكن الحمداوية، وبانتمائها إلى طبقة كادحة وفقيرة، شعرت أنّ أغانيها تخرج من رحم معاناة مغرب الخمسينيات، هذه الأغاني التي لا يُطيقها الاستعمار، الأمر الذي جعلها تتردّد إلى مخافر الشرطة وسجونها المحلية كلّما قدّمت أغنية سياسية تنتقد فيها الاستعمار وتعري قهره وتبرز جحيمه في حقّ المجتمع المغربي، الذي لم يكُن يلتفت إلى الحاجة الحمداوية، رغم ما ألمّ بجسدها من فرط التعذيب وقدرتها في أن تظلّ مُتشبثّة بقيّمها ومواقفها تجاه هذا اللون الغنائي.

ورغم الحيف الذي عانت منه الحمداوية، أوّلاً من لدن الاستعمار، والمجتمع التقليدي من جهة ثانية، ظلّت أغانيها منارة ساطعة في تاريخ الأغنية الشعبيّة المغربيّة على مدى 70 عاماً، خلال مراحلها الذهبية إبان ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، قبل أن يدخل هذا اللون الغنائي مرحلة الركود والانحطاط منذ الثمانينيات.

يُنظر اليوم إلى المطربة الحاجة الحمداوية، أمام التحوّلات الممسوخة التي عرفتها الأغنية الشعبية بالمغرب، إلى أهميّتها تاريخيّاً والمُتمثّلة في اعتبارها في طليعة الوجوه التي عرّفت بهذا اللون الغنائي إبان مرحلة أكثر حساسية، لكن هذا الأخير سيتحوّل في خدمة مسيرة الحاجة الحمداوية كمطربة مُحبّبة لدى الأجيال المغربيّة الجديدة، خاصّة بعد حصول المغرب على الاستقلال سنة 1956، حيث سيبزغ نجم الفنانة لتصبح أقرب إلى المؤسّسات الرسمية، فهي تُعرف على أنّها غنّت في القصور الملكية في عهد ثلاثة ملوك (محمد الخامس، الحسن الثاني، محمد السادس)، وأحيت أكبر الحفلات داخل بيوت كبار السياسيين والعسكريين في تاريخ المغرب الراهن. ومع ذلك، ظلّت الحمداوية تُحافظ على يفاعتها وقوّة صوتها وبساطته في اختراق مكبوت المجتمع المغربي.

صحيح أنّ أغانيها الأخيرة أكثر ترفيهية ولا يستجيب بعضها لفنّ العيطة، كما عُرف في تاريخ الذاكرة الغنائية المغربيّة، ما حكم على هذه الأغاني بالترفيه والاستسهال، وأضحت في صورتها العامّة وكأنّها خاضعة لمنطق الطلب والعرض، وتستجيب أكثر إلى الحفلات والأعراس، لكن هذا التغيير، الذي طبع أغاني الحمداوية، لم يكُن اعتباطياً وذاتياً، وإنّما جاء نتيجة تحوّلات جمّة وعميقة شهدتها الأغنية الشعبية في المغرب ككلّ، وهي تستجيب لمُختلف تطوّرات المرحلة ومفاهيم الذوق وابتذاله.

تحوّلات بدأت من أفول الآلات الموسيقية التقليدية، صوب أخرى أكثر حداثة على مستوى الصوت، واستمرت تتوغّل في تحطيم بناء معمار الأغنية المغربيّة وأسسها الجمالية، التي استند إليها فنّ العيطة عبر تاريخه. فالمُستمع اليوم من الأجيال الجديدة إلى أغاني الحاجة الحمداوية، قد لا يُطرب في الاستماع إلى بعض أنواع العيطة، بسبب تقليدية أدائها وبساطة كلماتها، غير أنّ عذوبتها تتبدّى في صوت الحمداوية والبحّة التي تطبع صوتها داخل الحنجرة، ما يحدث رقّة خاصّة لحظة خروج الصوت.

أما بالنسبة إلى الاستعمار، فقد مثّلت بالنسبة له شبحاً مُرعباً ووجهاً حقيقياً لكل أشكال النضال والمقاومة الشرسة التي أبداها المغاربة تجاهه، بسبب سهولة ذيوع الأغنية وتمركزها على ألسنة الناس داخل حفلاتهم وأعراسهم داخل البوادي، بحيث أنّ هذه الوجوه النسوية (الشيخات كما سميت في المصادر)، التي كانت تُغنّي هذا اللون، وجدت فيه ضالة كبيرة على مستوى تحريض الفلاحين والمزارعين ضدّ الاستعمار ووسيلة لتنظيم المقاومة داخل البوادي، لهذا جاءت هذه الأغاني تلقائية وذاتية وفنية وسياسية في آن واحد، تارة تُعبّر عن فقدان الحبيب وطيفه المُتغلغل في الوجدان، وتارة أخرى تُعبّر عن قلق المرحلة سياسياً ومخزنياً من خلال أغان تطرق باب الرغبة في الانعتاق من قهر الاستعمار الخارجي، ثم الداخلي المُتمثّل في سلطة "القايد" و"المقدّم"، وغيرهما من قواد الاستعمار داخل مغرب القرن العشرين.

هذا إضافة إلى كون هذه الأغاني بقيت تستجيب معرفياً إلى خصوصية شعريّة وموسيقيّة تُلحم معمارها كأغنية، أضحت تُعرف اليوم بوصفها وثيقة تاريخيّة، يستند إليها المُؤرّخون من أجل تفكيك المُتخيّل المغربي في علاقة بالاستعمار خلال القرن العشرين، كما هو الأمر لدى الحاجة الحمداوية باعتبارها فنّانة ووثيقة شفهية عن مغرب الاستعمار.

المساهمون