استمع إلى الملخص
- توقيع "غوغل" و"أمازون" عقداً بمليار دولار مع الحكومة الإسرائيلية في "مشروع نيمبوس" أثار احتجاجات بسبب توظيف التكنولوجيا في خدمة الاحتلال، بينما يوفر الجيش الإسرائيلي خدمات التخزين السحابي من "مايكروسوفت".
- النقاد يربطون بين التكنولوجيا العسكرية وسياسات مثل استخدام الطائرات بدون طيار، مما يمنح الحكومات سلطة تنفيذية بعيدة المدى ويؤدي إلى معاناة المدنيين، كاشفاً عن خلل في موازين القوة.
تُقدَّم التكنولوجيا في العالم المعاصر بوصفها أداة لتحسين حياة البشر، لكنها في الوقت نفسه تتحول إلى سلاح يُستخدم لإلحاق الأذى، أو لترسيخ تفوق طرف على حساب آخر. وفي سياق الحروب والاحتلالات، تتضح الصورة أكثر: التكنولوجيا لا تقف على الحياد، بل تنحاز لمن يملكها ويستثمر فيها. حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة مثال حي على أن هذه الأدوات الرقمية والعسكرية تعمل لصالح المعتدي، فيما يتحمل المدنيون الضعفاء نتائجها المدمّرة.
تعتمد إسرائيل منذ سنوات على البيانات التي تجمعها من الفلسطينيين لتدريب أدوات قائمة على الذكاء الاصطناعي. بعض هذه الأدوات نُفّذ بالتعاون مع شركات أجنبية، بينها الشراكة بين "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية و"آدانيا ديفنس آند إيروسبيس" الهندية، حيث استُخدمت تقنيات هذا التعاون في غزة والضفة الغربية. وتشمل قائمة الأدوات التكنولوجية التي تديرها إسرائيل برمجيات تجسس ومراقبة مشهورة عالمياً، مثل "بيغاسوس"، و"باراغون"، و"كوادريم"، و"كانديرو"، و"سيليبايت". كما تدخل الأسلحة الذكية القائمة على الذكاء الاصطناعي، مثل "سمارت شوتر" و"لافندر"، في ترسانة الاحتلال، وهي منتجات تُسوّق في الأسواق العالمية، وتُصدَّر إلى دول عدة، بينها جنوب السودان والولايات المتحدة.
عام 2021، مثّل توقيع "غوغل" و"أمازون" عقداً بمليار دولار مع الحكومة الإسرائيلية محطة مفصلية في "مشروع نيمبوس"، الذي ركّز على تطوير تقنيات التعرف إلى الوجه، والتصنيف الآلي للصور، وتتبع الأجسام، وتحليل المشاعر لأغراض عسكرية. الاتفاقية أثارت احتجاجات واسعة داخل الشركتين، إذ اعتبر موظفون أنها توظيف مباشر للتكنولوجيا في خدمة الاحتلال. وبالتوازي، يحصل الجيش الإسرائيلي على خدمات التخزين السحابي، وأدوات التعلم الآلي من "مايكروسوفت".
في موازاة ذلك، كرّست إسرائيل استخدام الطائرات المسيرة سلاحاً رئيسياً في استراتيجيتها العسكرية. فقد وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش عام 2009 استخدام الاحتلال هذه الطائرات المسلحة في غزة، بينما بدأت في 2021 بنشر أسراب كاملة لتحديد الأهداف ومراقبتها. بعد عام، صرّح قائد قاعدة بالماخيم الجوية، عمري دور، بأن "غزة بأكملها مغطاة بطائرات من دون طيار تجمع المعلومات الاستخباراتية على مدار الساعة". إلى جانب الطائرات، دخلت تقنيات جديدة إلى ساحة الحرب: من "الديك الطائر" إلى "الكلاب الآلية" القادرة على الطيران والتسلق، وصولاً إلى العربات المسلّحة التي تحمل رشاشات وتتحرك بديلاً عن القوات البرية. هذه الابتكارات تعكس كيف تُدار الحروب من خلف الشاشات، مع تقليص المخاطر على الجنود، مقابل مضاعفة الأضرار على المدنيين.
في الخليل مثلاً، ثُبّت نظام "سمارت شوتر" عام 2022 عند نقطة تفتيش، ولا يزال مستخدماً حتى اليوم تحت شعار "طلقة واحدة، إصابة واحدة". أما صواريخ "سبايس 2000" الذكية، فاستُخدمت في أكتوبر/تشرين الأول 2024 لقصف مبنى سكني شاهق في العاصمة اللبنانية بيروت، في مشهد يكشف كيف تتحول التكنولوجيا العسكرية إلى أداة للانتقام الجماعي.
لم يقتصر النقاش على التجربة الإسرائيلية. فالنقّاد يربطون بين هذا المسار وبين إرث الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، الذي شرعن استخدام الطائرات من دون طيار خارج ساحات القتال. وُصفت هذه السياسة بأنها تمنح الحكومات سلطة "التصرف كقاضٍ وهيئة محلفين وجلاد" من مسافات بعيدة، فيما المدنيون "يعانون بشكل غير متناسب" من تبعاتها. المثال الأبرز أورده تقرير لـ"بي بي سي" عن الطائرات الروسية المسيّرة في أوكرانيا، التي وُصفت بأنها "تصطاد" المدنيين.
هذه النماذج تكشف عن خلل جذري في موازين القوة. فبحسب مقال نشره موقع تاكتيكال تيك، "الأدوات والروابط المؤسسية ليست متاحة للجميع؛ من غير الممكن أن توقّع غوغل أو أمازون أو مايكروسوفت عقوداً مشابهة مع حماس مثلاً". ويخلص المقال إلى أن حياة البشر تزداد صعوبة بفعل استخدام التكنولوجيا في الحروب والأنظمة القائمة على التفوق، ولا يمكن تبرير ذلك تحت ذريعة "تحقيق الأفضل". فحين تُستخدم المزايا الجيوسياسية أو التكنولوجية لإحكام السيطرة على مجموعات محرومة أو ضعيفة، تصبح التكنولوجيا سلاحاً إضافياً في يد القامع، وليست أداة لتحرير الإنسان.