التدخين الآمن: أسطورة لا تحمي من المخاطر

04 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:54 (توقيت القدس)
الإقلاع عن التدخين يُحدث فارقاً ملموساً (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- خلصت دراسة نشرت في مجلة PLOS Medicine إلى أن التدخين الخفيف يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والوفاة بنسبة تصل إلى 60% مقارنة بغير المدخنين، وأكدت أن الإقلاع المبكر هو الاستراتيجية الأكثر فعالية لخفض هذه المخاطر.

- يبدأ خطر الأحداث القلبية بالانخفاض بشكل واضح خلال أول عشر سنوات بعد الإقلاع عن التدخين، رغم أن الخطر قد يبقى أعلى قليلاً لدى المدخنين السابقين مقارنة بمن لم يدخنوا إطلاقاً.

- توصي الدراسة بوضع خطة للإقلاع تشمل تحديد تاريخ للامتناع الكامل، واستخدام بدائل النيكوتين أو أدوية، ودعم سلوكي للتعامل مع محفزات التدخين.

خلص تحليلٌ علمي جديد إلى أن "التدخين الخفيف"، بمعدل سيجارتين إلى خمس سجائر يومياً، ليس آمناً كما يتخيّله كثيرون؛ فالمدخنون خفيفو الشدة يواجهون مخاطر أعلى بكثير للإصابة بأمراض القلب والوفاة مقارنةً بمن لم يدخنوا مطلقاً، وتظل هذه الزيادة في الخطر قائمة لسنوات طويلة حتى بعد الإقلاع، بحسب الدراسة المنشورة في 18 نوفمبر/تشرين الثاني في مجلة PLOS Medicine.

بيانات 22 دراسة
يعتمد التحليل على إدماج بيانات 22 دراسة طويلة المدى تابعت أكثر من 300 ألف شخص لفترات وصلت إلى قرابة 20 عاماً في بعض الحالات. هذا النوع من الدراسات، الذي يلاحق المشاركين عبر الزمن ويقيّد عاداتهم الصحية والأحداث الكبرى في حياتهم مثل النوبات القلبية والسكتات الدماغية والوفاة، يمنح النتائج قوة إحصائية معتبرة ويقلّل من أثر المصادفة، وفق ما يوضح المؤلف الرئيسي للدراسة مايكل بلاها، أستاذ أمراض القلب والأوعية الدموية وعلم الأوبئة السريرية المشارك في جامعة جونز هوبكنز. ويقول بلاها لـ"العربي الجديد" إن النتائج تؤكّد أن الإقلاع، وفي عمر مبكر، هو الاستراتيجية الأكثر فاعلية لخفض المخاطر؛ وإن تقليل عدد السجائر لا يعوّض ضرر الاستمرار في التعرض لدخان التبغ.

خلال سنوات المتابعة، وثّقت الدراسات أكثر من 125 ألف وفاة وما يقارب 54 ألف حدث قلبي وعائي (تشمل النوبات القلبية، والسكتات الدماغية، وفشل القلب). وبعد تحليل العلاقة بين حصيلة الأمراض وعادات التدخين، ظهرت نتائج صادمة: المدخنون الخفيفون سجّلوا زيادة تقارب 50% في خطر فشل القلب مقارنة بغير المدخنين، وزيادة تُقارب 60% في خطر الوفاة لأي سبب. ويعلّق بلاها: "هذه النسب كبيرة، وتكفي لتفنيد التصوّر الشائع بأن بضع سجائر يومياً لا تُخلّف أثراً يُذكر".

وتكشف الدراسة أيضاً أن الإقلاع عن التدخين يُحدث فارقاً ملموساً؛ فخطر الأحداث القلبية يبدأ بالانخفاض بوضوح خلال أول عشر سنوات بعد التوقف التام، ويواصل التراجع مع مرور الوقت. غير أنه حتى بعد ثلاثة عقود قد يبقى الخطر لدى المدخنين السابقين أعلى قليلاً مقارنة بمن لم يدخنوا إطلاقاً، وهو ما يعكس أثر التعرض الطويل للتبغ وتراكم الضرر داخل الأوعية الدموية والقلب.

ويضيف بلاها: "تأتي هذه النتائج في وقت يتزايد فيه الرهان على فكرة التدخين الخفيف أو التدخين في المناسبات. يعتقد البعض أن تجنّب تدخين علبة كاملة يومياً كافٍ للحماية، لكن التحليل يوضح أن لا جرعة آمنة من السجائر حين يتعلق الأمر بصحة القلب؛ فحتى التعرض المحدود يراكم الضرر بمرور الوقت".

علوم وآثار
التحديثات الحية

التوقف الكامل
يرى الباحثون أن العامل الحاسم هو الزمن منذ الإقلاع، لا عدد السجائر في أثناء الاستمرار في التدخين؛ ما يعني أن التوقف الكامل اليوم أفضل صحياً من تقليل العدد والاستمرار لسنوات. ينسجم هذا مع إرشادات الصحة العامة التي تشدد على الإقلاع المبكر، وتعتبر الوقاية من البدء بالتدخين أصلاً الخطوة الأكثر فاعلية.

ورغم أن الدراسات الرصدية لا تقدّم دليلاً مباشراً على علاقة سببية قاطعة، يعزّز تكرار النتائج نفسها على مئات الآلاف من المشاركين وعلى مدى سنوات طويلةٍ الرسالةَ الصحيةَ المعروفةَ: التدخين يضر القلب حتى عند الكميات القليلة.

ويقول بلاها إن النتائج تحمل بُعداً عملياً مهماً للراغبين في الإقلاع؛ إذ تُظهر البيانات أن الجسم يبدأ بجني الفوائد سريعاً: يتحسّن ضغط الدم، تستعيد الأوعية الدموية جزءاً من مرونتها، وينخفض خطر الجلطات، فيما تُترجَم كل سنة إضافية من دون تدخين إلى انخفاض أكبر في مخاطر أمراض القلب.

وتوصي الدراسة المدخنين الراغبين في الإقلاع بوضع خطة واضحة تشمل تحديد تاريخ للامتناع الكامل، والاستعانة بوسائل مساعدة مثل بدائل النيكوتين (لاصقات، علكة، بخاخات) أو أدوية يصفها الطبيب، إلى جانب دعم سلوكي يساعد على التعامل مع محفزات الرغبة في التدخين، كالقهوة والتوتر وفترات الاستراحة. وتشير إلى أن الجمع بين العلاج الدوائي والإرشاد السلوكي يُضاعف فرص النجاح، وأن الاستعداد لأعراض الانسحاب القصيرة يجعل الأيام الأولى أقل صعوبة وأكثر قابلية للتجاوز.

المساهمون