الإيماء في الأداء الموسيقي... الجسد في آفاق الصوت

18 ابريل 2021
الصورة
عازفة الكمان الهولندية جانين جانسين (روبرت سيرّا/Getty)
+ الخط -

منذ سرتُ على درب احتراف العزف على آلة الكمان، وسيلةً للتعبير عن الذات ونمطاً للحياة، وأنا في وضع اختبار واعٍ مُستمر لدور الجسد، لا لكونه المُحرّك في عملية الأداء، سواء كان رقصاً، مسرحاً أو موسيقى، أو حتى في ميدان الفنون الجميلة المعاصر حيث يُشار إليه بذات الاسم "أداء" (Performance) تحت مظلة ما بات يُعرف بالحركة التصوّرية (Conceptualism)، بل لكونه أيضاً رافداً تعبيرياً محتملاً للصوت الصادر عن الآلة عند التواصل مع المتلقي، إذا كان الأخير بدوره حاضراً بجسده، يرى بعينيه فيما هو يسمع بأذنيه.

فهل (وكيف) تُعزّز الإيماءة بصرياً الشحنات الانفعالية والتبدلات الدرامية التي تطرأ على الجمل والأفكار الموسيقية؟ هل لها أن تُضيف جوهرياً إلى مضمون العمل ووجهته السردية، أم أنّها فقط تُزيّنه ظاهرياً من باب المشهدية، أو الإضافة الاستعراضية؟ 

في الماضي القريب، وضمن أوساط الموسيقى الكلاسيكية العالمية، من أعلام وأساتذة ونُقّاد، بقي الموقف في غالبه كابتاً مرتاباً، غيرَ مُشجّعٍ على إضافة دور تعبيري للجسد قد يلعبه في العزف أو الغناء، ما خلا حال المسرح الغنائي أو الأوبرا، خارج نطاق الحركة الفيزيائية المحضة المختصة بالتصويت (أي إصدار الصوت عن الآلة) أو الملتزمة إملاء سرعة ووجهة الجمل الموسيقية ومستويات الشدة والخفّة لديها، مثلما يكتفي قائد الفرقة الموسيقية بتحريك اليد الممسكة بالعصا، دونما اللجوء إلى الإيماء بالوجه أو بأيٍّ من باقي الأطراف. 

نظرةٌ تنبُع إجمالاً من الطبيعة المحافظة لمجتمع الموسيقى الكلاسيكية من جهة، ومن جهة أخرى، لتأسسه قروناً قبل ظهور وسائل الإعلام البصري من سينما وتلفزيون وفيديو، واليوم من إنترنت وسوشيال ميديا. حينئذٍ، لم يكن قد تسنّى للإيماءة الجسدية بعد، فضلاً عن تعابير الوجه، أن تكون مرئية، ولم يكن لأثرها البصري أن يعبر أصلاً، حدود الخشبة إلى أرجاء القاعة، مسافةً أبعد من صفٍّ أو صفّين من مجالس المستمعين.

بغية تأمل أثر الإعلام المرئي في إغراء المؤدي إلى إشراك جسده في التعبير بأثناء الأداء الموسيقي، تكفي مقارنة جمود جيل أول - إلى منتصف القرن من نجوم الموسيقى الكلاسيكية، كأسطورة الكمان، ياشا هايفتس (1901-1987: Jasha Heifetz) وأسطورة قيادة الأوركسترا، أرتورو توسكانيني (1867-1957: Arturo Toscanini) مقابل بروز، وأحياناً تصدّر، إيماءات الوجه وسائر الجسم لدى المعاصرين من النجوم. من بين الذين قد تصح تسميتهم "جيل التلفزيون"، كعازفة الكمان الهولندية، جانين جانسن (Janine Jansen) وقائد الأوركسترا الروسي، كيريل بيترنكو (Kirill Petrenko).

عوامل ثقافية، لا بدّ مهّدت أيضاً للانتقال من السمو بالفنان كأسطورة في الوعي الجمعي زمان الحقبة الرومانسية، إلى إنتاجه كنجم مع حلول منتصف القرن العشرين. انتقالٌ، تزامن مع ازدهار الصناعة الفنية؛ إذ لم تعد الصورة تكتفي بتصوير الموسيقي الملهَم  كنصف إله، أو وسيط للألوهة، بل صارت جزءاً من "الصورة" (Image) بغية تسليع الفنان وتسويقه جماهيرياً، لا سمعياً فقط، بل بصرياً أيضاً، الأمر الذي بات يُحفّز لديه، من دون وعي بالضرورة، مزيدَ الاستثمار في التعبير الإيمائي بغية مزيدِ الجذب المرئي. وكأني به صار يعزف دائماً والكاميرا حاضرة أبداً في باله.

ينطبق الأمر، أو حتى ينطلق من أجناس موسيقية أخرى، هي بطبيعتها أشدّ قرباً من الفنون الاستعراضية، كموسيقى البوب، الهارد روك، والهيب هوب. فيها لا يكتفي الموسيقيون بإطلاق العنان للإيماء الجسدي في أثناء الغناء خلف الميكروفون، أو العزف على الغيتار والدرامز، بل يرقصون إما منفردين أو برفقة مجموعات.

أما في الموسيقى العربية، فشتّان ما بين وقفة الشموخ والجلالة التي كانت لأم كلثوم، ما بين خمسينيات القرن الماضي وسبعينياته، أو طلّة السمو والطهارة التي لفيروز، أيام ستينيّاته وسبعينيّاته (على الرغم من خبرة كلّ من السيدتين الواسعة بالمسرح والسينما)، وبين تمايل جيل "الفيديو كليب" ومن بعده اليوتيوب. وشتان ما بين حضور منير بشير، جالساً منتصباً، محتضناً يعزف على عوده برزانة واتزان، وما بين علامات الاستغراق وإيحاءات الوجد والطرب التي تبدو على ثلاثي جبران.

من زاوية أخرى، إنّ كلّ من يعزف على آلة من الآلات، هاوياً كان أو محترفاً، لا بدّ أنّه سبق له الإحساس بالموسيقى حين تصدر عن آلته، كيف أنّها تحفّز معها حركةً ما أو إيماءة، تنعكس تعبيراً على الوجه، أو تحريكاً لواحدٍ من الأطراف، وذلك على الرغم من أنّها ليست، بالضرورة التقنية، من مستلزمات إنتاج الصوت.

أشبه بطاقة تعبيرية تبثّها الأنغام في جسم العازف تدفعه إلى الاستجابة، إما تفاعلاً مع الصوت الصادر عن آلته، استباقاً للأثر الذي يحمله، تماهياً به، تناغماً معه، أو مؤازرة لجهد التصويت في التعبير عن مكنوناته الشعورية، غالباً ما يحصل ذلك بصورة تلقائية طبيعية، سواء في ظلّ مشاهد يشاهد وهو يستمع، أو من دونه.

من تلك الزاوية، يذهب كلّ من الباحثين في علم النفس الإدراكي روجر وات (Roger J Watt) ورويزن آش (Roisin L Ash) إلى ما هو أبعد، وذلك في بحث لهما نُشر سنة 1998 تحت عنوان "تقصٍّ سيكولوجي عن المعنى في الموسيقى"، فيقترحان أنّ المادة الموسيقية، أو المقطوعة بحدّ ذاتها، تعمل كطرف درامي افتراضي، يدخل في حوار مع العازف في أثناء العزف.

محاورٌ داخلي، أو بحسب اصطلاح العالمين "ممثل - بيني، اجتماعي" (Social Inter-actor) يتكون في خيال الفنان عند إخراجه المادة الموسيقية، لينخرطا معاً في تبادل للأثر والاستجابة. فحين تُرشد إشارة مكتوبة على مدونة موسيقية مثلاً، إلى ضرورة العزف بقوة، من شأنها أن تحرّض العازف على هزّ رأسه لاشعورياً في أثناء التنفيذ، من باب "التوافق" (Agreement) على حد تعبير البحث، وذلك قُبيل، أو بالتزامن مع إصدار الصوت من الآلة، كما تنصّ الإشارة، على نحو أشدّ علوّاً وارتفاعاً. 

أما المؤلف المصري-الأميركي الراحل، حليم الضبع (1921-2017) الرائد في الموسيقى الإلكترونية، والباحث في العلوم الموسيقية، فقد سبق أن تحدث عن الإيماء الجسدي ضمن أطار فلسفي جمالي يرى وحدة وجودية بين الصوت والجسد في الزمكان، فذكر في نص شرح فيه مقطوعته الأدائية، إصدار عام 1981، بعنوان "تضاريس الصوت" (Tonography)  يقول:

"إيماءة الحركة الجسدية للمؤدي، في أثناء عملية توليد اللحن، تساعد في تحديد إنتاج الأنغام. الصوت والنغم عند البدء، يقومان بتشكيل المكان. أما المؤدي، فيتابع بجسده النغمة، يُخطط لها حركتها في المكان، اهتداءً بلغة لها مفرداتها من رموز وتصاميم. بواسطتها، يقوم فعل الأداء، عبر الإيماء، بإخطار الصوت، بقدر ما يقوم الصوت، عبر الفضاء، بإخطار الأداء".

لطالما كنت شخصياً على الدوام من بين الموسيقيين المومِئين المتحركين في أثناء العزف. أنا أولاً من جيل التلفزيون والإعلام المرئي. بالإضافة إلى ذلك، كان إدراكي للموسيقى، منذ الصغر، درامياً بالمنشأ وبالتصميم، ذا طبيعة سردية بالتكوين، الأمر الذي جعل من التعبير الجسدي بالنسبة إلي، استجابة مسرحية طبيعية إزاء الحدث الموسيقي.

معلّمي للكمان في دمشق لأكثر من عشرين عاماً، الروسي يفغيني لوغينوف، لم ينتقد يوماً إيماءاتي الجسدية في أثناء العزف. لا بل إنّه، في إحدى المناسبات آتياً بي كمثال، كان قد تطرّق إلى تلك المسألة أمام جمع من طلابه، حين قال: "لا ضير من إطلاق لغة الجسد في أثناء الأداء الموسيقي، ما دامت تتّسق مع دلالات الموسيقى وإشاراتها". أي بتعبير آخر، وحدها النزاهة الفنية، ما يسوّغ للمؤدي الموسيقي توظيف الجسد في التعبير.

في المقابل، أذكر أنّ أحد الزملاء في دمشق شكا لي يوماً حركتي في أثناء العزف بدعوى أنها مؤذية للعين، فيما شرح آخر بأنه لجأ إلى حجب نظره لبرهة في أثناء الاستماع إليّ خلال إحدى الأمسيات التي أحييتها، وذلك لكي يتسنى له التحقق من ألّا قيمة أضيفها حقاً بوساطة جسدي إلى المحتوى الذي يصدر عن كماني.

اليوم، وبتبلور خبرتي، لا كعازفٍ كمان، بل كمُدرّسٍ للعزف عليها لأكثر من عقد ونصف، بتّ أؤمن بأنّ التجربة الأدائية إنّما هي حالٌ من البذل الكلّي والعطاء المتكامل، لجهة أنّها أولاً، انعكاسٌ لروح العصر وثقافة المجتمع، لدرجة انفتاحه على الجسد بوصفه وسيلةً للتعبير عن الذات.

ثانياً، هي نتاج تفاعل الموسيقي العازف، بطبيعته النفسية وسيرته الذاتية وقدراته الفنية وشكل علاقته بجسده، مع المادة الموسيقية من صوت ومفردات وأدوات. أما ثالثاً، فهي ذلك الحوار المجازي الذي ينخرط به المؤدي مع الآخر عبر الموسيقى، ليس بوصفها صوتاً فحسب، بل طاقة روحانية عارمة تدبّ في كلّ ما حولها ومن حولها. سواء أكان الآخر هنا، ينصت ويرى، أم كان هناك.

المساهمون