استمع إلى الملخص
- التأثير الفني للحرب: تأثرت الأوركسترا بالحرب على غزة، مما ألهم المؤلفين الفلسطينيين لدمج رسائل تعكس روح فلسطين في أعمالهم، مع الحفاظ على توازن بين الأصالة والإبداع.
- المؤلفات الجديدة ورسالة الأمل: قدمت الأوركسترا مقطوعات جديدة تحمل رسائل أمل، مثل "لقاء بعد النزوح"، مع التركيز على إبراز المؤلفين الفلسطينيين الجدد واستخدام الآلات الشعبية التقليدية.
انطلقت عروض الأوركسترا العربية الفلسطينية بعد نحو عامين من الغياب في الضفة الغربية المحتلة وبحضور المئات من الفلسطينيين بأعمار متفاوتة إلى مسرح نسيب عزيز شاهين في جامعة بيرزيت، شمالي مدينة رام الله، ومسرح قصر المؤتمرات في مدينة بيت لحم، يومي 14 و15 نوفمبر/تشرين الثاني. وقدّمت الأوركسترا تجربة موسيقية سماعية من دون مكبّرات صوتية لمقطوعات موسيقية أُلّفت خصيصاً للعرض، بالإضافة إلى مقطوعات من التراث العربي والفلسطيني أعاد توزيعها موسيقيون فلسطينيون بالاعتماد على آلات شرقية، مثل مقطوعات "حجازيات" و"أغاني الثورة الفلسطينية" و"مرسيليات".
وأسّس الأوركسترا العربية الفلسطينية معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى عام 2021، ويسعى إلى إعادة صياغة مفهوم الأوركسترا العربية من خلال المزج بين الأصالة العربية والتراث والتجريب المعاصر لمفاهيم الموسيقى، كما يهدف المعهد من خلال هذه العروض إلى تقديم ريعها بالكامل لدعم فعاليات المعهد المخصصة للأطفال في خيام النزوح ومراكزه في قطاع غزة.
في حديثه لـ"العربي الجديد"، يقول المدير الفنّي للأوركسترا، تامر الساحوري، إن كل فنان فلسطيني قد تأثر بحرب الإبادة التي يشنّها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، وإن الحرب قد غيّرت توجهات الأوركسترا العربية الفلسطينية وغيرها من المشاريع التابعة للمعهد. "تغيّرت طريقة تفكير المؤلفين الفلسطينيين في التعاطي مع المقطوعات الموسيقية. ففور بدء حرب الإبادة، أصبح كل مؤلف يرغب في التأليف مستوحياً من الواقع، لذلك، فإن معظم المقطوعات هي مؤلفات جديدة تتمحور حول غزة،" يضيف الساحوري.
ويشير الساحوري إلى أن الأعمال الموسيقية الجديدة "ليست مجرد قرار عشوائي، بل هي عملية فنية وفكرية في آن واحد". فوفقاً للساحوري يحرص معهد إدوارد سعيد على تضمين معانٍ ورسائل تعكس روح فلسطين وهويتها في المقطوعات الموسيقية إلى جانب الاهتمام بالجمال الموسيقي، مؤكداً أن الفلسفة التي توجّه الأوركسترا هي خلق توازن بين الأصالة والإبداع، بحيث يُقدّم التراث بروح جديدة معاصرة تلامس المجتمع العصري من جهة، وتضمن التنوع بين الأعمال التراثية والمؤلفات الفلسطينية الحديثة من جهة أخرى.
كما يرى أن استخدام التراث وإعادة توزيعه توزيعاً أوركسترالياً يبعث فيه حياة جديدة من دون المساس بجوهر اللحن الشرقي وهويته. ولهذا حرص المعهد على تقديم المقطوعات التراثية إلى جانب مقطوعات جديدة من تأليف موسيقيين فلسطينيين، وبعضها من أعمال أساتذة المعهد، ومن بينهم إعادة توليف وتوزيع "مرسيليات" للفنان الغزّي والأستاذ في المعهد، إسماعيل داوود، الذي جمع أغاني لمارسيل خليفة ووضعها في قالب موسيقي موحد.
تكوين الأوركسترا العربية الفلسطينية والتجربة الصوتية
الأوركسترا العربية الفلسطينية هي أوركسترا جديدة بتجربة فريدة على المستويين الفلسطيني والعربي، فوفقاً للساحوري حجم الأوركسترا، التي تجمع نحو 70 فناناً وفنانة من فلسطين، وطبيعة الآلات العربية فيها، تجعلان المعهد في حالة تجريب دائمة لا تقتصر على المقطوعات نفسها، بل تمتد إلى اختيار المسرح المناسب لتقديم تجربة صوتية مميزة، إذ تعتمد الأوركسترا على الصوت الطبيعي للآلات من دون مكبرات صوتية.
يقول الساحوري إن "الآلات التي تعتمد على الصوت الطبيعي غير الكهربائي، كالذي يصدر من خشب العود، يتغير صوتها عندما ترافقها مكبرات الصوت، ويصبح إلى حد ما غير طبيعي. كما أن التكبير الصوتي يؤثر على الآلات، إذ تضيع تفاصيل الآلات الدقيقة"، ولذلك يؤكد الساحوري أن المعهد يسعى لتقديم الصوت بحالته الطبيعية لإيصاله إلى الجمهور منسجماً وأكثر طبيعية من ناحية تفاصيل التوزيع الموسيقي. ويوضح أنه "هكذا نحن نتحكم بالصوت، نحدد متى يخفت صوت العود، ومتى يعلو البزق، ومتى يصمت القانون. هذه الحالة تجعل التجربة طبيعية بالنسبة للجمهور، وتسمح بوصول الموسيقى كما نريدها. فمكبرات الصوت قد تغير تردد صوت الآلة، فلا يسمع الجمهور الصوت الطبيعي للآلة، بل صوتاً مشابهاً، نريد صوتاً طبيعياً بكل تفاصيله كي يظهر للناس بصدقه".
كما يشير إلى أن المعهد يسعى دائماً للبحث عن مؤلفين فلسطينيين جُدد بهدف إبراز المؤلفين الفلسطينيين ومنحهم مساحة للتأليف، وبالإضافة إلى ذلك، تختبر الأوركسترا استخدام الآلات الشعبية التقليدية، مثل اليرغول والمجوز رغم التحدي الكبير بسبب نقص العازفين المتخصصين في هذه الآلات. لكنّ الساحوري يبدي تفاؤلاً حول إقبال الجيل الشاب من الموسيقيين الفلسطينيين على الآلات الشرقية، "فالأوركسترا التي تجمع موسيقيين من 15 و65 عاماً لا توفر فقط تجربة وخبرة للموسيقيين الجدد، بل تقدّم لهم وعياً جديداً ساهم في جذبهم نحو الآلات الشرقية، في تغير واضح لمسناه منذ خمسة أعوام حتى اليوم"، يقول الساحوري. كما يشير إلى أن الكثير من طلبة الكمان الغربي مثلاً بدؤوا بتعلم استخدام الكمان بطريقة تخدم اللحن الشرقي، "هذه حالة تسعدنا كمعهد لأننا نهتم بالموسيقى العربية والفلسطينية، ورسالتنا هي تخريج موسيقيين يمثلون تراثهم وآلاتهم التي تحمل تاريخهم،" يضيف.
المؤلفات الجديدة ورسالة الأمل
وألّف الساحوري مقطوعة خاصة للأوركسترا بعنوان "لقاء بعد النزوح" تصوّر لحظة التقاء الأحبة بعد النزوح القسري في قطاع غزة. يقول الساحوري: "لقد صورت في الموسيقى كيف يتم هذا اللقاء المليء بالسعادة والفرح، ولكنه يحمل طابعاً حزيناً وقلَقاً مستمراً. كما صورت في الموسيقى مشهد سير الناس على الأقدام على شاطئ البحر باستخدام آلة إيقاعية خاصة بالتأثيرات الصوتية التي تصور خطوات المشي والزحف".
ومن المقطوعات الجديدة كذلك مقطوعة "غزة الإباء" التي ألفها قائد الأوركسترا ومدير المعهد، الفنان سهيل خوري، والتي تحمل رسالة أمل لنهوض غزّة بعد الدمار، فيقول الساحوري: "نحن لا نريد تقديم موسيقى فيها استسلام، بل موسيقى تحيي الأمل عند الجمهور". كما شارك الفنان يوسف زايد بمقطوعة بعنوان "اغتراب"، وأحمد الخطيب بمقطوعة "ورد ونار" وعيسى بولص بمقطوعة "شو صاير"، ومقطوعة "رقصة الأرض" لونيس زعرور، و"قم" لطارق عبوشي، كما شارك في التوزيع الشرقي للمقطوعات، الفنان عز الدين سعيد.