"الأسود على نهر دجلة": تعويض سينمائي لخسارات مدينة

14 يناير 2026   |  آخر تحديث: 10:00 (توقيت القدس)
جامع التحف والموسيقيّ بين أنقاض وأحلام (الملف الصحافي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يسلط الفيلم الوثائقي "الأسود على نهر دجلة" الضوء على جهود سكان الموصل في استعادة مدينتهم بعد تحريرها من داعش، من خلال شخصيات محورية تواجه تحديات الحفاظ على التراث رغم الدمار.
- يعتمد المخرج زرادشت أحمد على تفاصيل حسية للمكان وتأثيراته النفسية، مثل عودة الطيور وتدفق مياه دجلة، مما يضفي عمقاً إنسانياً على القصة دون استجداء التعاطف.
- يتميز الفيلم بتفاصيل فنية مثل الموسيقى والتوليف السينمائي، مما يعزز الإحساس بالخسارة والأمل، ويبرز أهمية الحفاظ على التراث والهوية.

حين تتعرّض أي مدينة عريقة للخراب، يُطرح سؤال حاضرها بقوة، توازي قوة حضورها التاريخي. على تلك الفرضية، يؤسّس المخرج الكردي العراقي زرادشت أحمد مشروع وثائقيّه عن الموصل، بعد طرد داعش منها. يجد في شخصياتٍ من أهلها، يُصرّون على استعادة المكان الذي عرفوه وعاشوا فيه، ما يكفي لصوغ فكرته السينمائية: معنى أن يُصِرّ الناس على المكوث في المكان الذي يعيشون فيه، ولا يريدون لأحد محو صورته وتاريخه من أذهانهم.

يُفصِح مسعى الرجل الموصلي فخري الجوال إلى جمع التحف والمقتنيات الجميلة عن مكمن الفكرة، بعبارات بسيطة، لكن بإصرار غريب على تحويلها إلى فعل ملموس، يقارب فعل عالِم الآثار الباحث عن التاريخ في باطن الأرض. يأسره نقش حجري لأسدين، يؤطّر باب منزل هدمه الدواعش، فيريد الحصول عليه من أصحابه. اعتزاز بشار صالح ببيته، وبكل حجر فيه، يتعارض مع حماسة جامع التحف في الحصول على الأسدين. بينهما، يقف العازف الموسيقي فاضل البدري مترقّباً مآلات نزاع بين رغبتين صادقتين، وتقديره أنّ تنازلاً من صاحب الدار لن يحصل، كما لم يحصل له أن تخلّى قط عن حب الموسيقى والعزف على آلاتها، يوم حَلّ الدواعش في الموصل، وحَرّموا على الناس الاستماع إليها، كما هدموا الآثار التاريخية في متاحفها. لا يريد بشار انتزاع الأسدين من فوق مدخل دار عريقة، شيّدها والده وسط مدينة، يضفي عليها مرور نهر دجلة فيها جمالاً أخاذاً.

بحسّ سينمائي مرهف، يلتقط زرادشت أحمد، في "الأسود على نهر دجلة" (2025)، شخصياته المحورية الثلاث، متابعاً حركتها في الوسط الذي تعيش فيه، من دون تدخل مباشر منه. لكنه لا يكتفي بها، بل يوسّع دائرة وجودها، عبر توثيق علاقاتها بالعالم المحيط بها. هكذا فعل قبلاً مع شخصيته المركزية في وثائقيّه "لا مكان للاختباء" (2016): بطله مُمرّض في مشفى مدينة جلولاء، يقوم بواجبه في أخطر منطقة، أطلق عليها اسم مثلث الموت، أثناء الاحتلال الأميركي للعراق

. في زمن الحرب، يتحول المشارك فيها أحياناً، بفعل السينما، إلى شاهد عليها، وناقل لوقائعها، كما فعل الممرض نوري شريف. في المُنجزين، قوة حضور الشخصيات المركزية لا تُغني عن حاجة إلى إشباع جمالي.

للتفريق بين زمني دخول داعش الموصل والخروج منها (2014 ـ 2017)، يعتني أحمد بتفاصيل المكان، وآثاره النفسية على المقيمين فيه. يضفي أبعاداً حسية على المُلتَقَط منه: عودة الطيور المهاجرة إلى المدينة بعد طول غياب، تدفّق مياه دجلة في موسم الأمطار، أوجاع الناس الخاسرين بيوتهم وأملاكهم. كل ذلك يأتي في سياق درامي من دون ابتذال أو استجداء تعاطف مع ما تلتقطه عدسة كاميرته (التصوير والكتابة لأحمد أيضاً). وحدها الشخصيات والمكان تعطي للمشهد الواحد عمقه وشدة حساسيته. نبش المتطفّلين بين بقايا الخرائب، وأخذ كل ما يصلح للبيع من دون إرادة أصحابها، يُبعدان كل سمة دعائية مجانية للحاصل، بعد طرد الدواعش. الاختلافات بين الصديقين، جامع التحف والموسيقي، تمنح الشخصيات خصوصية، وتضفي عليهما بُعداً إنسانياً. يحصل هذا كل الوقت، مع تفقّد صاحب الدار المهدّم لموقعه، وعجزه عن استيعاب إمكانية التخلّص فقط من الركام الهائل الذي خلّفته التفجيرات، فكيف بإمكانية إعادة بنائه؟

الاهتمام بالتفاصيل الفنية ليس ترفاً عند صانع "الأسود عند نهر دجلة"، رغم إنتاجه المشترك بين النرويج وهولندا والعراق. الموسيقى التصويرية (دان هوفمان)، المبنية على معرفة بالنص ومكنوناته العاطفية، تُعزّز الإحساس بالخسارات الهائلة الحاصلة في المكان. وكما يتولّد الشعور نفسه في مشاهد كثيرة أخرى، يتجلّى عمق الفجيعة وقوة الأمل في آن واحد. ما يبدو "ريبورتاجياً" في مشاهد قصيرة ـ تنقل سيطرة سلطات سياسية جديدة غير معنية بحال المتضررين، ولا تهتم بمصائرهم ولا باللاحق بهم، وغيرها، وتعزّز الانطباع بهمجية الدواعش، عبر تثبيت تسجيلات فيديو تُبيّن تدميرهم المتاحف والآثار التاريخية للمدينة ـ يتلاشى بفعل مهارة التوليف (إيفا هيلستروم)، القادر على تحويل الريبورتاجي ـ الصحافي إلى فعل سينمائي، يخلق مناخاً نفسياً جديداً، ويوحي بتعبير حسي مختلف تماماً عن وظيفة الخامة الصحافية.

هذا بعض ما يحيل مُنجز زرادشت أحمد إلى وثائقي مهم وجميل، ينقل صورة أكبر عن الموصل وعذاباتها. مدينة أكبر من أن تُلغى بفعل همجي، فمدن مثلها، في تاريخ طويل، تعرّضت للدمار، لكنها لم تنته ولم تزل. النهر والأسدان الحجريان وشخصيات منها متجذّرة في مكانها تُبقي الموصل، وتُديم وجودها. هذا على الأقل ما يوحي به عنوان الوثائقي، ويضفي تعليق العازف الموسيقي العراقي، الساخر والظريف، على النموذج المصغّر الذي أنجزه شاب كردي لصديقه جامع التحف، يقارب فيه شكل البوابة والأسدين. إهداء وجد فيه عازف الموسيقى تعويضاً معنوياً عن "خسارة" صديقه للرهان بينهما، لكنه لا يمثّل روح الأصل ولا شكله: "أشكال الأسود في المجسّم أقرب إلى القطط، وكذلك أذنابها"، بينما يمنح تعليقه، عن عودة الطيور المهاجرة إلى موطنها الأصلي، شحنة أمل لاستعادة المكان، بعد خراب حَلّ فيه.

بهذه التفاصيل الجميلة، ينقل أحمد صورة مدينة مدمّرة، ومزاج أهلها لترميم ما بقي منها. أيمكن اعتبار كل هذا تعويضاً سينمائياً للخسارات الشنيعة للموصل؟

المساهمون