الأزياء الفاشية أو تحوّلات العلامات في زمن اليمين المتطرف

01 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 10:03 (توقيت القدس)
رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون في عمل مصنوع من القمصان (بول إليس/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الأزياء أصبحت رموزاً سياسية غير متوقعة، مثل "السترات الصفراء" في فرنسا، مما يعكس كيف يمكن للرموز أن تكتسب معانٍ جديدة غير مقصودة.
- تواجه علامات الأزياء تحديات عندما يتبنى المتطرفون منتجاتها، كما حدث مع "ستون آيلاند" و"هوغو بوس"، مما يوضح استخدام الأزياء في سياقات سياسية متطرفة.
- الجماعات الفاشية الحديثة تعيد توظيف الأزياء خارج سياقها الأصلي، مما يعكس محاولات التمويه والتسلل الخفي للفكر الفاشي باستخدام شعارات غامضة وأزياء يومية.

تحولت السترات الصفراء التي نرتديها أحياناً أثناء ركوب الدراجة إلى علامة سياسية في فرنسا، وأصبحت تدلّ على "حراك السترات الصفراء" الذي شهدته البلاد ضد إيمانويل ماكرون وسياسته الاقتصاديّة. قطعة الثياب هذه، ذات الوظيفة المحددة، تحولت إلى علامة على الاحتجاج، أي اكتسبت قيمة لم يفكر فيها صنّاعها.

هذا الانزياح في معاني الأزياء صفة تلاحق كل العلامات (بالمعنى السيميولوجي) مهما كانت، بل ربما أكثرها مفارقة هي شاحنات "تويوتا" التي تسمى سخريّة "شاحنة الجهاديين"، كونها توظف في الفيديوهات الترويجية التي تبث لتوثق تنقلاتهم وتحركاتهم في الشرق الأوسط، كما في تسجيلات "داعش". بهذا، لا توجد علامة محمّية من "سوء الاقتباس" أو "سوء الاستخدام".

مع تصاعد التيارات اليمينيّة في العالم وسلوكها العلني عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتظاهرات، واجهت علامات الأزياء سؤالاً: ما الذي يمكن أن تفعله في حال تنبى متطرفون أزياء من إنتاجها؟ هذه المفارقة واجهتها علامة ستون آيلاند التي فوجئ القائمون عليها حين انتشرت صور تظاهرة معادية للمهاجرين في بريطانيا. في الصور، ارتدى العشرات سترة من تصميمهم وتحمل علامتهم. وبالطبع، لا يوجد رد واضح من الشركة، إذ لا يمكن لعلامة أزياء أن تختار من يشتري تصاميمها وكيف يوظفها. طبعاً، يمتد الأمر إلى الزعماء؛ فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين سبق أن ارتدى معطفاً من علامة لورو بيانا الإيطالية، في مفارقة لم تخلُ من السخرية.

هذه العلاقة بين الأزياء والتطرف الفكري تحولت إلى نكتة شهيرة، فعلامة هوغو بوس صممت الأزياء الرسمية للجيش الألماني في العهد النازي، وأقامت العديد من الحملات الإعلانية لإبعاد هذه "الوصمة". لكن اليوم، لا يمكن ضبط المكان الذي يظهر فيه قميص أو قبعة، ولا نتحدث عن "منتجات" الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تباع في التجمعات المناصرة له، بل سترة "بولو" الشهيرة مثلاً التي تحولت أحد تنويعاتها إلى ما يشبه الزي الرسمي لجماعة "براود بويز" اليمنيّة.

هذه العلاقة المتبادلة بين علامات الأزياء والأفكار السياسية المتطرفة بدأت تدخل مرحلة الترويج، فالجدل الذي أثاره إعلان الجينز الذي تلعب "بطولته" الممثلة سيدني سويني تحول إلى مثال عما يسمّى "التطبيع مع الجماليات الفاشية". بهذا، لم تعد الرسالة مباشرة، بل مدروسة، ومعناها غامض. هكذا فسر الكثيرون العبارة التي تتكرر أثناء الإعلان والتي تلعب على الكلام بين كلمتي جينز وجينات بالإنكليزيّة.

اللافت حالياً هو تحول جماليات الخطاب السياسي لدى الجماعات الفاشية، التي لم تعد تعتمد على "زيّ موحد" خاص، بل تتبنى العلامات الموجودة سلفاً، وتعيد إنتاجها خارج سياقها، ما جعل بعض العلامات تلتصق بالأيديولوجيا، كعلامة ثور شتاينر التي يعود تأسيسها إلى مطلع الألفية الثالثة، وتوصف بأنها الزي التقليدي للنازيين الجدد في ألمانيا.

لايف ستايل
التحديثات الحية

لا يُنفى تدخل السلطة في تجريم أو إباحة بعض الأزياء والعلامات التجارية إلى انزياحها عن وظيفتها الجمالية، لكن اللافت هو محاولات التمويه التي يتبناها أنصار الفكر الفاشي من خلال اختيار أزياء تبدو عادية لا تثير الاهتمام. وهنا بالضبط التسلل الخفي للفاشية، الاعتماد على شكل "طبيعي" لا يلفت النظر، لكن حين النظر إلى الحشد في إحدى التظاهرات، وتتبع نظام الأزياء والشعارات، يتضح أننا أمام محاولة لجعل هذه الأيديولوجيا تشبه "الكلّ"، إذ لا يختلف حاملوها عن الآخرين، وهذا ما يتضح مثلاً في الشعارات الغامضة كـ"كل الحيوات مهمة" في رد على شعار "حياة السود مهمة".

نحن أمام طبقات من الغموض وميوعة العلامات، تتيح صعود اليمين المتطرف بطيفه كما نشهد الآن، يمين يتحرك أنصاره بيننا بأزياء يومية متداولة يمكن أن نشتريها من أي مكان.

المساهمون