استمع إلى الملخص
- تدور القصة حول جيك فريدكين وشقيقه فينس، حيث تتعقد حياتهما بعد جريمة قتل، مما يجرهما إلى نيويورك لمواجهة الديون والعصابات. الحبكة مزدحمة بالتفاصيل لكنها تفتقر إلى العمق النفسي.
- رغم جمال الصورة والموسيقى، إلا أن المسلسل يعاني من ارتباك وتكرار، مما يجعله فرصة ضائعة تفتقد للدفء والعمق الإنساني.
عندما يجتمع كلّ ما يُفترض أن يصنع نجاح عملٍ دراميٍّ كبير ــ مخرجون بارزون، ممثلون من الصفّ الأول، أجواء مدينة نيويورك القاسية وسحرها، وإنتاج فاخر من نتفليكس ــ ثم لا يصل المشروع إلى ما وُعد به، يصبح السؤال حتمياً: أين أخفق "الأرنب الأسود"؟
المسلسل، الذي يُعرض حالياً على المنصة، يبدو من النظرة الأولى واحداً من أبرز أعمال الموسم. فهو يجمع بين جود لو وجيسون بيتمان في بطولةٍ مزدوجة تدور في قلب مانهاتن، وتشارك في إخراجه أسماء لامعة مثل جاستن كورزيل ولورا ليني وبيتمان نفسه. صُوّر العمل في أحياء نيويورك المتنوعة، مستعيداً طابع أفلام السبعينيات التي خلّدها مارتن سكورسيزي، حيث المدينة ليست مجرد خلفية بل شخصية قائمة بذاتها. مع ذلك، لا ينجح المسلسل في التحليق فوق سقف التوقعات، ويظلّ محصوراً داخل شكله الأنيق أكثر من مضمونه.
النصّ الذي كتبه زاك بايلين وكيت سوسمان هو مكمن العثرة. فبدلاً من بناء عالمٍ أصيل، يكتفي بتجميع اقتباسات وإشارات من أفلام الإثارة الحضرية الكلاسيكية مثل Mean Streets وDog Day Afternoon وUncut Gems، ويصبّها في قالب واحد دون عمق. كلّ شيء في "الأرنب الأسود" يُدار وفق خوارزميةٍ تُطالب بأن يحدث أمرٌ دراميّ ضخم في كل لحظة، ما يجعل العمل يفتقر إلى الزمن الداخلي والأنفاس الدرامية التي تمنحه مصداقية إنسانية. النتيجة: توتّر مستمرّ بلا تطوّر حقيقي، وكأن المشاهد عالق في دوّامة من القرارات الخاطئة التي يتخذها الأبطال بلا توقف.
في القصة، يملك جيك فريدكين (جود لو) مطعماً عصرياً في مانهاتن السفلى، تتصاعد شعبيته بفضل مراجعة منتظرة من نيويورك تايمز. في المقابل، يعيش شقيقه الأكبر فينس (جيسون بيتمان) حياةً فوضوية في نيفادا، حيث تتسبب صفقة فاشلة لبيع عملات نادرة في مقتل أحد السارقين. من هنا تبدأ السلسلة التي تجرّ الأخوين إلى نيويورك، حيث الديون والعصابات والمشاكل العائلية التي تتكاثر في كل حلقة. ومع كلّ كارثةٍ جديدة، يزداد الشعور بأن الشخصيات تُقاد نحو مصيرها من دون منطق، وكأن النصّ يختبر قدرة الأبطال على الوقوع في مأزقٍ أسوأ من السابق.
المسلسل مزدحم بالتفاصيل: مطعم متأزم، علاقات متوترة بين جيك وزملائه مثل الشيف روكسي والمصممة إستيل والموسيقي ويس، إلى جانب تحقيق صحافي، وابنة غاضبة، وثلاثة رجال عصابات لا يرحمون. كل ذلك داخل حبكة متسارعة تُفضّل الحركة على البناء النفسي، حتى تبدو الشخصيات أدوات درامية أكثر مما هي أناس يمكن فهمهم أو التعاطف معهم.
ورغم أن "الأرنب الأسود" يبلغ ذروته في الحلقتين الأخيرتين بإخراج كورزيل، حيث يجد العمل أخيراً إيقاعه ويكتسب بعض التماسك، إلا أن الطريق إليه طويل ومليء بالارتباك. يشعر المشاهد بأن المسلسل كان يمكن أن يكون فيلماً مكثفاً مدته ساعتان بدلاً من ثماني حلقات تكرّر أزماتها بلا مبرر.
لكن ما لا يمكن إنكاره هو جمال الصورة والموسيقى التصويرية التي تضم أسماء مثل The Strokes وNirvana وThe War on Drugs، مانحة المسلسل هوية موسيقية حيوية وواقعية حضرية تُذكّر بليل نيويورك الصاخب. غير أن هذه العناصر لا تنقذ العمل من سطحية نصّه، الذي يكرّم أفلام المدينة القديمة دون أن يقترب من حقيقتها أو عمقها الإنساني.
في النهاية "الأرنب الأسود" ليس عملاً فاشلاً بقدر ما هو فرصة ضائعة، فكل شيء فيه يوحي بعظمةٍ ممكنة لم تتحقق: أداءان متقنَان من لو وبيتمان، وحبكة تحمل بذور الدراما العائلية المظلمة، لكن ما نراه في النهاية ليس سوى استعراضٍ أنيقٍ لأخطاء متكررة، يلمع من الخارج بينما يفتقد الدفء في الداخل.