استمع إلى الملخص
- أوضح الباحث دييغو كارفاليو أن الأرق المزمن يترك بصمة طويلة الأمد على صحة الدماغ، مشيراً إلى تأثيره عبر ترسب "الأميلويد" والأوعية الدقيقة، مما يعزز أهمية العلاج المبكر.
- أظهرت الدراسة أن حاملي جين APOE ε4 يواجهون تدهوراً إدراكياً أسرع مع الأرق، مشددة على أهمية النوم العميق في تنظيف الدماغ من السموم.
قد يظن البعض أن الأرق مشكلة عابرة لا تتجاوز حدود الإرهاق أو تقلب المزاج في اليوم التالي، لكن دراسة علمية جديدة تكشف عن أبعاد أعمق بكثير، مؤكدة أن قلة النوم المزمنة قد تسهم في تسريع تراجع الذاكرة والقدرات الإدراكية، وتزيد من التغيرات الدماغية المرتبطة بالخرف. الدراسة، التي نشرت في 10 سبتمبر/ أيلول في مجلة Neurology، ربطت الأرق المزمن بزيادة قدرها 40% في احتمالية الإصابة بالضعف الإدراكي البسيط أو الخرف، أي ما يعادل 3.5 سنوات إضافية من شيخوخة الدماغ.
الأرق المزمن
النتائج كانت لافتة: 14% من المصابين بالأرق المزمن تطوّر لديهم ضعف إدراكي أو خرف، مقارنة بـ10% فقط من غير المصابين. حتى بعد ضبط العوامل الأخرى، مثل العمر، وضغط الدم، وانقطاع النفس أثناء النوم، واستخدام الأدوية المنومة، ظل الأرق مرتبطاً بزيادة الخطر بنحو 40%. لم يقتصر الأمر على التشخيص النهائي، إذ رصد الباحثون تراجعاً أسرع في الأداء العقلي لدى المصابين بالأرق. والأكثر إثارة أن المشاركين الذين ناموا أقل من المعتاد في الأسبوعين السابقين على بدء الدراسة، أظهروا نتائج معرفية تعادل أشخاصاً أكبر منهم بأربع سنوات، فضلاً عن علامات دماغية واضحة كزيادة ترسبات "أميلويد" واتساع الآفات البيضاء.
الباحث الرئيسي في الدراسة، دييغو كارفاليو، طبيب الأعصاب المتخصص في النوم في "مايو كلينك" في ولاية مينيسوتا، أوضح في تصريحات لـ"العربي الجديد" أن "الأرق لا يؤثر فقط على شعورك في اليوم التالي، بل قد يترك بصمة طويلة الأمد على صحة الدماغ. رأينا تراجعاً أسرع في القدرات العقلية وتغيرات دماغية واضحة، ما يشير إلى أن الأرق المزمن قد يكون علامة إنذار مبكر أو حتى مساهماً في ظهور الخرف في المستقبل".
كارفاليو أضاف أن النتائج أظهرت أن الأرق قد يؤثر عبر أكثر من مسار، ليس فقط من خلال ترسب "الأميلويد"، بل أيضاً عبر الأوعية الدقيقة التي تغذي الدماغ بالدم، وهو ما يعزز أهمية علاج الأرق المزمن مبكراً. فالمسألة لم تعد مرتبطة براحة النوم فحسب، بل بصحة الدماغ على المدى الطويل.
الدراسة أبرزت أيضاً الفئات الأكثر عرضة للخطر. إذ أظهرت أن الأشخاص الحاملين لجين APOE ε4، المعروف أصلاً بارتباطه بارتفاع مخاطر ألزهايمر، واجهوا تدهوراً إدراكياً أسرع إذا كانوا يعانون من الأرق. هذا التفاعل بين العوامل الجينية والبيئية يقدم صورة أكثر تعقيداً، ويعكس أن النوم ليس مجرد عادة يومية، بل عامل بيولوجي قادر على تسريع أو إبطاء مسار الأمراض العصبية.
عقد من الأبحاث
مع ذلك، يشدد الباحثون على أن هذه النتائج تُظهر ارتباطاً ولا تثبت سببية مباشرة، فقد يكون الأرق أيضاً عرضاً مبكراً لأمراض عصبية لم تُشخّص بعد. كما أن الاعتماد على السجلات الطبية لتشخيص الأرق قد يغفل حالات غير مُشخصة أو لا يقيس شدة الأعراض بدقة.
ويختم كارفاليو بالقول: "نحن بحاجة إلى أساس يضمن للناس نوماً كافياً. تحسين النوم قد يكون وسيلة لإبطاء التدهور الإدراكي. وحتى لو لم تُثبت الدراسات ذلك بعد بشكل نهائي، فإن تعزيز صحة النوم يجب أن يُعامل كأولوية قصوى للصحة العامة".