اختلالات تهدد نزاهة انتخابات المجلس الوطني للصحافة المغربي
تواجه انتخابات المجلس الوطني للصحافة المنتظر إجراؤها في 15 سبتمبر/أيلول المقبل، انتقادات جديدة، آخرها ما عبر عنه اليوم الأربعاء، التنسيق النقابي لقطاع الصحافة والنشر، محذراً من اختلالات قال إنها رافقت الإعداد للانتخابات، ومن تأثيرها على نزاهة الاستحقاق وشرعية المؤسسة التي ستنبثق منه.
وقال التنسيق النقابي، المكون من النقابة الوطنية للصحافة المغربية، الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، الجامعة الوطنية للصحافة والإعلام، النقابة الوطنية للإعلام والصحافة والاتصال، الكونفدرالية المغربية لناشري الصحف والإعلام الإلكتروني، إنه يرفض المنهجية التي تعتمدها اللجنة المؤقتة المكلفة بتسيير شؤون المجلس الوطني للصحافة والإعداد للانتخابات، معتبراً أن "الآليات المعتمدة في تنظيم الاستحقاق لا تحترم القوانين والأنظمة والأعراف ذات الصلة".
أزمات المجلس الوطني للصحافة
دُشّن المجلس الوطني للصحافة عام 2018 بهدف "صيانة شرف المهنة، وضمان الالتزام بميثاق أخلاقيات الصحافة، وحماية حق المواطن في إعلام حر وتعددي ومسؤول"، مع صلاحيات تشمل منح بطاقة الصحافة المهنية، والوساطة في النزاعات، وتتبع احترام أخلاقيات المهنة. لكن المجلس يعيش منذ سنة 2022 أزمة بنيوية، حتى وُصفت أول تجربة للتنظيم الذاتي بالفشل. واضطرت الحكومة حينها إلى تمديد عمر المجلس ستة أشهر، قبل نقل صلاحياته في إبريل/نيسان 2023 إلى لجنة مؤقتة لتدبير شؤون الصحافة والنشر لمدة سنتين. ومع اقتراب نهاية ولاية اللجنة المؤقتة، أعدّت الحكومة مشروع قانون جديد لإعادة تنظيم المجلس، صادق عليه مجلس النواب في نهاية يوليو/تموز 2025، قبل تمريره نهائياً في مجلس المستشارين.
وفي 24 ديسمبر/كانون الأول 2025، أقرّ مجلس المستشارين، الغرفة الثانية للبرلمان المغربي، بعد جلسة ساخنة، مشروع قانون لإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وهو المشروع الذي أثار موجة جدل في الأوساط الإعلامية والحقوقية، وسط مخاوف من أن يشكّل تراجعاً عن المكتسبات المرتبطة بحرية الصحافة واستقلالية مؤسساتها التمثيلية، وأن يرسّخ مقاربة ضبطية تُضعف استقلالية الجسم الصحافي وتضر بالمكتسبات المتراكمة في مجال التنظيم الذاتي للمهنة.
انعكاسات مباشرة
في 27 يوليو/تموز الماضي، باشرت اللجنة المؤقتة المحدثة طبقاً لمقتضيات المادة 96 من القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، ممارسة مهامها والتحضير لعمليات انتخاب ممثلي الصحافيين المهنيين وانتداب ممثلي ناشري الصحف وتنظيمها والإعلان عن نتائجها النهائية.
إلى ذلك، تَركز جانب أساسي من انتقادات التنسيق على لوائح الهيئة الناخبة، التي اعتبر أنها تشهد اختلالات جوهرية من شأنها التأثير على تكافؤ المشاركة ومصداقية العملية الانتخابية، وكذلك "تقلّص" الهيئة الناخبة "بشكل غير مسبوق في عدد من القطاعات، خصوصاً قطاع السمعي البصري، من دون تقديم توضيحات كافية بشأن المعايير المعتمدة لإقصاء مئات الصحافيات والصحافيين من حق المشاركة في الانتخابات".
وبينما اعتبر التنسيق أن الاختلالات التي سجلها لا يمكن اختزالها في أخطاء تقنية أو حالات معزولة، حذّر من أن لها انعكاسات مباشرة على سلامة العملية الانتخابية وشفافيتها، وعلى شرعية المؤسسة التي ستفرزها. كذلك حذّر من أن تتحول المرحلة الانتقالية الحالية إلى مدخل لفرض مؤسسة مهنية تفتقر إلى الثقة والمشروعية، أو إلى وسيلة لإعادة تشكيل الجسم الصحافي خارج إرادة المهنيات والمهنيين.
وتأتي انتقادات التنسيق النقابي بعد أيام على توجيه المنظمات المهنية الوطنية للصحافيين والناشرين، رسالة عاجلة إلى رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، تلتمس فيها تدخله التحكيمي لإرجاء انتخابات تجديد المجلس الوطني للصحافة إلى ما بعد الاستحقاقات التشريعية في 23 سبتمبر/ أيلول المقبل، وذلك بهدف وقف ما وصفته بالارتباك وتصحيح مسار مؤسسة التنظيم الذاتي للمهنة.
وتعليقاً على خطوة طلب تحكيم رئيس الحكومة، قالت الصحافية المتابِعة لأزمة المجلس الوطني للصحافة، حنان رحاب، لـ"العربي الجديد"، إن هذا المطلب يسهم في "إطالة مسلسل العبث التشريعي، وهدر مزيد من الزمن، دون نتيجة عملية سوى تأجيل العودة إلى الوضع الطبيعي الذي ظل الجميع، إلى وقت قريب، يطالب به".
وأكدت رحاب: "لسنا أمام مشروع قانون ما يزال في بداية مساره، ولا أمام نص ينتظر رأي الحكومة أو موقف رئيسها. نحن أمام قانون استكمل مساره المؤسساتي، وخضع لمراقبة المحكمة الدستورية، وتم تضمين ملاحظاتها في الصيغة المعتمدة، كما مر قبل ذلك من المجلس الحكومي الذي يترأسه رئيس الحكومة نفسه، قبل أن يسلك القناة التشريعية المعروفة".
وأضافت: "الأهم أن القانون صدر في الجريدة الرسمية وصدر الأمر بتنفيذه. ولذلك فإن المطلوب من الحكومة اليوم ليس العودة إلى الوراء وإعادة فتح مسار انتهى مؤسساتيا، وإنما تحمل مسؤوليتها في تطبيق القانون والإسراع في تنزيل مقتضياته قبل نهاية ولايتها الحكومية".
ولفتت إلى أنه تبرز مفارقة يصعب تجاهلها، حيث إلى وقت قريب، كان جزء كبير من النقاش داخل الجسم الصحافي منصباً على ضرورة الخروج من "زمن المؤقت"، خصوصاً بعدما تم تمديد عمل اللجنة المؤقتة، وكان الاعتراض الأساسي أن القطاع لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية في تدبير انتقالي، وأن المطلوب هو العودة إلى مؤسسة منتخبة وإلى الوضع الطبيعي.
وقالت: "اليوم، وبعدما قامت الحكومة والوزارة الوصية بما عليهما، وتم تعيين اللجنة التي ستشرف على الانتخابات، وبدأت هذه الأخيرة فعلياً في اتخاذ خطوات عملية، وفي مقدمتها إخراج لوائح الصحافيين المهنيين الذين يحق لهم التصويت، نجد بعض الزملاء يتجهون في اتجاه معاكس تماماً لما ظلوا يطالبون به. فكيف نطالب، من جهة، بإنهاء المرحلة المؤقتة، ثم نطالب، عندما تبدأ إجراءات الانتقال نحو المجلس المنتخب، بإيقاف المسار والعودة من جديد إلى نقطة الصفر؟".
ورأت أن الاختلاف حول القانون مشروع، وانتقاده مشروع، والمطالبة مستقبلاً بتعديله أو تطويره حق مشروع أيضاً. لكن استمرار القطاع رهينة حالة انتقالية مفتوحة ليس حلاً، كما أن إعادة فتح المسار كلما اقتربنا من محطة التنفيذ لن تنتج سوى مزيد من التأجيل والارتباك. وتعتقد أن الأولوية اليوم يجب أن تكون للانخراط الجدي والمسؤول في المسار الانتخابي للمجلس الوطني للصحافة، والعمل على توفير شروط انتخابات مهنية ونزيهة وشفافة، بما يسمح بإنهاء هذا الوضع الذي استنزف وقتاً طويلاً من النقاش داخل الجسم الصحافي.
وترى أنه "لننتخب المجلس، ولنعد بالمؤسسة إلى وضعها الطبيعي، وبعد ذلك يمكن أن يستمر النقاش حول القانون ونواقصه وما يحتاج إليه من تعديلات"، موضحةً أن القطاع أمامه ملفات أكثر استعجالاً من الدوران المستمر داخل الحلقة نفسها، إذ هناك أوضاع العاملات والعاملين، والحقوق الاجتماعية والمهنية، وأخلاقيات المهنة، والحماية الاجتماعية، والتكوين، والتحولات التي تعرفها المؤسسات الصحافية، ومستقبل الصحافة نفسها في ظل التغيرات الاقتصادية والرقمية المتسارعة.
وتابعت: "هذه هي المعارك التي ينبغي أن يتفرغ لها المجلس الوطني للصحافة. أما إبقاء القطاع في المؤقت، ثم البحث في كل محطة عن مبرر جديد لتأجيل العودة إلى مؤسسة منتخبة، فلن يحل المشكلة، بل سيطيل عمرها. لقد حان الوقت للخروج من المؤقت، لا لاختراع مؤقت جديد".