اتهامات لروسيا باستخدام التضليل الرقمي لتأجيج أزمة سبتة

10 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 07:51 (توقيت القدس)
شاحنة عسكرية تنقل مهاجرين في سبتة، 2 أغسطس 2026 (خيسوس توريس/ Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- شهدت مدينة سبتة تدفقًا كبيرًا للمهاجرين من المغرب، مما أثار قلقًا سياسيًا وإعلاميًا في أوروبا، حيث تمكنت السلطات من إعادة معظم المهاجرين.
- أشار مركز أبحاث في برلين إلى دور الدعاية الروسية في نشر معلومات مضللة حول الأحداث، مستغلة وسائل الإعلام وحسابات وهمية لتصوير الهجرة كتهديد للثقافة الغربية.
- رغم عدم وجود دليل قاطع على تورط روسيا في تنظيم التدفق، إلا أن نشاطها الدعائي أثار قلقًا، مما دفع المفوضية الأوروبية لدعوة للحد من المعلومات المضللة.

ساد الذعر قبل أيام في قارة أوروبا بأكملها مع تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين من المغرب إلى مدينة سبتة الخاضعة للسيادة الإسبانية، لتكتسب المدينة شهرة واسعة خلال 24 ساعة، قبل أن تتمكن السلطات من فرض سيطرتها على الوضع وإعادة الغالبية المطلقة منهم. إلا أن الحادثة لا تزال تتفاعل سياسياً وإعلامياً، وسط الحديث عن موجات تدفق جماعي أخرى يجري التحضير لها، وعن الدور الذي لعبته روسيا عبر منصات وهمية ووسائل التواصل الاجتماعي في تأجيج الوضع حينها. فكيف جرى خداع الراغبين في الوصول إلى "الفردوس الأوروبي" بمعلومات مضللة؟ وكيف سعت روسيا إلى استغلال ذلك لتحقيق أهداف جيوسياسية والاستفادة من الفوضى والهجوم الهجين الذي عاشته إسبانيا ودول الاتحاد الأوروبي؟

أزمة سبتة تحت تأثير التضليل الرقمي

في رصد لما يثار عن تدخل الدعاية الروسية في تدفق المهاجرين إلى إسبانيا، حلل مركز أبحاث سايفلوينس في برلين المعلومات المضللة المحيطة بأحداث سبتة مشيراً إلى أن من بين الروايات الأكثر شيوعاً رواية "الغزو العسكري الإسلامي" التي روجتها وسائل الإعلام الروسية الرسمية. وتزعم هذه الرواية أن المهاجرين يشنون هجوماً على الثقافة المسيحية الغربية، وهو ادعاء دأبت جماعات اليمين المتطرف، مثل حزب البديل من أجل ألمانيا وشخصيات من المعارضة الإسبانية، ومحافظون أوروبيون وشعبويون، على نشره في الماضي، مع استشهادهم بما حصل عامي 2015 و2016 عندما فر نحو 1.3 مليون شخص إلى الاتحاد الأوروبي من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومن زاوية أخرى، أشار "سايفلوينس" إلى أن وسائل الإعلام الروسية تقدم باستمرار التطورات الجيوسياسية بطريقة تناسب سرديات محددة، تشمل ما يزعم من تراجع الحضارة الغربية والفشل المفترض للمجتمعات الأوروبية مقارنة بروسيا أو غيرها من الدول الاستبدادية، والرواية القائلة إن الليبرالية التقدمية تشكل تهديداً وجودياً لمستقبل أوروبا.

من جهة ثانية، ذكرت تقارير استخدام حسابات وهمية على منصات التواصل لمواكبة الوضع في سبتة، مبرزة ما كتبه وزير الخارجية الأوكراني، أندريه سيبيها، على منصة إكس، وفيه أن هناك حملة دعائية منظمة على منصات تصنف كشبكات موالية لروسيا. ولفت إلى أن محللين أوكرانيين رصدوا مقالات تتضمن معلومات مضللة أو روايات تلاعب نشرتها شبكة برافدا وقناة آر تي الروسيتان. الأخيرة ضخمت منشورات، بينها منشور للملياردير إيلون ماسك الذي نشر مشهداً من فيلم "حرب الزومبي العالمية" على منصته إكس. وفي غضون ذلك، نشرت أيضاً مقالات عبر مواقع تهدف إلى إيهام الناس بأن الأخبار موثوقة، علماً أنها مصممة بصرياً لهذا الغرض وفي نوع من التضليل الإعلامي.

حسابات وهمية ومحتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي استُخدم خلال أزمة سبتة لنشر روايات مضللة على تيك توك وإنستغرام وفيسبوك، بينها ادعاءات بأن إسبانيا ستستقبل المهاجرين وتمنحهم اللجوء وتسمح لهم بالانتقال إلى البر الرئيسي

وتماشياً مع ما ذكر، ووفقاً لبيانات مركز الأبحاث الفنلندي تشيكفيرست، فإن "برافدا" تعد مشروعاً روسياً للتضليل الإعلامي، ونشرت ادعاءات هدفت منها إلى ضخ الأخبار الملفقة حين كان الوضع على الأرض يتفاعل، وذلك ضمن استراتيجية الدعاية الروسية، علماً أن الشبكة تنشر آلاف المقالات وبنحو 15 لغة أوروبية.

وفي الإطار، يرجح محللون مستقلون للإنترنت أن المدبر لهذه العمليات شركة تقنية معلومات روسية مقرها في شبه جزيرة القرم المحتلة منذ العام 2014. ولم تعد الشركة تكتفي بإنتاج المقالات التضليلية الموجهة للمستخدمين، بل أيضاً لتغذية برامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي والتلاعب بنتائجها.

حسابات وهمية وادعاءات كاذبة

أمام ما تقدم، بينت تقارير ألمانية أن حسابات دشنت لنشر المزيد من الادعاءات والوعود والأكاذيب على الإنترنت، كما أخبار ومنشورات مضللة انتشرت على "تيك توك" و"إنستغرام" و"فيسبوك" ومنصات أخرى. كما ساهمت فيديوهات ومحتويات صُنعت بالذكاء الاصطناعي في إشعال الشائعات وتأجيج الوضع وتحريك الراغبين في الهجرة إلى أوروبا. وتضمنت تلك الادعاءات أن إسبانيا ستستقبل مهاجرين وستمنحهم اللجوء، وسيسمح لهم بالسفر إلى البر الرئيسي، ليتضح بعدها أنها من صنع شبكات مهربي البشر الذين روجوا حكماً قضائياً صدر أخيراً عن المحكمة العليا يشكل "ضمانة للجوء" ويمنع الإعادة المباشرة للاجئين، متجاهلين أنه ينص فقط على وجوب تقييم حالة المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر كل على حدة. وتعززت هذه الروايات ببث معلومات وأكاذيب لمنشورات إعلامية روسية مضللة، تسببت في خنق الأمل في نفوس الكثيرين ممن كانوا لا يرون لهم مستقبلاً في وطنهم.

مركز سايفلوينس رصد رواية الغزو العسكري الإسلامي ضمن أبرز السرديات المرتبطة بأزمة سبتة، في إطار خطاب يصور الهجرة باعتبارها تهديداً للثقافة المسيحية الغربية

ومن المعلوم أن سبتة ومليلية تعتبران جزءاً من منطقة شينغن من الناحية الفنية، إلا أنهما تتمتعان بوضع خاص يجعل السفر إلى أوروبا بعد ذلك أمراً معقداً. وفي هذا الصدد، رأى خبراء أن الأمر لم يكن مصادفة، رغم عدم اكتشاف الدليل القاطع بعد، لكن الأصابع تدل على ضلوع روسي في الأزمة، سيما وأن الأخيرة على دراية وفهم باستخدام الهجرة سلاحاً في وجه الأوروبيين. ولم يستبعد رئيس لجنة الرقابة البرلمانية في البوندستاغ ( البرلمان الاتحادي والهيئة التشريعية الرئيسية في ألمانيا) والمسؤول عن الإشراف على أجهزة الاستخبارات، مارك هنريشمان، المنتمي إلى الحزب المسيحي الديمقراطي، في حديث مع شبكة التحرير الألمانية أخيراً، أن تكون روسيا مسؤولة بالقدر نفسه عن تدفق المهاجرين من المغرب إلى سبتة، وأن تكون هذه العملية مدبرة بعد حملة دعائية واسعة النطاق. وأوضح أنه إذا صح ما يقوله الأوكرانيون وأجهزة الاستخبارات، بأن شبكات روسيا بدأت، ومن خلال حسابات وهمية، في ضخ معلومات عبر منصات التواصل، فإن الحادثة تعد بمثابة تحذير من أن التضليل الموجه قد يكون له تأثير هائل، وأن الدعاية الروسية تسعى إلى استغلال البشر لأغراضها الخاصة في أوروبا.

وفي وقت يُلقى فيه اللوم على حكم قضائي إسباني وسياسة الهجرة الليبرالية المفرطة لحكومة إسبانيا الاشتراكية بزعامة بيدرو سانشيز، ذكرت صحيفة تاغسشبيغل أن جهات روسية عملت، من خلال حملاتها الكاذبة وتعليقاتها على مواقع التواصل، على تضليل البشر ودفع الأشخاص إلى المخاطرة بالسفر إلى سبتة، ولإظهار الاتحاد الأوروبي على أنه ضعيف وعاجز عن اتخاذ أي إجراء. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون ديرلاين، في رسالة إلى سانشيز، وبعد الإشادة بجهود السلطات الإسبانية، إن الاتحاد الأوروبي لا يقبل أي محاولات لاستخدام الهجرة وسيلة للضغط على أي دولة عضو في التكتل، في إشارة منها إلى أنها لا تؤمن بالمصادفات.

وفي السياق، دعت مسؤولة الملف الرقمي في المفوضية الأوروبية، هينا فيركونن، شركتي ميتا و"تيك توك" إلى "التحرك بحزم" للحد من المعلومات المضللة خلال الأزمات، مشيرة إلى مناقشات جرت مع المنصتين الجمعة، في أعقاب تدفق المهاجرين إلى سبتة. وقالت فيركونن: "على المنصات التحرك بحزم للحفاظ على سلامة الفضاء الرقمي، ولا سيما في أوقات الأزمات". وأضافت: "يجب تكثيف عمليات الرصد وتعزيز التعاون مع مدققي الحقائق"، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي "سيتابع الأمر الاثنين".

سلاح للضغط على أوروبا

إلى ذلك، اعتبر الباحث السياسي توماس ياغر، في مقابلة مع "فوكوس أونلاين" يوم 6 أغسطس/آب الحالي، أن الصور التي ظهرت من سبتة مقلقة لأوروبا، بعد محاولة عشرات الآلاف من مواطني دول أفريقية، بينها المغرب والسودان والصومال والسنغال وغيرها، دخول الاتحاد الأوروبي عبر سبتة، معرباً عن اعتقاده بأن هناك أدلة كثيرة تشير إلى ضرورة أخذ روسيا على محمل الجد كطرف محتمل في الأزمة. وتابع أن لموسكو نفوذاً كبيراً في منطقة الساحل، وخلال السنوات الأخيرة في الدول الثلاث الرئيسية بعد انسحاب فرنسا منها، والتي يمر عبرها المهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وهي بوركينا فاسو ومالي والنيجر، ما منحها موقعاً استراتيجياً مهماً، وبات لها القدرة على مراقبة الأوضاع ومسارات الهجرة هناك، قبل أن يذكر أن لروسيا سوابق، وأنها تفعل ذلك تحديداً على الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي، ومن المعروف أنها تمارس ضغوطاً على دول البلطيق كوسيلة للهجرة، وكذلك عبر بيلاروسيا وبولندا.

لا يوجد حتى الآن دليل قاطع على ضلوع روسيا مباشرة في تنظيم تدفق المهاجرين إلى سبتة، لكن مسؤولين وباحثين يرون أن حجم النشاط الدعائي وسرعة استغلال موسكو للأزمة يستحقان التحقيق والمتابعة

ووفق ياغر، فإن هذه الممارسات، كالتدخل في أزمة سبتة، يمكن لروسيا أن تستغلها لأغراضها الخاصة، لأنه من وجهة نظر الكرملين من المهم إنتاج هذه الصور والتلاعب بها واستخدامها لإثارة الغضب. وهذا ما يفيد بالدرجة الأولى القوى السياسية التي تدعمها روسيا داخل التكتل الأوروبي، حيث تعتبر قضايا أساسية مثل مكافحة الهجرة محل استقطاب وتأييد من قبل الناخبين. وقال إن هدف موسكو، على المدى البعيد، هو أن تتبوأ دورها المنشود في أوروبا وإخضاع الدول الأوروبية لإرادتها، وهذا تحديداً ما تحققه هذه الإجراءات الهجينة.

ورغم عدم وجود تأكيدات صريحة بضلوع روسيا مباشرة، بينت تعليقات أنه في حالة سبتة أرادت موسكو زرع بذور عدم الاستقرار وترسيخ الانطباع بأن الاتحاد الأوروبي غير قادر على تطبيق قوانين الهجرة. وكان لافتاً سرعة استغلال الروس للحادثة، فغير التصريحات المهينة للمتحدثة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا، بالغ كيريل ديميترييف، العضو في فريق التفاوض مع الولايات المتحدة بشأن أوكرانيا، في تضخيم القضية، واصفاً المهاجرين بالبرابرة الذين يمزقون أوروبا، وهو من الشخصيات التي تتفاعل معها على منصات التواصل الجماعات اليمينية الشعبوية في أوروبا، من بينها زعيمة "البديل من أجل ألمانيا" أليس فايدل.