إيمي واينهاوس... في إثر دخان ينفثه الرجل الأخضر

22 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 01:12 (توقيت القدس)
في شيكاغو عام 2007 (جايسون سكوايرز / Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- أثرت إيمي واينهاوس بشكل كبير على موسيقى البوب في الألفية الثالثة بدمجها بين البلوز والجاز والموسيقى البيضاء، حيث أحدثت ثورة موسيقية رغم إصدارها لألبومين فقط، أبرزهم "عودة إلى الأسود".
- تناولت أعمال واينهاوس موضوع الإدمان بوضوح، حيث عكست أغنية "المصحّ" معاناتها الشخصية مع الإدمان، متميزة بتأثيرات البلوز والجاز وصوت الستينيات.
- إرث واينهاوس يربط بين الأجيال، مؤثراً في نجوم الموسيقى الذين يناقشون تجاربهم مع الإدمان، مع توجه بعضهم نحو حياة صحية ومستدامة.

تحل في 23 يوليو/تموز الحالي ذكرى رحيل نجمة الغناء وكاتبة الأغاني البريطانية إيمي واينهاوس التي تمكّنت، بواسطة ألبومين فقط، من وضع موسيقى البوب على مسار جديد، في أول الألفية الثالثة، بعد أن هدمت جداراً تصنيفيّاً ذا لبناتٍ عرقية وثقافية، ظلّ عقوداً طويلة يفصل الموسيقى السوداء، من بلوز وجاز وآر أند بي وهيب هوب، عن نظيرتها البيضاء.

أما السبب في أن واينهاوس لم تترك سوى ألبومين، أحدهما ذاك المعنون "عودة إلى الأسود" (Back to Black)، الصادر عام 2006، الذي بيع منه ما يقارب 16 مليون نسخة، وأشاد به النقّاد بوصفه إحياءً لإرث موسيقى السول، أفريقيّة الجذور، وتقديماً لها إلى الذائقة السائدة بصيغة عصرية ومبتكرة، فيعود إلى أن تلك المسيرة الفنّية الواعدة اختُتمت باكراً جداً، إثر رحيلها المفاجئ عن عمر 27 عاماً، حين عُثر عليها في دارها بلندن، وقد فارقت الحياة نتيجة تسمّمٍ كحولي.

لم يكن الفشل المتكرّر في الإقلاع عن الكحول فقط السبب في النهاية المأسوية والمبكرة لحياة إيمي واينهاوس ومشوارها المتألّق في حقل الغناء وكتابة الأغاني، بل شكّل أيضاً ثيمة مركزية في إنتاجها الفنّي، اكتسبت بُعداً وجودياً وصارت محرّكاً درامياً لكثيرٍ من النصوص التي كتبتها ولحّنتها. ولعلّ أكثر ما ميّز تناولها موضوع الإدمان هو الكشفُ عنه صراحة، وعدمُ إخفائه تحت سجادة من الإيحاءات والاستعارات المجازية.

حتى إنّ نهج الشفافية الذي اتبعته في طرح معاناتها الطويلة مع الإدمان، جعلها تبدأ من عناوين أعمالها. يجدر، في هذا السياق، ذكر واحدة من أفضل وأشهر أغانيها، "المصحّ" (Rehab)، والتي اختارتها لتكون فاتحة ألبوم "عودة إلى الأسود"، إذ يشير العنوان إلى المؤسّسة الاستشفائيّة التي تُعنى بمساعدة نزلائها على الخلاص من أصناف إدمانهم (مركز إعادة التأهيل).

أمّا المتن، فمستوحى من حديثٍ جرى بينها وبين مدير أعمالها، رجاها فيه أن تطلب العون الطبّي والمعنوي، ومنه أتت اللازمة الشهيرة: "حاولوا أن يُدخلوني مصحّاً، فقلت: لا، لا، لا".

موسيقيّاً، تميّزت أغنية "المصحّ" بلونٍ صوتي جارح، يوحي كما لو أنّها سُجّلت بتكنولوجيا قديمة وبطابع استعادي (Retro) يستحضر ستينيّات القرن العشرين، أوج حقبة السول المتأثّر بالغوسبل، والأشدّ ارتباطاً بالثقافة الأفروأميركية.

كما تلتقط الأذن نكهة البلوز والجاز عبر صوت الساكسفون الباريتون، المصحوب بتوزيعٍ يشمل فرقة بيغ باند من الآلات النفخيّة والإيقاع، وقسماً من الوتريّات، إضافة إلى الزخارف الغنائية التي تُحيي الأسلوب الأدائي المقترن بذلك اللون الموسيقي، وتُذكّر بروّادٍ كانوا سبّاقين في استلهامه، مثل راي تشارلز وسام كوك، وصولاً إلى ستيفي وندر.

أغنية أخرى تذيّلت الألبوم ذاته حملت عنوان "مدمنة" (Addicted)، تناولت واينهاوس، عبر كلماتها، واقع إدمانها على عشبة الماريغوانا، وطبيعة العلاقة الاتكالية المرّة التي جمعتها بالمخدّرات، التي أطلقت عليها، بسخرية سوداء، "الرجل الأخضر"، لتتداخل رمزيّاً مع رجالٍ مرّوا بحياتها العاطفية وجرّوها للإدمان على العشق.

ولأجل ذلك، اختارت معالجة موسيقية غير اعتيادية تعتمد التضاد بين ضربٍ إيقاعي صاخبٍ يحمل ثقل الروك، وجُمَل جاز رقيقة موزّعة لآلة الفلوت، المصاحبة لفرقة "بيغ باند". أمّا أداؤها الغنائي، فقد مزج الدعابة باستحضار أسلوب عمالقة الجاز من السيّدات، أمثال بيلي هوليداي وإيلا فيتزجيرالد.

واقع الحال أن جيلاً من نجوم الصناعة الترفيهية الغربية، بقطاعاتها المتنوعة كالسينما والكتابة الإبداعية والموسيقى، ارتبط خلال العقد الأول من القرن الحالي بمآسي الإدمان على الكحول والمخدّرات، فأدّت إلى موت بعضٍ منهم مباشرة أو غير مباشرة.

أحيت إيمي واينهاوس إرث السول بصوتٍ بدا آتياً من ستينيات القرن الماضي

فبعد إيمي واينهاوس بعام، سنة 2012، قضت المغنية الأميركية ويتني هيوستن عن 48 عاماً، غرقاً في بركة استحمام، ليتبيّن أنها كانت تعاني من مضاعفات ناجمة عن تناول الكوكايين، مُضافة إلى إصابتها بمرض في القلب. أمّا مغنّي السول برنس، فقد رحل سنة 2016 بسبب جرعة زائدة من عقار الفنتانيل، عن 57 سنة.

كما أن العديد من أبناء ذلك الجيل ناقشوا مسألة إدمانهم في الفضاء العام، ليس بالضرورة بوصفها موضوعاً لأعمالهم الفنيّة، وإنما للاستهلاك في الصحافة ووسائل الإعلام. فقد تناول وثائقي من إنتاج "إم تي في"، سنة 2012، بعنوان Demi Lovato: Stay Strong، الرحلة الاستشفائية التي أدخلت النجمة الأميركية ديمي لوفاتو مصحّاً في مدينة لوس أنجليس لكي تُعالج من الإدمان واضطراب الأكل، فتخرج بعد عام وتصدر ألبومها الرابع، ثم تحتفل سنة 2017 بمرور خمسة أعوام على امتناعها عن تعاطي المخدّرات. كذلك صدر وثائقي من إنتاج "نتفليكس" سنة 2023 يحكي قصة النجم البريطاني روبي وليامز مع إدمانه واعتلال صحّته النفسية.

ولئن كانت التصنيفات العمرية، التي راجت حديثاً، تضع إيمي واينهاوس بين الميلينيالز الأكبر سنّاً، فإن سيرتها الذاتية تمثّل نقطة وصل بين جيلها وأجيال من سبقوها، من جهة، وجيل زد، من جهة أخرى؛ الذي أخذ عددٌ من نجومه المؤثرين يتّبعون نمط حياة يبتعد شيئاً فشيئاً عن الصورة النمطية السائدة في المخيال الشعبي لأساليب عيش المشاهير منذ منتصف القرن الماضي، التي ظلت تتّسم إجمالاً إمّا بالهيدونية المفرطة، أي ابتغاء اللذّة والمتعة الحسيّة، أو بفرط الحساسية إزاء مآلات الانتشار الواسع والثراء السريع، ما أدّى، في كلتا الحالتين، إلى الارتهان للكحول والمخدّرات في سبيل مواصلة النشاط الفنّي ومقاومة الضغوط النفسية والجسدية الناجمة عنه.

لذا، نجد بين أسماء البوب اللامعة اليوم من يختار خطاباً يدعو من خلاله إلى صيانة الروح والجسد، بدلاً من استهلاكهما، واضعاً نصب عينيه مشواراً فنياً متّسقاً ومستداماً، متأثّراً برواج ثقافة التحسين (Optimisation) وتنامي التمثّل الجماهيري بقيم الوعي الصحّي. فالنجمة دوا ليبا ذكرت أنها تولي اهتماماً خاصاً بصحّتها النفسية، أولاً من خلال تقليص نشاطها على وسائل التواصل الاجتماعي، ولياقتها البدنية، ثانياً، عن طريق الالتزام بالتمارين الرياضية واليوغا والبيلاتس.

أمّا مايلي سايرس، فقد ربطت القدرة على مواصلة الأداء باتّباع أسلوب حياة رصين سبيلها إليه ممارسة الرياضة بوتيرة شبه احترافية، والخضوع لجلسات منتظمة في العلاج النفسي، تساعدها على مواجهة القلق وتجاوز رهبة المسرح.