إعلان استقلال أميركا: "وثيقة أخرى" منسية في الأرشيف البريطاني
- الاكتشاف تم بواسطة المتطوع مايكل سكور أثناء فهرسة أوراق البحرية الملكية، ويكشف عن تداول الأخبار السياسية خلال الثورة الأميركية، مع تفاصيل عن جودة الورق والظروف الاقتصادية.
- الإعلان يتزامن مع معرض "Revolution 250" في الأرشيف الوطني البريطاني، حيث ستُعرض النسخة المكتشفة، مما يضيف بُعداً جديداً لسردية إعلان الاستقلال.
أعلن الأرشيف الوطني البريطاني في كيو، غربي لندن، العثور على نسخة نادرة من إعلان استقلال الولايات المتحدة، طُبعت عام 1776 في إكستر بولاية نيوهامبشير، وظلت محفوظة بين أوراق بحرية صادرتها بريطانيا من سفينة أميركية خلال حرب الاستقلال.
تقول دار الأرشيف إن النسخة المكتشفة هي واحدة من 11 نسخة معروفة فقط من طبعة إكستر، والوحيدة الموجودة خارج الولايات المتحدة. تكتسب الوثيقة أهمية إضافية بسبب مسارها؛ إذ انتقلت من مطبعة محلية في نيوهامبشير إلى سفينة أميركية خاصة كانت تعمل لحساب الثورة، ثم إلى يد البحرية الملكية البريطانية، قبل أن تستقر قرابة قرنين ونصف القرن في ملفات الأدميرالية في لندن.
ورغم أن الاكتشاف حظي بتغطية في الصحافة البريطانية والدولية، فإن أهميته لا تقف عند ندرة النسخة، بل تمتد إلى مسارها نفسه: وثيقة تعلن الانفصال عن بريطانيا، ثم تنتهي محفوظة في أرشيف الدولة التي كان الإعلان موجهاً ضدها.
طُبع إعلان الاستقلال في فيلادلفيا في الرابع من يوليو/تموز 1776، لكنه لم يبق محصوراً في تلك الطبعة الأولى. فقد ظهرت نسخ أخرى في المستعمرات الأميركية خلال الأيام التالية، بهدف نشر خبر الانفصال عن بريطانيا بسرعة، وتعبئة الرأي العام والبحارة والمقاتلين خلف مشروع الاستقلال.
من بين هذه النسخ طبعة إكستر، التي أُنجزت بين 16 و19 يوليو/تموز 1776. وكانت هذه النسخ تُنقل أحياناً عبر السفن، في سياق حرب امتدت إلى المحيط الأطلسي وخطوط التجارة والملاحة.
كانت النسخة المكتشفة حديثاً على متن السفينة الأميركية دالتون، القادمة من نيوبريبورت في ماساتشوستس. والسفن الخاصة كانت سفناً مدنية تحصل على تفويض رسمي من الحكومات المتحاربة لمهاجمة سفن العدو، وشكّلت خلال الثورة الأميركية جزءاً من الحرب الاقتصادية والبحرية ضد بريطانيا.
لكن رحلة دالتون انتهت في ديسمبر/كانون الأول 1776، حين اعترضتها السفينة البريطانية رايزونابل قبالة السواحل البرتغالية، وصادرت أوراقها. ومن بين تلك الأوراق كانت نسخة إعلان الاستقلال، التي وُصفت لاحقاً في السجلات بعبارة مقتضبة: "وثيقة أخرى".
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
لم يكن العثور على الوثيقة نتيجة بحث مباشر عن إعلان الاستقلال، فقد كان المتطوع مايكل سكور يعمل على فهرسة أوراق قباطنة البحرية الملكية البريطانية من فترة الثورة الأميركية، ضمن مشروع مرتبط بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، عندما لفتت انتباهه ورقة مطوية بين مراسلات الكابتن توماس فيتزهربرت، قائد سفينة رايزونابل.
كانت المراسلات تشير إلى أوراق صودرت من سفينة دالتون. وما بدا أنه جزءاً من ملف بحري عادي، تبيّن بعد الفحص أنه نسخة نادرة من إعلان الاستقلال، طُبعت بعد أيام قليلة من إعلان الانفصال عن بريطانيا.
تبرز أهمية الاكتشاف في أن الوثيقة تكشف جانباً من طريقة تداول الأخبار السياسية في زمن الثورة، فكان الإعلان مجرد وثيقة تُنقل وتوزّع على نطاق واسع لتثبيت فكرة الدولة الجديدة وكسب التأييد لها.
أخضع الأرشيف الوطني البريطاني الوثيقة لفحوص علمية دقيقة، شملت التصوير بالضوء المائل، والتصوير بالضوء النافذ، والفحص المجهري. وأظهرت صور الضوء المائل شبكة الطيات الأصلية في الورقة، ما يشير إلى أنها طُويت وحُملت في سياق عملي. وأظهرت صور الضوء النافذ الخطوط المميزة للورق اليدوي، في حين كشف الفحص المجهري وجود ألياف زرقاء داخل بنية الورق، وهي سمة ترتبط غالباً بالورق المصنوع من الخِرق والمنسوجات المعاد تدويرها. ورصد الفحص أيضاً شظايا صفراء وخشبية، قد تشير إلى استخدام مواد نباتية في صناعة الورق.
وبحسب الأرشيف، توحي هذه النتائج بأن الورقة كانت أقل جودة من بعض نسخ دنلاب الشهيرة التي طُبعت في فيلادلفيا ليلة الرابع من يوليو. ويعكس ذلك الظروف الاقتصادية والمادية الصعبة في نيو إنغلاند خلال سبعينيات القرن الثامن عشر، وكذلك الغرض العملي من هذه النسخ، التي كانت مخصصة للتوزيع السريع لا للحفظ الفاخر.
يأتي الإعلان عن الاكتشاف قبل الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، وفي وقت افتتح فيه الأرشيف الوطني البريطاني معرض Revolution 250: America’s Independence Story 1763-1783، الذي يستعيد التحولات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي سبقت نشوء الولايات المتحدة. ويضم المعرض وثائق أصلية وخرائط ومراسلات وشهادات من ضفتي الأطلسي، بينها نسخة أصلية نادرة من طبعة دنلاب لإعلان الاستقلال. ومن المقرر عرض النسخة المكتشفة حديثاً ضمن المعرض في الأسابيع المقبلة، بعد استكمال إجراءات الفحص والحفظ.
تمنح هذه النسخة الجديدة بعداً مختلفاً لسردية إعلان الاستقلال، إذ تضع الوثيقة داخل سياق الحرب البحرية بين المستعمرات الأميركية وبريطانيا؛ فهي تُظهر كيف تحركت أخبار الثورة عبر السفن والموانئ، وكيف تحولت وثيقة سياسية إلى مادة مصادرة ضمن ملفات البحرية البريطانية.
وبعد نحو 250 عاماً، تخرج الورقة من تصنيفها القديم بوصفها "وثيقة أخرى"، لتستعيد مكانتها واحدةً من النسخ النادرة لإعلان استقلال الولايات المتحدة. والمفارقة أن الوثيقة التي أعلنت الانفصال عن بريطانيا بقيت محفوظة، طوال هذه المدة، في أرشيف الدولة التي خاضت ضدها المستعمرات الأميركية حرب الاستقلال.