استمع إلى الملخص
- يعتمد الإعلام العالمي على الصحافيين الفلسطينيين الذين يعملون في ظروف صعبة، ورغم شجاعتهم، تواجه روايتهم تشكيكاً في بعض المؤسسات الغربية، مما يزيد من ضبابية الصورة لدى الرأي العام الدولي.
- تتصاعد المطالبات الدولية بالسماح للصحافيين بالدخول إلى غزة، حيث أن منع التغطية المستقلة يهدف إلى حجب الحقيقة، والمحكمة العليا الإسرائيلية تؤجل البت في الطعون المقدمة ضد الحظر.
لا تزال سلطات الاحتلال الإسرائيلي تفرض حظراً شاملاً على دخول الصحافيين الأجانب إلى قطاع غزة بعد أكثر من عامين على الإبادة وما رافقها من دمار واسع، وحتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي. ويُعدّ هذا الحظر، الذي ما زال قائماً بلا أي مؤشرات على رفعه، خطوة غير مسبوقة تنتهك بصورة صارخة حرية العمل الصحافي وتقيّد بشدة إمكان الوصول المستقل إلى المعلومات.
جعل هذا المنع المستمر من غزة واحدةً من أكثر المناطق عزلةً إعلامياً في العالم، في وقت يواجه فيه الفلسطينيون أوضاعاً إنسانية كارثية، وسط اتهامات نننننننن دولية لإسرائيل بارتكاب إبادة جماعية وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. وأدى غياب الصحافة الدولية إلى اعتماد وسائل الإعلام العالمية بشكل كامل تقريباً على الصحافيين الفلسطينيين الذين يعملون في ظروف استثنائية تحت القصف والنزوح وانهيار البنى التحتية. ورغم شجاعة هؤلاء الصحافيين ومهنيّتهم العالية، فإن روايتهم لا تزال تُقابَل بالتشكيك في بعض المؤسسات الغربية، الأمر الذي يعمّق أثر الحصار الإعلامي ويزيد من ضبابية الصورة لدى الرأي العام الدولي.
ومع تكرار تأجيل المحكمة العليا الإسرائيلية البتّ في الطعون المقدّمة ضد الحظر، تتصاعد المطالبات الدولية بضرورة السماح الفوري للصحافيين بالدخول إلى القطاع، باعتبار أن استمرار منع التغطية المستقلة يهدف إلى التحكم بالرواية ومنع توثيق آثار العدوان وما خلّفه من دمار غير مسبوق.
السيطرة على الرواية
يقول الصحافي الفرنسي يانيس محامدي، المحرّر في صحيفة بلاست، إن رغبته في الوصول إلى غزة كانت دافعاً أساسياً لعمله خلال السنوات الماضية. ويضيف محامدي في حديثه لـ"العربي الجديد": "أفكّر دائماً بالذهاب إلى غزة لتوثيق الإبادة الجماعية وإدراك حجمها. حاولت الوصول على متن السفينة مادلين التي حاولت كسر الحصار، لكن الجيش الإسرائيلي اعترضها وقضيت أسبوعاً في الحجز في إسرائيل". ويؤكد أن منع دخول الصحافيين الأجانب سياسة مقصودة وليست قراراً عابراً، تهدف إلى التحكم بالرواية الموجّهة للغرب. ويشير إلى أن هذا المنع مستمر رغم توصيف الأمم المتحدة لما يجري بأنه إبادة جماعية ومجاعة منظمة، فيما تواصل إسرائيل إنكار الوقائع وبث الشكوك في أوساط الجمهور الغربي. ويشدد على الدور الاستثنائي للصحافيين الفلسطينيين: "رغم الشجاعة الهائلة التي يبديها الصحافيون الفلسطينيون، لا يُعامَل كلامهم باعتباره جديراً بالثقة، وهذا خطأ. تستغل إسرائيل ذلك لتتهمهم بالتواطؤ، مع أن أكثر من 250 صحافياً قُتلوا أثناء توثيقهم للفظائع". ويتابع: "نشرتُ العديد من التقارير عن غزة، ونعمل مع صحافي محلي يزوّدنا بالصور باستمرار. كما أنتجت فيلماً وثائقياً عن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو يكشف أكاذيبه ورغبته في استعمار كامل فلسطين. واستضفنا خبراء لتحليل ما يحدث، وهو ما عرّضنا لاتهامات بمعاداة السامية من مؤيدي إسرائيل". ويشير محامدي إلى التحديات التقنية الهائلة: "نواجه صعوبات كبيرة في الحصول على المعلومات بسبب انقطاع الاتصالات. في صحيفة بلاست قضينا أياماً بلا أخبار من مراسلنا داخل غزة، وكنّا نخشى الأسوأ". ويضيف: "أنتظر رفع الحظر لأدخل غزة فوراً، للكشف عن حجم الإبادة الجماعية، والذهاب مع فرق البحث عن القتلى المدفونين تحت الأنقاض. الجميع يعلم أن رقم 70 ألف قتيل، المعلن من قبل وزارة الصحة، أقل بكثير من الحقيقة". ويتوقع محامدي استمرار الحظر، إذ "طالما يمكن إثبات الإبادة ومسؤولية إسرائيل، سيكون من المستحيل الذهاب إلى هناك. ستواصل إسرائيل منعنا من الدخول".
صعوبات التغطية في غزة
الصحافية الفرنسية المستقلة المقيمة في باريس، عايدة ديلبوش، تصف قرار المنع بأنه انتهاك غير مسبوق. وتقول لـ"العربي الجديد": "أُغطي الوضع في غزة منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023. كثيراً ما فكرت في الذهاب، رغم معرفتي بأن الأمر مستحيل للصحافيين الأجانب. ولو كان ممكناً، لذهبت بالتأكيد". وتضيف ديلبوش: "قرار إسرائيل بعدم السماح للصحافة الأجنبية بالدخول فاضح وغير مسبوق ومخالف لمبادئ القانون الدولي". وتشرح حجم التحديات المهنية: "منذ بدأت عملي الصحافي، لم أواجه صعوبة مثل تغطية غزة. في السنة الأولى من الإبادة، كان التحقق من معلومة بسيطة يستغرق أسابيع. اعتمدت بالكامل على مهنية الصحافيين المحليين وشجاعتهم". وتتابع: "كان التواصل مع الناس داخل غزة من أعقد المهام. غالباً لا تعمل الشبكات، وكان كثيرون يكافحون للبقاء على قيد الحياة. كنت، بمجرد الاتصال بشخص ما، أتابع أخباره وأشعر بالرعب من إمكانية أن يقتل". وتشير إلى صعوبة جمع الأدلة الخاصة باستهداف الصحافيين، لأن "الكثير من الأدلة التي كانت ستفيد التحقيقات محيت أو فُقدت بسبب القصف والنزوح". وتؤكد أنه "إذا رُفع الحظر، سأذهب فوراً. أول شيء سأفعله هو لقاء الأشخاص الذين تواصلت معهم طوال السنوات الماضية. نحن بشر قبل أي شيء آخر". وتختم موجهة كلامها للفلسطينيين في غزة: "أريدهم أن يعرفوا أنهم ليسوا وحدهم. ملايين الأشخاص حول العالم يتضامنون معهم. وقف إطلاق النار لا يعني نهاية الإبادة أو القمع. بصفتي صحافية، وإنسانة، لن أتوقف عن الحديث عن غزة".
حجب الحقيقة
من جانبه، يؤكد مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، أن استمرار منع الصحافة الدولية متعمد يهدف إلى حجب الحقيقة ومنع العالم من مشاهدة الجرائم والانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين. ويقول لـ"العربي الجديد": "إسرائيل تدرك أن وجود الصحافة الحرة سيكشف حجم الدمار وأنماط الاستهداف ووقائع الإبادة الجماعية، وسيُسقط الرواية التي تروّجها عالمياً". ويشير إلى أن المنع يمثل انتهاكاً واضحاً لحرية العمل الصحافي التي تكفلها المواثيق الدولية، وعلى رأسها المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ويضيف: "الاحتلال يخشى دخول الصحافيين لأن الواقع أقوى من دعايته. وجود صحافة مهنية سيؤدي إلى تفكيك روايته أمام العالم، وتوثيق جرائم الحرب والقصف العشوائي واستهداف المدنيين والمستشفيات والملاجئ". ويشدد على أن ما تخشاه إسرائيل حقاً هو "المشهد الإنساني الذي لا يمكن تزييفه: الأحياء المدمرة، والمقابر الجماعية، والأطفال الذين يعانون الجوع، والعائلات التي أُبيدت بالكامل. الحقيقة تفضحها وتؤسس لمسار محاسبة لا تستطيع الهروب منه".
وفي السياق نفسه، عبّرت رابطة الصحافة الأجنبية في القدس، أمس الخميس، عن "معارضتها الشديدة" لقرار المحكمة العليا الإسرائيلية تأجيل ردّها مجدداً على طلب السماح لوسائل الإعلام بالدخول بشكل مستقل إلى قطاع غزة. قدّمت الرابطة التماساً منذ أكثر من عام تطالب فيه بالسماح بدخول غزة. وفي 24 نوفمبر/تشرين الثاني، منحت المحكمة العليا الحكومة مهلة جديدة مدتها عشرة أيام للرد على الطلب، لكنها عادت الخميس لتُمدّد المهلة حتى 21 ديسمبر/كانون الأول الحالي، مانحة السلطات الإسرائيلية وقتاً إضافياً لتقديم خطة تتيح للإعلام الأجنبي دخول القطاع. وقالت الرابطة، في بيان، إن "هذا طلب عاجل. إن منع التغطية المستمر ــ كل دقيقة، كل ساعة، وكل يوم ــ يقوّض بشكل خطير قدرة وسائل الإعلام الدولية على أداء رسالتها، ويمسّ الحقوق الأساسية للمليارات من مستخدميها". وأشارت إلى أنّ هذه هي المرة التاسعة التي توافق فيها المحكمة على منح تمديد جديد، معتبرة أنّه "من الواضح أنّ هدف الدولة هو تأخير ردّها قدر الإمكان".