تواصل إسرائيل التصويب على هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، على خلفية انزعاجها المتزايد من تغطيتها للعدوان على قطاع غزة، في سياق أوسع من الضغوط والاتهامات المتكررة التي توجّهها تل أبيب إلى وسائل إعلام دولية بدعوى "الانحياز" وغياب الحياد. وفي أحدث فصول هذا التوتر، دخلت "بي بي سي" في سجال علني مع السفارة الإسرائيلية في لندن، بعدما اتهمتها الأخيرة بالتركيز المفرط على غزة مقابل "تجاهل" الاحتجاجات في إيران.
وقال المتحدث الرسمي باسم السفارة الإسرائيلية، أليكس غاندلر، في منشور على منصة إكس أمس الجمعة، إن نشرات أخبار "بي بي سي" التزمت "صمتاً شبه تام" حيال التظاهرات في طهران، واستنكر ما قال إنه "تركيز على مسرح لصراع واحد مقابل تجاهل النظام الذي يزعزع استقرار المنطقة بأكملها".
وردّت "بي بي سي" على هذه الاتهامات، ووصفتها بأنها "غير صحيحة"، مؤكدة أنها تقدم تغطية يومية للاحتجاجات في إيران عبر قنواتها التلفزيونية وموقعها الإلكتروني.
وجاءت تصريحات غاندلر رداً على ما قاله المراسل المخضرم جون سيمبسون الذي أشار إلى صعوبة إدخال مراسلين أجانب إلى إيران لتغطية الأحداث. غير أن المتحدث باسم السفارة الإسرائيلية اعتبر هذا التبرير "غير مقنع"، قائلاً إن حجم تغطية الهيئة البريطانية للعدوان على غزة "يفوق بكثير" ما تخصصه لحروب وأزمات إنسانية أخرى حول العالم. وأضاف غاندلر: "الصمت شبه الكامل حيال إيران لافت. لا يمكن لمؤسسة تدّعي الحياد العالمي أن تنشغل بمسرح صراع واحد وتتجاهل إلى حد كبير نظاماً يزعزع استقرار المنطقة بأكملها".
في المقابل، نشرت وحدة الأخبار في "بي بي سي"، عبر حسابها على "إكس"، روابط لتقارير تلفزيونية ومقالات رقمية عن الاحتجاجات في إيران، إضافة إلى لقطات لمراسليها على الهواء.
ويأتي هذا الخلاف في سياق انتقادات متبادلة أوسع، إذ تواجه "بي بي سي" منذ سنوات اتهامات متناقضة بشأن تغطيتها لإيران. ففي حين يتهمها منتقدون داخل إيران بأنها قريبة من خطاب السلطة، إلى حد إطلاق وصف "بي بي سي آية الله" عليها، تؤكد الهيئة أن مراسليها وأفراداً من عائلاتهم تعرضوا للملاحقة والاضطهاد بسبب نقلهم "الحقيقة" عن سياسات النظام.
ومنذ بدء إسرائيل حرب الإبادة على الفلسطينيين في قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، كثّفت إسرائيل انتقاداتها لتغطية "بي بي سي". وخلال الفترة نفسها، واجهت هيئة الإذاعة البريطانية اتهامات متكرّرة بالتحيّز ضد الفلسطينيين، ونُظم أكثر من احتجاج أمام مقرها، كما تحدث موظفون فيها عن تعرضهم لمضايقات لتعاطفهم مع الفلسطينيين. وطالب أكثر من 400 صحافي وفنان وشخصية إعلامية بارزة، من بينهم ميريام مارغوليس وأليكسي سايل وجولييت ستيفنسون ومايك لي، إدارة "بي بي سي" بإقالة عضو مجلس إدارتها روبي غيب، على خلفية اتهامات بتضارب مصالح في ما يتعلق بتغطية الشؤون الفلسطينية. واتهم الموقّعون "بي بي سي" بأنها "مشلولة بسبب الخوف من أن تُتهم بانتقاد الحكومة الإسرائيلية"، وأشاروا إلى "الطريقة غير المتسقة لتطبيق الإرشادات التحريرية"، مُسلّطين الضوء على دور روبي غيب، بصفته عضواً في مجلس الإدارة ولجنة معايير التحرير.
وفي سياق متصل، أعلنت "بي بي سي"، الجمعة، توصلها إلى تسوية مع عائلة إسرائيلية ستدفع لها بموجبها 28 ألف جنيه إسترليني، بعد تصوير طاقم إخباري منزلها المدمّر من دون إذن، في تقرير شارك فيه كبير المراسلين جيريمي بوين، بعد عملية "طوفان الأقصى" التي نفذها المقاومون الفلسطينيين في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.