إسبانيا والمنصات الرقمية: حماية القاصرين أم رقابة مطلقة؟

10 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 00:12 (توقيت القدس)
قد يمنح الحظر شعوراً زائفاً بالأمان، برشلونة 2015 (جان-إيريك باسكييه/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أظهرت دراسة من جامعة برشلونة أن 91% من الأطفال والمراهقين في إسبانيا يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي بانتظام، مع انتشار واسع للهواتف الذكية بينهم.
- أعلنت الحكومة الإسبانية عن إجراءات للحد من وصول القاصرين إلى منصات التواصل الاجتماعي، تشمل حظر استخدامها لمن هم دون 16 عامًا، وتحميل الشركات مسؤولية التحقق من العمر.
- رغم التأييد لبعض الأسر، يشكك خبراء في فعالية هذه التدابير، مؤكدين على أهمية برامج تعليمية للوعي الرقمي لتحقيق استخدام آمن ومسؤول للإنترنت.

في الحوارات اليومية الإسبانية، يتكرّر سؤالٌ واحدٌ بين الآباء والأمهات والأقرباء والأصدقاء: كم من الوقت يقضيه ابني أو ابنتي أمام الشاشة؟ لم يعد هذا السؤال قلقاً فردياً، لقد صار انعكاساً لقلقٍ مجتمعي عميق حول تأثير الفضاء الرقمي على الأبناء منذ سن مبكرة.

في دراسة أعدّتها جامعة برشلونة ونُشرت بياناتها مطلع العام الحالي، تبيّن أن نحو 91% من الأطفال والمراهقين بين الثامنة و17 عاماً في إسبانيا، يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي بانتظام، مع أوقات استخدام قد تتجاوز ثلاث ساعات يومياً في أيام الأسبوع، وتصل إلى أكثر من خمس ساعات في عطلات نهاية الأسبوع.

كشفت الدراسة أنَّ أغلب هؤلاء المستخدمين يحصلون على الإنترنت عبر هواتفهم المحمولة، وهي أداة أساسية في تواصلهم اليومي. أما في ما يتعلق بالهواتف الذكية، فبحسب معطيات الدراسة، فإن نحو 70% من المراهقين يمتلكون أجهزة ذكية صالحة للاستخدام الرقمي، وتزداد هذه النسبة مع التقدّم في العمر حتى تكاد تبلغ 99% في الفئة العمرية 16 عاماً وما فوق، ما يعكس انتشاراً شبه كامل لهذه التكنولوجيا بين هذه الفئة العمرية.

وفي ما يخص الأنماط التفصيلية، أظهرت الدراسة أن 35% من المراهقين الإسبان يقضون أكثر من ساعة ونصف ساعة يومياً على منصة واحدة فقط، مثل "تيك توك" أو "إنستغرام" أو "إكس"، إذ تكون المحتويات الترفيهية والموسيقى والاتجاهات الشعبية هي الأكثر جذباً لهم.

تشير الدراسة التي استندت إلى تقارير تربوية ونفسية إسبانية، إلى أن القلق لا يقتصر على شبكات التواصل الاجتماعي وحدها، بل يمتد إلى سهولة وصول القاصرين إلى محتويات غير ملائمة لأعمارهم، بما في ذلك المواد الإباحية، عبر الهواتف الذكية ومن دون رقابة فعلية. هذه المواد، وفقاً لباحثين في علم النفس التربوي، تؤثّر في بناء التصورات العاطفية والجسدية لدى المراهقين، وتشوّه فهمهم للعلاقات الإنسانية في مرحلة حساسة من تشكّل الهوية.

هذا الواقع الرقمي المكثّف لدى المراهقين، الموثّق بمعطيات علمية وإحصاءات ميدانية، شكّل عامل ضغط متزايد على صُناع القرار في مدريد، إلى حدِّ اعتباره تهديداً مجتمعياً يتطلّب رداً تشريعياً وتنظيمياً حازماً، ما دفع الحكومة الإسبانية إلى إعلان حزمة إجراءات طموحة للحد من وصول القاصرين إلى منصات التواصل الاجتماعي، وفرض رقابة أكثر فاعلية على بيئتهم الرقمية. يستند هذا المشروع إلى خمسة محاور أساسية أعلنها رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، وهي:

حظر وصول من هم دون 16 عاماً إلى شبكات التواصل الاجتماعي، مع تحميل المنصات الرقمية مسؤولية تطبيق أنظمة فعّالة للتحقق من العمر؛ وإلزام الشركات التكنولوجية بآليات تحقق صارمة، قد تشمل وسائل رقمية متقدمة، مع عقوبات مالية كبيرة في حال الإخلال؛ وتحميل المديرين التنفيذيين مسؤولية قانونية مباشرة عن المحتوى غير القانوني، بما في ذلك خطاب الكراهية والعنف والتحريض؛ وتجريم التلاعب بالخوارزميات التي تساهم في تضخيم المحتوى الضار أو المضلل، إضافة إلى تعزيز التنسيق مع النيابة العامة للتحقيق في الجرائم الرقمية، بما فيها تلك المرتبطة بأدوات الذكاء الاصطناعي.

الأدلة المتاحة حتى الآن لا تُثبت، بحسم، أن هذا الحظر سيحسن الصحة النفسية للمراهقين

يشير مختصون في القانون الرقمي إلى أن جزءاً من هذه التدابير موجود نظرياً في التشريعات الأوروبية، لكن الجديد يكمن في تشديد العقوبات ونقل عبء التطبيق من الأسرة إلى المنصات نفسها، ما يفتح نقاشاً حول قابلية التنفيذ الفعلي لهذه الالتزامات التقنية.

تأتي هذه الخطوة الإسبانية في سياق أوروبي آخذ في التشدّد تجاه حضور القاصرين على منصات التواصل الاجتماعي. ففي أكثر من دولة غربية، لم يعد النقاش محصوراً في التوعية أو التحذير، إذ انتقل إلى البحث عن أدوات قانونية تُعيد إلى الدولة دورها في حماية الفئات الأصغر سناً داخل الفضاء الرقمي.

في فرنسا، فُرضت موافقة الأهل على استخدام وسائل التواصل لمن هم دون الـ15، مع تحميل المنصات مسؤولية التحقق من العمر. بريطانيا، بدورها، اختارت طريقاً مختلفاً، فوسّعت دائرة المساءلة القانونية ورفعت سقف الغرامات، من دون الذهاب إلى حظر شامل. وفيما ركّزت اليونان على حماية بيانات القاصرين وتعزيز دور الأسرة، مضت أستراليا نحو خيارات أكثر صرامة، مع بحث حظر فعلي لمن هم دون السادسة عشرة.

على مستوى الاتحاد الأوروبي، يشكّل قانون الخدمات الرقمية (DSA) الإطار المرجعي الأساسي لتنظيم عمل المنصات الكبرى، بما في ذلك حماية القاصرين، والحد من المحتوى الضار، وفرض التزامات تتعلق بتصميم الخوارزميات وآليات التوصية. غير أن القانون يترك هامشاً للدول الأعضاء في كيفية التطبيق، ما فتح الباب أمام مبادرات وطنية متفاوتة في الصرامة والطموح.

خلال العامين الأخيرين، تكثفت اللقاءات بين وزارات الرقمنة والعدل في عدد من الدول الأوروبية لبحث توحيد معايير التحقق من العمر، وسط تباين واضح في المواقف بين دول تدفع نحو تشديد واسع، وأخرى تتحفظ خشية المساس بالحريات الرقمية أو الخصوصية الفردية.

منذ إعلان نية الحكومة تقييد وصول القاصرين إلى شبكات التواصل، تصاعدت موجة انتقادات وجّهها خبراء قانونيون وباحثون في الصحة النفسية ومنظمات حقوقية. لا تنطلق هذه الانتقادات من رفض مبدأ الحماية بحد ذاته، إنما من القلق إزاء الأدوات المقترحة لتحقيقه.

في مقدمة هذه المخاوف، مسألة التحقق من العمر وربط استخدام المنصات بأنظمة تعريف رقمية قد تصل إلى مستويات بيومترية، بما يعنيه ذلك من توسيع غير مسبوق لرقعة المراقبة الرقمية. حذّرت مراكز بحث إسبانية من أن تقنيات تقدير العمر، مثل تحليل ملامح الوجه أو ربط الحسابات بوثائق رسمية، قد تؤدي إلى تخزين بيانات حساسة، في وقت لا يزال فيه سجل المنصات الكبرى في حماية البيانات موضع تشكيك.

في المقابل، لم تُخفِ شركات التكنولوجيا الكبرى امتعاضها من التوجه الإسباني، محذّرة من تحميلها مسؤوليات قانونية يصعب ضبطها عملياً، ومن خلق تباين تشريعي داخل السوق الأوروبية. شخصيات بارزة في القطاع التقني، من بينها إيلون ماسك وبافيل دوروف، دخلت في مواجهة علنية مع الحكومة الإسبانية بسبب مشروع حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عاماً، ورفضوا ما وصفوه بمحاولات "تدجين الإنترنت" وفرض "رقابة صارمة على المستخدمين"، في مشهد عكس صراعاً أوسع بين السياسات الرقمية الوطنية والنفوذ العالمي للشركات التقنية الكبرى.

في حديثه إلى "العربي الجديد"، يقول أستاذ علم النفس التجريبي بجامعة غرناطة، خوسيه بيراليس، إن قرار الحكومة بوضع سنّ 16 عاماً حدّاً أدنى لاستخدام الشبكات الاجتماعية هو إجراء سياسي قائم على أدلة علمية قاطعة، وإن "الأدلة المتاحة حتى الآن لا تُثبت، بحسم، أن هذا الحظر سيحسن الصحة النفسية للمراهقين". وفقاً لبيراليس، تحديد السن بهذه الطريقة هو "خيار محافظ لكنه لا يحظى بإجماع حول أثره الواقعي"، ما يضيف بعداً نقدياً إلى النقاش العام حول جدوى الحظر.

ينسجم هذا التحفّظ العلمي مع موقف عالم النفس المتخصص بالأطفال، أندريس مونتيرو، الذي قال في حديث هاتفي مع "العربي الجديد" إن "الحظر قد يجذب أكثر. وقد يمنح في الوقت نفسه شعوراً زائفاً بالأمان إذا لم يصاحبه تطوير آليات تحقق عمرية فعّالة، وتوسيع برامج التربية الرقمية والدعم النفسي للمراهقين".

أما في ما يخص الأسر الإسبانية، فكثير من الأهالي رحّبوا بالإجراءات الحكومية؛ إذ رأوا أن الحدّ من الوقت المفرط أمام الشاشات والحماية من المحتوى الضار خطوة ضرورية للحفاظ على الصحة النفسية لأبنائهم. وفقاً لتقرير نشرته صحيفة الباييس، عبّر نحو 62% من الأسر عن تأييدها لفكرة وضع سنّ حدّ أدنى لاستخدام شبكات التواصل، مع تأكيد أن الرقابة الأسرية ضرورية إلى جانب الحظر القانوني. لكن المدارس وجمعيات أولياء الأمور حذّرت من أن الحظر وحده لا يكفي. 

تقول رئيسية جمعية آمبا مدريد للآباء والأمهات لـ"العربي الجديد" إن الخطوة قد "تكون مفيدة إذا اقترنت ببرامج تعليمية للوعي الرقمي، وتوجيه الشباب حول الاستخدام الآمن للإنترنت"، مؤكدة أن "تدريب المراهقين على التفاعل مع الشبكات بمسؤولية أهم من الحظر الصارم وحده".

في المقابل، عبّرت جمعيات تربوية في الإعلام الإٍسباني عن خشيتها من أن يتحول الإجراء إلى أداة إقصاء، خصوصاً للفئات التي تعتمد على الفضاء الرقمي مساحةً للتعبير والتواصل المدرسي، أو التي تعيش في بيئات اجتماعية هشة.

في ظل هذا التشدد التشريعي المتصاعد داخل إسبانيا وأوروبا، وبين شاشة لا تفارق يد مراهق، وقلق لا يغادر قلب أب أو أم، تحاول الدول الأوروبية رسم حدود جديدة لعالم رقمي يتوسّع كل يوم. لكن يبقى السؤال معلقاً: هل تستطيع القوانين وحدها حماية الصغار، أم أن التوازن بين الحرية والرقابة سيظل اختباراً مفتوحاً في زمن صار فيه "تيك توك" و"إنستغرام" جزءاً من الحياة اليومية؟