استمع إلى الملخص
- صحيفة "ميامي هيرالد" وحركة "مي تو" ساهمتا في إعادة فتح ملف إبستين وكشف اتفاق "عدم الملاحقة" عام 2008، مما أجبر الإعلام على متابعة التحقيقات وكشف التواطؤ بين النيابة وإبستين.
- كشفت وثائق عن علاقات إبستين بشخصيات إعلامية مرموقة، تضمنت ترهيباً وإغراءات، مما ساهم في تجاهل جرائمه السابقة.
يعود اسم الملياردير جيفري إبستين (1953 ــ 2019) اليوم إلى الصفحات الأولى ونشرات الأخبار، بعدما انفجرت فضيحة استغلاله الجنسي لمراهقات وفتيات قاصرات عام 2019. وبينما ينشغل الإعلام العالمي بتسريب أسماء ولوائح تربط إبستين بسياسيين واقتصاديين حول العالم، نادراً ما يُسلَّط الضوء على فشل الإعلام الأميركي، مهنياً وأخلاقياً، منذ مطلع الألفية الجديدة حتى اليوم، في كشف حقيقة الرجل وجرائمه، بالرغم من الإشارات والأدلّة التي ظلّت تُهمل لسنوات.
عام 2003، نشرت مجلة "فانيتي فير" الأميركية بورتريه عن إبستين بعنوان "السيّد إبستين الموهوب"، ركّز على حياته الباذخة، ويخته وطائرته الخاصة، وشبكة علاقاته مع بيل كلينتون، والأمير أندرو، ونجوم هوليوود. لكن ما غاب عن النص كان أهمّ مما ورد فيه: شهادات الأختين ماريا وآني فارمر حول اعتداءات جنسية مزعومة تعرّضتا لها على يد إبستين في مزرعة بأوهايو ومنزله في نيو مكسيكو. لاحقاً كشفت كاتبة البورتريه، فيكي وورد، أن فقرات الاعتداء حُذفت في اللحظة الأخيرة، بفعل ضغوط مارسها إبستين، إضافة إلى خوف قانوني و"تحريري" داخل المجلة.
عند النظر اليوم إلى حجم جرائم إبستين وعدد ضحاياه، يبدو حذف تلك الفقرات أبعد بكثير من كونه خلافاً مهنياً بين وورد ورئيس تحريرها السابق غرايدن كارتر؛ إنه نموذج مبكر لطريقة تعامل الإعلام مع متحرّش نافذ: بعض التلميحات عن "الغرابة" و"الحياة الليلية"، من دون تسمية الجريمة باسمها. وفي 2011، بعد أن أمضى إبستين حكماً مخففاً في فلوريدا وعاد إلى حياته الاجتماعية، نشرت وورد تدوينة جديدة في "فانيتي فير" تنزلق إلى السخرية الخفيفة، تصف فيها سلوكه تجاه "الفتيات" بأنه "نزوات جنسية"، وتشيد بذكاء شريكته غيلين ماكسويل وحضورها الاجتماعي.
في المقابل، جاءت نقطة التحوّل من مكان متواضع نسبياً في هرم الإعلام الأميركي: صحيفة "ميامي هيرالد". بين 2017 و2018، نشرت الصحافية، جوليا كاي براون، سلسلة تحقيقات بعنوان "انحراف العدالة"، أعادت فتح ملف إبستين، وتتبّعت أكثر من ستين ناجية، وشرحت بالتفصيل كيف حصل على اتفاق "عدم الملاحقة" السري عام 2008 من المدّعي الفيدرالي ألكسندر أكوستا، وهو الاتفاق الذي جنّبه التهم الفيدرالية، ومنح الحصانة لمتواطئين آخرين.
براون لم تكشف فجأة ما لم يكن معروفاً؛ فالكثير من القصة كان موجوداً في وثائق علنية ودعاوى مدنية قُدّمت بين 2015 و2017، لكنها لم تجد آذاناً صاغية. كما قال أحد محامي الناجيات: يفترض بالإعلام أن يكشف المشكلات قبل أن تصل إلى مرحلة الاتهام، لا أن ينتظر النيابة العامة كي "تسمح" له بالحديث عنها.
ما الذي تغيّر؟ لعبت حركة "مي تو" دوراً أساسياً في إعادة تعريف ما يُعدّ خبراً، وفي إجبار غرف الأخبار على التعامل مع العنف الجنسي بوصفه قضية بنيوية لا "فضيحة" عابرة. فجأة بات ممكناً النظر إلى صفقة أكوستا مع إبستين كما هي: تواطؤ بين النيابة ورجل نافذ، لا تسوية قانونية غامضة. ومع هذا التحوّل، اضطرت كبريات الصحف والقنوات إلى اللحاق بالتحقيق المحلي بدلاً من قيادته.
لا تتوقّف قصّة الإعلام مع إبستين عند التقاعس أو الخوف. ففي 2025، كشفت لجنة الرقابة في مجلس النواب الأميركي آلاف الصفحات من رسائل إبستين الإلكترونية، بينها مراسلات مع شخصيات إعلامية مرموقة مثل الكاتب مايكل وولف، صاحب الكتب الأكثر مبيعاً عن عهد ترامب، والصحافي السابق في "نيويورك تايمز" لاندون توماس جونيور.
تُظهر الرسائل علاقة تتجاوز إطار "المصدر" و"الصحافي" إلى شبكة مصالح متبادلة. وولف، مثلاً، يخبر إبستين عام 2015 بأن "سي أن أن" قد تسأل ترامب عن علاقته به في إحدى المناظرات، ويقترح عليه استراتيجية للاستفادة من إنكار ترامب: "دعْه يشنق نفسه. إذا نفى معرفته بك، يصبح هذا رأس مال إعلامي بين يديك". وفي مراسلات أخرى، يناقش معه كيفية إدارة معركته ضد التغطية الصحافية، والبحث عن منصة "متعاطفة" تمنحه مخرجاً إعلامياً.
أما لاندون توماس، الذي كتب عام 2008 تقريراً "لطيفاً" عن إبستين في "نيويورك تايمز"، فيظهر في الرسائل وهو يطلب من إبستين تبرعاً بقيمة 30 ألف دولار لمركز ثقافي في هارلم، وينقل له تسريبات عن صحافيين آخرين يعملون على كتب وتحقيقات عنه، بل ويعرض عليه صوراً محتملة لترامب مع "فتيات بالبكيني" في مطبخ إبستين. وفي 2019، أقرّت "تايمز" بأن طلب التبرع هذا خرقٌ صارخ لسياساتها الأخلاقية.
الوثائق التي رصدت علاقة إبستين بالصحافة تكشف أيضاً تفاصيل تكاد تبدو من أفلام الجريمة: رصاصة تُترك أمام منزل رئيس تحرير "فانيتي فير"، رأس قطّة مقطوعة على عتبة بيته الريفي، ومكالمات تهديد مبطّنة عن قدرة إبستين على تدمير مستقبل صحافية، أو "نقلها إلى صفحة الوفيات" إن واصلت البحث في ملفاته.
إلى جانب الترهيب، كان هناك الإغراء: دعوات إلى عشاء مع الأمير أندرو، مقاعد في حفلات النخبة، ووعود بمصادر ومعلومات من قلب عالم المليارديرات. الكثير من الوسائل الإعلامية الكبرى رحّبت بعودة إبستين إلى مشهد النخبة بعد 2008، كما لو أن 13 شهراً في سجن مريح أنهت القصة، أو جعلتها قديمة وغير جديرة بالتغطية.