استمع إلى الملخص
- تاريخيًا، كانت النساء في الاستخبارات البريطانية مهمشات، لكن السرديات الثقافية بدأت في استعادة وجوه نسائية نُسيت، مثل كاثلين بيتيغرو، مما يبرز إسهاماتهن.
- رغم التحولات المؤسسية، لا تزال بعض التحيزات قائمة، لكن شجاعة أولغا غراي ساهمت في إعادة صياغة السياسات وفرص الترقّي في الاستخبارات.
قبل أن تُخلق شخصية جيمس بوند على الورق، كانت هناك امرأة حقيقية سبقت الخيال نفسه. عام 1945، كتب ماكسويل نايت، أحد أبرز رجال الاستخبارات الداخلية البريطانية (MI5)، أن النساء كنّ وراء كثير من أعظم عمليات التجسس في التاريخ، وكانت إحداها في لندن عام 1938، بطلتها سكرتيرة هادئة تدعى أولغا غراي، المرأة التي هزمت موسكو من دون أن تطلق رصاصة واحدة.
شهد قلب لندن في ثلاثينيات القرن الماضي ولادة قصة جاسوسة لم تكتبها هوليوود، بل وثّقها أرشيف الاستخبارات البريطانية نفسه. سكرتيرة أسقطت شبكة سوفييتية قبل أن تعرف السينما اسم جيمس بوند.
ليل يناير/كانون الثاني 1938، كان رجل يعبر شوارع العاصمة متجهاً إلى محطة تشارينغ كروس حاملاً في ذهنه مهمة دقيقة: استلام حزمة من أسرار الدفاع البريطانية من موظفٍ متمرّد في مصنع وولويتش آرسنال. كانت الخطة بسيطة وواضحة: نقل الوثائق إلى منزلٍ آمن، تصويرها، ثم تسليم النسخ إلى السوفييت.
لكن ما لم يكن يعلمه ذلك الرجل أن عيون الاستخبارات البريطانية كانت تراقبه في الظلّ، بفضل امرأة لم تشبه بطلات السينما، بل سكرتيرة صامتة تحمل اسماً رمزياً: الآنسة "إكس".
تشير وثائق الأرشيف الوطني البريطاني إلى أن بريطانيا، خلال فترة ما بين الحربين، كانت ترى في الشيوعية تهديدها الأكبر. في هذا المناخ المشحون، أعدّ ضابط الاستخبارات تشارلز هنري ماكسويل نايت، الذي يُعتقد أنه ألهم شخصية "إم" في روايات جيمس بوند، تقريراً عام 1945 شرح فيه كيف بدأت الاستخبارات الداخلية البريطانية باختراق المنظمات اليسارية من الداخل عبر عملاء مدنيين متخفّين.
كان نايت يؤمن بأن "التجسس استثمار طويل الأمد يتطلّب الصبر والثقة أكثر من المغامرة"، وأن أفضل الجواسيس هم أولئك الذين يبدون عاديين تماماً.
في زمنٍ كانت فيه المرأة تُحصر في دورها الأسري، دعا نايت إلى تجنيد النساء في العمل الاستخباري، معتبراً أن "حدس المرأة مدهش بدقّته وصوابه"، وأن الفطنة الأنثوية قادرة على الوصول إلى ما تعجز عنه الأساليب الخشنة.
ورغم أن عباراته تُقرأ اليوم بنَفَسٍ أبوي، فإن رؤيته شكّلت بدايةً جديدة لدور المرأة في الأمن البريطاني.
هكذا بدأت قصة أولغا غراي، ابنة مانشستر وموظفة الطباعة السابقة، التي تحوّلت إلى واحدة من أوائل الجاسوسات الحقيقيات في تاريخ الاستخبارات البريطانية.
بدأت عملها عام 1931 متخفّية في صفوف "أصدقاء روسيا السوفييتية"، ثم في الحزب الشيوعي البريطاني. وبهدوءٍ وصبر، تسلّلت إلى دوائر القيادة واقتربت من شخصيات مؤثرة، بينها هاري بوليت الأمين العام للحزب الشيوعي البريطاني، وبيرسي غليدنغ، أحد مؤسسي الحزب، دون أن يشكّ أحد في حقيقتها.
كانت أولغا تعيش حياة مزدوجة بين اجتماعات الحزب وتقارير المراقبة، بين آلة الطباعة في النهار والأسرار في الليل.
وفي عام 1937، طلب منها غليدنغ استئجار شقة في حي كنسينغتون لاجتماعات خاصة، على أن تُسجَّل باسمها. لكنها اكتشفت لاحقاً أن الشقة تُستخدم لتصوير وثائق دفاعية سرّية لصالح موسكو.
حين أدركت ذلك، أبلغت جهازها فوراً، فبدأت الملاحقة التي انتهت بإحباط واحدة من أخطر عمليات التجسس السوفييتية في لندن.
وفي مساء 21 يناير 1938، أُلقي القبض على غليدنغ في باحة محطة تشارينغ كروس متلبساً بتسلّم مخططات دفاعية من مهندس في المصنع الملكي للأسلحة.
مثلت أولغا أمام المحكمة شاهدة رئيسية من دون أن يُكشف اسمها. لكن مجلة تايم الأميركية ركّزت في تغطيتها على مظهرها أكثر من بطولتها، ووصفتها بأنها "شقراء نحيلة ترتدي الأسود بانسيابية أمام قاضٍ مذهول".
لم تُذكر شجاعتها ولا دهاؤها، بل قُدّمت للرأي العام على أنها "طُعم مغرٍ" استخدمته الحكومة، في صورة تختصر النظرة النمطية إلى المرأة حتى حين تكون منقذةً لوطنها.
حُكم على غليدنغ بالسجن ست سنوات، فيما حصلت أولغا على مكافأة رمزية، ثم غادرت إلى كندا باسمٍ جديد لتختفي عن الأضواء. وعلى الرغم من أن قصتها تصلح لفيلم بريطاني بامتياز، لم تتحوّل أولغا إلى بطلة ثقافية كما حدث مع جيمس بوند أو ماتا هاري.
قصة أولغا غراي ليست مجرد فصلٍ من حكايات التجسس، بل مرآةٌ لزمنٍ أعاد تعريف دور المرأة في الدولة. فالحدس الذي رآه ماكسويل نايت أداةً مساعدة، أثبت قدرته على إسقاط شبكةٍ سوفييتية كاملة.
ومن تلك اللحظة بدأت رحلة طويلة انتهت ببطلات الشاشة اللواتي جسّدن لاحقاً صورة الجاسوسة الحديثة، من الدراما البريطانية "قتل إيف" إلى المسلسل الأميركي "الخيول البطيئة". هناك، يقف الخيال امتداداً لواقعٍ صنعته نساء ظللن طويلاً بلا أسماء.
رغم أن أولغا غراي كانت من أوائل النساء اللواتي اقتحمن عالم الاستخبارات البريطانية، ظلّ حضور النساء في هذا المجال محدوداً لعقود. تشير دراسة أكاديمية نُشرت عام 2019 بعنوان "تجسّس الجندر: النساء في الاستخبارات البريطانية بين عامي 1969 و1994"، أعدّتها الباحثة جيسيكا رينيه شاهان، إلى أن التاريخ الرسمي تجاهل إسهامات النساء أو اختزلها في أدوار نمطية كالسكرتيرة أو الجاسوسة الفاتنة.
وترى شاهان أن تجارب النساء تكشف عن تحوّلات مؤسسية عميقة، إذ أسهمن في إعادة صياغة السياسات الداخلية وفرص الترقّي والمفاهيم التنظيمية للأمن والمساواة.
وإذا كانت أولغا غراي قد فتحت الباب بشجاعتها الفردية في ثلاثينيات القرن الماضي، فإن أجيال النساء اللواتي جئن بعدها واصلن كسر الجدران الصامتة من الداخل، ليصنعن ملامح الاستخبارات البريطانية الحديثة كما تُعرف اليوم. ورغم ما تحقق من تحوّلات، ما تزال النظرة إلى المرأة في أجهزة الاستخبارات تحمل ظلالاً قديمة من التحيّز.
يشير تقرير نشرته "فايننشال تايمز" في 2 مارس/آذار 2022 إلى أن النساء في جهاز الاستخبارات الخارجية ظللن لعقود "مُهمّشات أو محصورات في أدوارٍ كتابية"، وأن الأدب والسينما كرّستا تلك الصورة عبر شخصيات نمطية مثل نساء جيمس بوند أو عوالم جون لو كاريه. توضح الصحيفة أن الأفلام قدّمت الجاسوسة دائماً كـ"إغواءٍ صامت" أو "طُعمٍ جميل".
وخلال السنوات الأخيرة، بدأت السرديات الثقافية في بريطانيا تستعيد وجوهاً نسائية نُسيت لأكثر من قرن، فقد نشرت صحيفة ذا غارديان في 23 سبتمبر/أيلول 2024 تقريراً يسلّط الضوء على نساءٍ كنّ في قلب جهاز الاستخبارات الخارجية (MI6) في بداياته، بينهن كاثلين بيتيغرو، السكرتيرة الأقدم التي خدمت مع خمسة رؤساء للجهاز، ووصفتها المؤرخة كلير هوبارد-هول بأنها "المرأة التي مرّ على مكتبها كل سرّ من أسرار الدولة".
تشير هوبارد-هول، في كتابها "خدمتها السرّية: النساء المنسيات في الاستخبارات البريطانية"، إلى أن بيتيغرو أشرفت على الاتصالات اللاسلكية بين بليتشلي بارك (مركز فكّ الشيفرات البريطاني الشهير) وعملاء الميدان خلال الحرب العالمية الثانية، وأسهمت في تمرير الرسائل التي فكّ شيفرتها فريق آلان تورنغ باستخدام آلة "إنيغما".
حتى لقب "السكرتيرة المتواضعة" كان غطاءً يخفي امرأةً تمتلك سلطةً حقيقية في واحدة من أكثر المؤسسات سرّية في العالم.
ومن بين النساء الأخريات اللواتي أعاد الكتاب اكتشافهن أغنيس بليك، أول عميلة تنضم إلى الاستخبارات عام 1909، وويني سبينك، أول امرأة تُوفد إلى روسيا وتشهد الثورة البلشفية عام 1917 عن قرب.