أوسكار هودسون: كنت أبحث عن "لا شيء" وهذا يصعب العثور عليه
يحكي "دائرة مستقيمة"، أول روائي طويل للإنكليزي أوسكار هودسون ـ الفائز بجائزتي أفضل إخراج وأفضل أداء رجالي مناصفة بين بطليه التوأم لوك وإليوت تيتنسور، بالدورة الـ22 (28 نوفمبر/تشرين الثاني ـ 6 ديسمبر/كانون الأول 2025) للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش ـ قصة استعارية لجنديين يحرسان حدود بلدين، خاضا حرباً طاحنة. رغم توقّفها قبل عشر سنوات، لا تزال ترسّباتها حاضرة في علاقاتهما.
شيئاً فشيئاً، يختلّ توازن برنامجهما اليومي، ويتّخذ الصراع العبثي بينهما على تفاصيل تافهة منحى كوميديا بورليسك (Burlesque)، قبل الانتقال، مع قبضهما على راعي ماعز يحوم بقطيعه في نسق دائري لا يعترف بالحدود (مُدّعى العنوان)، إلى أجواء كابوسية، وفضاء ذهني، إذ يواجهان عاصفة رملية لا تنتهي، فيختلط عليهما الواقع باستيهامات وصُور من الطفولة.
يلفي الجنديان نفسيهما أمام مرآة تعكس إنسانيتهما في صورة الآخر، إثر رحلة داخلية مُدهشة، تقفّاها هودسون، القادم من إخراج كليبات موسيقية، بجمالية التقابل ـ التماثل والشاشة المنقسمة (Split-Screen)، التي يصعب أن نجد لها استثماراً جمالياً بهذه النجاعة والدلالة نفسيهما في السينما المعاصرة، ما عدا "فورتيكس" (2021) لغاسبار نوي.
يقبض المخرج ـ كاتب السيناريو على ثيمة تناقل تقاليد الشوفينية والعداء للآخر بين الأجيال، مُجرّداً الجنديين من كل ما يصنع التمايز الأيديولوجي بينهما، بما في ذلك الهيئة الخارجية (شعر، لحية) والملابس.
كأنه يتساءل: "ماذا يتبقى من هوية المرء عندما يفقد كل شيء، وينسى كل الذكريات، بما في ذلك اسمه؟". ولعلّ جملة "أنا نحن، نحن أنا"، التي يتبادلها العسكريان، أفضل مُعبّر عن ثيمة الهوية، التي تعبر كخيط أحمر رفيع.
يُذكر أن الفيلم فاز بالجائزة الكبرى وجائزة الفيلم الأكثر ابتكاراً في أسبوع النقاد، بالدورة الـ82 (27 أغسطس/آب ـ 6 سبتمبر/أيلول 2025) لمهرجان فينيسيا.
(*) الفيلم قوي جداً بصرياً، إلى حدّ أني أتساءل كيف تمكنت، أثناء كتابة السيناريو، من التعبير عن تلك الأفكار العصية على الكلمات؟ هل استعنت بستوري بورد قبل بدء التصوير؟
لدي خبرة في مجال الفيديو كليب، وفي أشكال السرد القصيرة. لذا، الطريقة التي تطوّرت بها بصفتي مخرج أفلام، أن الأفكار التي تجذبني تحتوي غالباً على عنصر بصري قوي. الأفكار التي أحبها، ونوع الأفلام الذي أتحمّس له، تنعكس فيه المفاهيم والأفكار على الشكل الذي يتّخذه العمل. هذا شيء أحاول اشتغاله بوعي عندما أكتب فيلماً. لدي بالتأكيد حسّ خيالي بصري قوي. أرى ذلك بوضوح تام في شكل الأشياء التي أتخيلها.
فيما يتعلق بالستوري بورد، الجواب نعم، لأني أرسم كثيراً. الرسم والتخطيط جزء من عملية الكتابة عندي. بالنسبة إلى المشاهد الأكثر تعقيداً، أنجزت لوحات ستوري بورد بطريقتي. عملت لوحات معقّدة أحياناً، ورسوما بسيطة أحياناً أخرى، بهدف مساعدة الآخرين، وإشراك الفريق في العملية، وضمان أن يكون الجميع على وفاق بشأن ما أسعى إلى تحقيقه، لأن بعض الأفكار بصري وتقني مجرّد إلى حد ما. تطلّب الأمر جهداً إضافياً لضمان هذا التوافق.
(*) نهجك في التعامل مع الفضاء محوري للغاية، وللفضاء في الفيلم وجهان: فضاء مغلق، يُسبّب قلق الأماكن المغلقة، حيث يقطن الجنديان فيها، والصحراء، بصفتها مساحة مفتوحة على المجهول. كيف استكشفت تلك المواقع؟ كيف تمكنت من الانتقال، وهذا أحد الأشياء التي أذهلتني، من فضاء مادي إلى آخر ذهني صرف، مع تقدم الأحداث؟
هذا سؤال جيد. الفضاء مهم جداً لي، في تصوري لما سيكون عليه الفيلم. أردت أن يكون هناك تبايناً بين الفضاءات الداخلية الصغيرة، المُسبّبة لقلق الأماكن المغلقة، ومساحة خارجية تبدو لانهائية. يتمحور الفيلم حول ما يحدث لإحساس المرء بهويته، في فراغ تام، أو عندما تزول كل السياقات والمعاني. مهم جداً أن تتّسم الصحراء بنوع من القوة، في قدرتها على بعث الشعور بالفراغ.
للإجابة عن الجانب العملي من سؤالك، استكشفت أنحاء العالم. كنت أبحث عن لا شيء، وهذا يصعب العثور عليه بشكل مفارق، فانتهى بي المطاف في صحراء كالاهاري، بجنوب أفريقيا. بحثت فقط عن أفق مسطح قدر الإمكان، ولم يكن ذلك مجرد جزء أساسي من القصة ـ أي عدم وجود معالم بارزة على شكل تلال مثلاً ـ بل واضح أنه يرتبط بالجوانب النفسية التي كنت أتحدث عنها سابقاً.
من الناحية الحيوية للتصوير نفسه، أردت بدلاً من محاولة صنع منظر طبيعي كهذا في الاستديو ـ وهذا يُمكن الحصول عليه بسهولة ـ أن أختبر تلك الطاقة، وأنفّذ التصوير فعلياً في بيئة طبيعية، تترك المجال للرياح والشمس والظروف المحيطة لتغذّي طاقة المشروع. أعتقد أن ذلك تحقّق.
ذكّرتني الفضاءات المسطحة والمفتوحة على اللانهائي بمراجع سينمائية وأدبية، أبرزها "صحراء التّتار"، رواية دينو بوزاتي، التي اقتبسها سينمائياً فاليريو زورليني بالعنوان نفسه عام 1976. أهذا أحد مراجعك؟ ما المراجع الأخرى التي في ذهنك أثناء كتابة المشروع وتصوّره؟
لا أستطيع القول إن "صحراء التّتار" مرجع مباشر، لكن البيئة نفسها للفيلم مستمدة من الأشياء التي ذكرتُها سابقاً، وبشكل أكبر من منظور مفاهيمي ونفسي. بالنسبة إلى المراجع، فكّرت بـ"عمل جيد" (Beau Travail) لكلير دوني، الذي يحتل مكانة بارزة في ذهني، لتناوله ثيمة الذكورة وسط الصحراء. جمالياً، ورغم عدم معرفتي بما إذا كان فيلمي يشبه فيلمها كثيراً، هناك نوع من الروح المشتركة في النسيج الفني للفيلمين.
(*) بشأن الفضاء الذهني الذي طورتَه في الفيلم، هناك فكرة الأشياء التي تنتقل بين الأجيال، وهذا تلتقطه بالمشهد التقابلي الرائع، عندما ينظر أحد الجنديين تحت الأرض، لاسترجاع طفولته، بينما يتأمل الآخر صورة توحي بشرخ عائلي. هذا يتجاوز الوصف النصي، إلى درجة أن طريقتك في إيصاله تنحو الغرائبية والتجريد إلى حدّ ما. كيف خطرت لك فكرة إظهار التخاطر بين الأجيال؟ هل لذلك جذور ذاتية مع والديك، أو ماذا؟
بالنسبة إلى السيرة الذاتية، ليس بطريقة مباشرة. ليست لدي أي خلفية عسكرية. لكن الطريف أن أبي، عندما شاهد الفيلم، سألني: هل تعاني مشاكل مع والدك؟ أجبته: لا، بتاتاً. أعتقد أن مصدر العلاقات مع الآباء، ومسألة الأجيال في الفيلم، كامنان في السعي إلى استكشاف مصدر القومية نفسها. عندما تطرح هذا السؤال، أعتقد أن عليك تأمّل عيش الأسرة في المنزل، والأفكار الموروثة عن هويتك، والارتباط الجسدي الملموس بالماضي، وبالمكان الذي عشت فيه. ما يورثه آباؤنا لنا يشكل جذور هويتنا.
في سياق الفيلم أيضاً، أردت أن يكون هناك إحساس بمعركة متوارثة، وبكيفية خوض معارك آبائنا. هذا يربط الرجلين أحدهما بالآخر، عبر تلك الصدمة المشتركة، رغم أنهما مختلفان قليلاً. الفيلم يدور أيضاً، نوعاً ما، حول كيف ننتهي بأن نشبه آباءنا. يحدث هذا حرفياً في الفيلم. أما المشاهد التي تظهر فيها الرأس المدفون في الرمال والصورة الفوتوغرافية، فقد أردت فقط إيجاد طرق تربط الرجلين بصرياً بهذا الجزء من القصة. هناك أيضاً شيء مباشر إلى حد ما يتعلّق بتربة المكان الذي تنتمي إليه، إضافة إلى لمحة تتعلق بالاختباء. واضح أن "إخفاء الرأس في الرمال" تعبير يشير إلى الاختباء من الواقع. أما الصورة فذكرى.
(*) استخدام الشاشة المقسمة جريء حقاً، بصرياً، ونادر حتى في السينما الحديثة. لا أستطيع التفكير في أمثلة كثيرة غير Vortex لغاسبار نوي، أو بعض أفلام إدغار رايت. هل خطرت لك هذه الفكرة في مرحلة مبكرة من عملية الكتابة؟ كيف تمكنت من تحقيقها بصرياً، خاصة أنه يصعب جداً إبراز التشابه والاختلاف بين جانبي الصورة في بعض المشاهد، وهذا أتخيل أنه طرح صعوبات في المونتاج؟
لم تكن فكرة الشاشة المقسمة موجودة في المسودة الأولى للسيناريو. ظهرت في منتصف عملية التطوير تقريباً، حين أدركت أنها أداة بصرية مناسبة للغاية. أحب أن تتداخل القصة والشكل معاً. الشعور الذي انتابني في الكتابة يتعلق ببيئة مقسمة إلى نصفين. عندها، قلت لنفسي: واو.. هذا هو. إنها الوسيلة الصحيحة التي يجب استخدامها للتعبير عن أفكار كثيرة موجودة في الفيلم.
أردت أيضاً أن أجرب استخدامها بطريقة لا نلحظها كثيراً، وأن أحاول إيجاد طرق جديدة لاستخدام الشاشة المقسمة. كما تعلم، تكون الشاشة المقسمة غالباً أداة للمقارنة بين أشياء لا تجري في المكان نفسه. بينما استخدمتها بشكل أشبه بمنظور مزدوج على البيئة نفسها. لذا، هناك كاميرتان تتحرّكان حول الموضوع نفسه. أردت أن يعبر ذلك عن لحظات الانفصال والالتحام، وعن نوع من الشعور بقاعة مرايا. كما يحدث في مشاهد التناظر في الغرفة، والقدرة على تفكيك المساحة، ثم إعادة تجميعها. باستخدام زاويتين، أكوّن صورة تتكامل مجدّداً، رغم وجودها في مكانين مختلفين. استمتعت حقاً بفعل ذلك.
ماذا عن المونتاج؟ كم استغرق وقته؟
ـ اشتغلت مع فؤاد جابر، الذي رافقني في الأفلام القصيرة. استغرق المونتاج ستة أو سبعة أشهر. كانت العملية شاقة. أعتقد أنها تكون كذلك دائماً. كما تعلم، الجميع يحاولون إنتاج فيلم مدته 90 دقيقة. ثم، عندما تجمع النسخة الأولى، يكون الأمر مفعماً بالمعاناة والتشذيب.
هذا فيلمي الروائي الطويل الأول. لذا، تعلمت الكثير عن إيقاعات سرد القصة على هذا النطاق. الأمر مختلف تماماً عن فيلم مدته دقيقتان أو ثلاث دقائق، وأكثر حساسية بكثير مما كنت أتوقع. الفيلم مخططٌ له، وليس من النوع الذي يُصوّر أولاً، ثم نكتشف طريقة التعامل معه في المونتاج لاحقاً. لذا، كنت أعرف الكثير عما أحاول تحقيقه من خلال اللقطات.
بالنسبة إلى كل مشاهد الشاشة المقسمة، تمّ التخطيط المسبق لتسلسلاتها بشكل دقيق للغاية. كانت عملية صعبة، لكنها تجربة رائعة. ينتمي فؤاد إلى خلفيتي الفنية نفسها. لذا، نتمتّع هو وأنا بتقدير عميق للإيقاع والطابع الموسيقي، وربط الصورة بالصوت، وخلق إحساس إيقاعي محفّز كل الفيلم.