أهناك مساحةٌ للنقد السينمائي لحظة الإبادة؟

06 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 10:42 (توقيت القدس)
هند رجب: صوتها يهزّ بعض العالم وهذا كافٍ الآن (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تتناول الأفلام السينمائية حول حرب غزة تأثيرها على المجتمع، حيث تتنوع بين ما تم تصويره قبل الحرب وأثناءها، مما يثير تساؤلات حول قدرتها على تغيير الروايات الرسمية.
- تواجه الأفلام تحديات في تحقيق توازن بين الجانب السينمائي والأخلاقي، وتتعرض لانتقادات لاستغلالها مواضيع حساسة، مثل فيلم "صوت هند رجب" الذي يوثق لحظات القتل المتعمد.
- يسلط مشروع "من المسافة صفر" الضوء على تجارب الشباب الفلسطيني في غزة، وتُعرض الأفلام في مهرجانات دولية، مما يساهم في نشر الوعي حول الجُرم الإسرائيلي.

 

مع انتهاء العام الثاني على حرب الإبادة الإسرائيلية، في قطاع غزة تحديداً، ردّاً على "طوفان الأقصى" (7 أكتوبر/تشرين الأول 2023)، يُطرح سؤالٌ: ماذا سيُقال، نقدياً، عن إنجازات سينمائية متفرّقة، مهمومة بتلك الحرب، أو بذاك القطاع عشية اندلاعها، وفي يومياتها؟

السؤال ينفتح على تساؤلات مُكمِّلة: أصحيحٌ أنّ المُنجز السينمائي لغاية الآن، المباشر في تعاطيه مع آثار الحرب في الناس والاجتماع والعلاقات والمشاعر والبُنى المختلفة، وغير المباشر أيضاً (أفلامٌ مُصوّرة قبل اندلاع الحرب، لكنّها مُنجزة كلّياً في يومياتها، وبعضها غير معنيّ بها)؛ إذاً، أصحيحٌ أنّ هذا المنجز، أو بعضه على الأقلّ، متمكّن من إثارة مشاعر غربية، أو من دفع أناسٍ إلى إعادة النظر في الروايات الرسمية، الإسرائيلية والغربية، المزوِّرة لحقائق ووقائع؟ أصحيحٌ أنّ هذا المُنجز نفسه موثِّقٌ حقيقي، بلغة السينما أو بغيرها، لحقائق ووقائع، يُراد لها تغييب مطلق، بالتزوير والاحتيال والخداع والرشوة؟

ثم إنّ سؤالاً نقدياً بحتاً يُطرح أيضاً: أيُمكن قراءة تلك الأفلام، لحظة الإبادة، نقدياً؟ أي: أيُمكن القول إنّ هناك أفلاماً عدّة غير مستوفية شرطها السينمائي، مع أنّها ترتكز على سؤال أخلاقي في معاينة راهنٍ، يمتلئ بالدم والأنقاض والتشريد والقتل والتدمير والتصفيات المتعمَّدة؟ أيُعقل أنْ تُصنع أفلامٌ، روائية تحديداً ووثائقية بمفردات سينمائية لا بأدوات تلفزيونية (مع أنّ الأخيرة مُفيدة أيضاً، وضرورية في اللحظة تلك)، تمتلك بنى سينمائية متماسكة، في سردها الحاصل يومياً؟ أمْ أنّ كلّ قراءة نقدية بحتة، لحظة العرض أو بعده بوقتٍ قليل، ولحظة الإبادة، ممكنةٌ من دون إطلاق حملات ضد كاتبها/كاتبتها، تخويناً وازدراء وشتماً وتقريعاً، مع أنّ هناك من ينتقد فيلماً، يوثِّق لحظات القتل المتعمَّد لهند رجب، مُضمّناً هجومه تلطيفاً قليلاً، ومتّهماً صانعته بـ"استغلالها" مسائل كهذه لإنجاز أفلامٍ يراها غير مناسبة سينمائياً ("صوت هند رجب" للتونسية كوثر بن هنية)؟ وماذا في "استغلال" مسائل كهذه لحظة حدوثها: ألن يكمن الأهمُّ في الإنجاز السينمائي نفسه، الذي يستحقّ قراءة نقدية ولو بعد حين؟

وأيضاً: أيُمكن انتقاد تصفيق كثير، يمتدّ 23 دقيقة (هناك من يُحدّد المدّة بـ 20 أو 22 دقيقة!)، بعد العرض الدولي الأول لجديد بن هنية في الدورة 82 (27 أغسطس/آب ـ 6 سبتمبر/أيلول 2025) لمهرجان فينيسيا؟ الجميع يُدركون أنّ كلّ تصفيقٍ بعد أول عرض لأي فيلمٍ مرتبطٌ، أساساً، بمشاعر منبثقة مباشرة من المُشاهدة، وهذا جزءٌ من الاحتفال بكل جديد يُعرض للمرة الأولى. الجميع يعرفون أنّ التصفيق لا علاقة له البتّة بالسينمائيّ في هذا الفيلم أو ذاك، تماماً كما أنّ أي نجاح جماهيري لفيلمٍ لن يكون دليلاً دامغاً على أي نجاح سينمائيّ في المُنجز. غير أنّ طول مدة التصفيق متأتٍّ من لحظة انفعالية صادقة، مردّه تلك الوحشية الإسرائيلية بتعذيب ابنة الأعوام الستة (3 مايو/أيار 2018 ـ 29 يناير/كانون الثاني 2024)، نفسياً أولاً، قبل قتلها المتعمَّد، هي "المُعتَقَلة" في سيارةٍ، مليئةٍ بجثث أقاربها.

في لحظةٍ كهذه، يُقال بصوت عالٍ: "تبّاً لكلّ نقدٍ سينمائي". الجُرم، كأي جُرم إسرائيلي مزمن، غير مُحتَمَل، ولا بأس إنْ تُصوَّر أفلامٌ "غير سينمائية"، تلتقط بعض ذاك الجُرم، فتعرضه في محافل دولية، أمام أناسٍ ذوي جنسيات وثقافات وانفعالات مختلفة، ربما لن يتمكّنوا من إحداث أي تغيير عام، لكنّهم قادرون على تبديل رأي أو شعور في فردٍ أو أكثر، وهذا كافٍ في لحظة كهذه. أمّا النقد فلاحقٌ، لضرورته.

الأفلام القصيرة في أول مشروع للفلسطيني رشيد مشهراوي، "من المسافة صفر"، مطلوبة ومُلحّ إنجاز مثلها (هناك مشروع آخر لمشهراوي أيضاً، بعنوان "من المسافة صفر وأقرب")، لسببين: هناك شبانٌ وشابات فلسطينيون يعيشون في قطاع غزة، ويواجهون أشرس حربٍ إسرائيلية منذ نكبة 48، يريدون التقاط بعض العيش والانفعال والتفكير، في لحظات موت وخراب وقهر؛ وأيضاً، لأنّ تلك الأفلام توثِّق بعض الحاصل بعيون شبابية، وهذا مهمّ. أمّا السينما، فنادرة، ولا بأس بالتغاضي عنها، فلا اللحظة مناسبة، ولا آليات الاشتغال تُشير إلى تمكّن سينمائي، بينما الحاصل يجب أنْ يوثِّق بأي شكلٍ. بالتالي، هذه الأفلام معروضةٌ مقتطفات منها على هامش الدورة 77 (14 ـ 25 مايو/أيار 2024) لمهرجان "كانّ"، وهذا بدوره مهمٌّ، رغم تأثيره المتواضع في فردٍ/جماعة غربية.

إنْ تنفع عروضٌ دولية لأفلامٍ فلسطينية، تلتقط تفاصيل من الجُرم الإسرائيلي المزمن، فماذا عن العروض العربية؟ أفلام "من المسافة صفر" معروضةٌ كلّها (22 فيلماً) في قسم "إضاءة"، في الدورة الخامسة (3 ـ 11 يوليو/تموز 2024) لمهرجان عمان السينمائي ـ أول فيلم مثلاً؛ بينما "صوت هند رجب" سيفتتح الدورة الأولى (20 ـ 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2025) لمهرجان الدوحة (سيُعرض في مهرجانات عربية أخرى). علماً أن ثلاثة أفلامٍ في المشروع الأول لمشهراوي فائزة بثلاث جوائز باسم السينمائي المصري يوسف شاهين، في الدورة 45 (13 ـ 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2024) لمهرجان القاهرة: "جلد ناعم" لخميس مشهراوي، و"خارج التغطية" لمحمد الشريف، و"يوم دراسي" لأحمد الدنف.

مسألة كهذه (المُنجز السينمائي الفلسطيني عن حرب الإبادة، والقراءة النقدية) تحتاج إلى نقاشٍ أوسع. السابق محاولة أولى لطرح مفاصل منها، فالأفلام، وإنْ تكن قليلة، قابلةٌ لقراءات نقدية، غير مُلْغيةٍ أنّ تصويرها بعض الحاصل مهمّ وأساسي.

المساهمون