استمع إلى الملخص
- تميز بأسلوب عزفي فريد، حيث حرر الكمان العربي من قيوده التقليدية وابتكر تقنيات جديدة مثل الزخارف المتتالية والانزلاق، مما جعله نموذجاً للحداثة في الموسيقى.
- تعاون مع كبار المؤلفين في الموسيقى التصويرية وترك بصمته في العديد من الأعمال، ليصبح مرجعاً للأجيال اللاحقة، ورحل في عام 1962 قبل أن يتم الأربعين.
بالرغم من أنّ عازف الكمان المصري أنور منسي (1922 - 1962) لم يعش حياة طويلة، إلّا أنه استطاع أن يترك أثره الفني الكبير على المشهد الموسيقي المصري خلال عقدَي الأربعينيّات والخمسينيّات من القرن الماضي. تمثل تجربة منسي قصة نجاح لموسيقي موهوب، تجاوز بعزفه إشكالية الآلة الغربية والمقام الشرقي.
وبينما كان معظم عازفي جيله يعتمدون على الفطرة، خضع منسي لتأسيس أكاديمي صارم، كما كانت الخلفية العائلية له بيئة مناسبة للتكوين الموسيقي القوي، فوالده عبد الوهاب منسي كان عوّاداً معروفاً في الأوساط الفنية، كما كان قائداً لجوقة مردّدين، ومنفتحاً بأسفاره على جغرافيا عربية واسعة، وشقيقه عازف القانون الشهير عبد الفتاح منسي.
أما والدته، التي حملت إرثاً ثقافياً مختلفاً من القدس، فقد ساهمت في خلق بيئة أسرية تتسم بالتنوع. هذا الجو الموسيقي المفتوح منح للطفل أنور منسي مخزوناً موسيقياً مهماً قبل أن يبدأ دراسته النظامية، ما جعل أذنه الموسيقية قابلة للتنوع وجاهزة لالتقاط أنماط موسيقية مختلفة، وساعده هذا التأسيس القوي على الانطلاق المبكّر بالعزف، ولفت انتباه المهتمين بالموسيقى، حتى حظي برعاية القصر الملكي، وتهيأ لأن يكون أحد أبرز العازفين المصاحبين لكبار المطربين في مصر، فأصبح أصغر عازف كمان يقف خلف أم كلثوم.
كان والده مكتشفه الأول، فاشترى له آلة كمان ليتدرب وهو لم يتجاوز الخامسة من عمره، وكان المايسترو بوليكالين (Policaline) أول أستاذ له، واستمر يدرس على يده ما يقارب من خمس سنوات حتى أصبح عازفاً متميزاً وهو لم يتعدّ العاشرة من عمره، قبل أن يلتحق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى وينتقل إلى مرحلة متقدمة من الدراسة عند أساتذة مثل أرميناك (Armenac) وسيسيان (Sisien).
يمثل الأسلوب العزفي لأنور منسي نقطة انتقال من العزف الغريزي إلى ذلك الممنهج. ويكشف تحليل خصائصه التقنية عن رؤية فلسفية مبكّرة استهدفت تحرير آلة الكمان العربية من قيودها التقليدية، ووضعها في سياق عالمي من دون المساس بهويتها المقامية.
كان الرجل يتجاوز النطاق الصوتي التقليدي للكمان في الموسيقى العربية، الذي كان ينحصر غالباً في الأوكتافات الوسطى، فصعوده المتقن إلى المناطق العليا بنقاوة صوتية مذهلة جاء انعكاساً لتمكنه من فيزياء الآلة التي استقاها من المدرسة الكلاسيكية، وهذا الانتقال منح عزفه قدرة على الانعتاق من ثقل التطريب التقليدي إلى ما يعرف بالفيرتوزو (Virtuoso)، أي امتلاك قدرات تقنية خارقة ومتجاوزة للقدرة العزفية التقليدية المعتادة.
وفي الموسيقى الشرقية، تُمثّل الزخارف روح الأداء، لكن منسي نقلها من حيّز الحلية العفوية إلى حيّز التكنيك المنضبط، إذ كانت قدرته على أداء الزخارف المتتالية في المناطق العليا وبسرعات فائقة تعكس تدريباً ذهنياً وعضلياً معقداً. هذه التقنية تكسر الرتابة اللحنية وتخلق حالة من التدفق المستمر، ما جعل من أسلوبه نموذجاً لـ"الحداثة الحركية" التي تخدم الجملة اللحنية ولا تطغى عليها.
يرى كثير من المهتمين بمسيرة منسي أن تجربته مثّلت نقطة تحول جوهرية في علاقة العازف المنفرد (Soloist) بالمؤلف الموسيقي، لأنه أسلوبه يرتفع به من مرتبة العازف إلى مرتبة الشريك في الصياغة الموسيقية. وقد انخرط منسي في مجال الموسيقى التصويرية مع أقطاب مثل أندريا رايدر وعلي إسماعيل وإبراهيم حجاج، إذ كان هؤلاء الرواد يبحثون عن عازف يمتلك ثقافة الأوركسترا والقدرة على تجسيد التعبيرات الدرامية المعقدة، فكان منسي الأداة الحية التي سمحت لهؤلاء المؤلفين بكتابة جمل موسيقية للكمان تتسم بالتعقيد الأكاديمي، لعلمهم بوجود القادر على تنفيذها بدقة تفوق المألوف، وبما يخدم البناء الدرامي.
وفي عصر كان الغناء فيه هو المركز والأساس، جاءت مقطوعات مثل تلك التي صاغها أحمد فؤاد حسن خصيصاً لمنسي، لتعيد الاعتبار للآلة في حالة استقلالها وتفردها. وحتى مع الأغاني، استطاع منسي بمهاراته الاستثنائية أن يفرض نفسه على كبار الملحنين، إلى درجة أن يؤجل محمد عبد الوهاب، المعروف بهوسه بالدقة والكمال تسجيل بعض أغانيه انتظاراً لعودة منسي من سفر أو غياب.
ومن أشهر المقاطع الآلية الفردية التي نفذها منسي لعبد الوهاب: "النهر الخالد" و"علشان الشوك" و"أنشودة الفن" و"ما ليش أمل" و"عش البلبل" و"الحبيب المجهول". لم يكن موسيقار الأجيال ليعطل إنتاج عمله إلّا ليقينه بأن بصمة منسي تمثل عنصراً بنيوياً في اللحن لا يمكن تعويضه.
وقد وضع الأكاديمي التونسي عمر بشير، أستاذ الكمان في المعهد العالي للموسيقى في صفاقس، دراسة مطولة عن تقنيات عزف منسي للمقطع الآلي الفردي في أغنية "أنشودة الفن" التي لحّنها عبد الوهاب وغنتها ليلى مراد عام 1945. ومن هذه التقنيات العزفية "الداعمة الطويلة" وتسمى بداعمة التعطيل المؤقت وذلك لدورها في تأخير نغمة بواسطة نغمة سابقة.
يرى كثير من الموسيقيين أنّ الداعمة الطويلة تتجاوز أن تكون مجرد حلية، وأنها تمثل ضرورة عزفية، لأن النغمة بدونها تأتي متسمة بالفقر والجفاف. والداعمة القصيرة يستغرق أداؤها أقصر مدة زمنية يمكن اقتطاعها وهي تختلف في الطول عن أقصر نغمة معزوفة على الأقل إلى ربع نغمتها الأصلية أو أكثر، وتعزف بسرعة كبيرة لدرجة أنّ الدرجة الموسيقية التي بعدها لا تفقد شيئاً من طولها. والداعمة المركبة تتصل بسرعة مع الدرجات الموسيقية الرئيسية والدرجات الثانوية التي تشملها، وفي الغالب تكون وظيفتها إيقاعية، وقد استخدمها في حركة لحنيّة صاعدة بهدف زخرفة درجة الكردان وجواب الكردان.
ومنها أيضاً تقنية الانزلاق، وهو الانتقال التدريجي عن طريق تغيير ذبذبة الدرجات الموسيقية بزحلقة الإصبع صعوداً أو نزولاً من درجة الانطلاق إلى درجة الوصول، ويمكن أن يكون الانزلاق عريضاً أو مقتضباً وبطيئاً أو سريعاً، ويستخدم عادة عند المرور من درجة موسيقية إلى أخرى أو من وضع على الملمس إلى آخر.
ويرى الباحث التونسي أن منسي استخدم تقنيات معقدة عدّة خاصة بالقوس، ومنها الأصوات المنفصلة البسيطة، وتتطلب هذه التقنية أداء الدرجات الموسيقية بطريقة متسلسلة مع ضرورة المحافظة على نفس درجة الضغط على القوس، وتستوجب هذه التقنية تناسقاً كبيراً بين اليدين اليمنى واليسرى إضافة إلى مرونة المعصم. وأيضاً تقنية تقطيع الأصوات الموسيقية (Staccato) وتستلزم استخدام حركة قوس قصيرة بسرعة وانتظام، وبطريقة تكون فيها الدرجات الموسيقية متقطعة ومنفصلة عن بعضها بعضاً بواسطة وقفة قوس خفيفة مع ضرورة ألّا يفارق القوس الوتر، وينتج عن هذه التقنية صوت قصير متقطع وتكون بداية الصوت حادة وقصيرة.
عرف عن منسي إكثاره من استخدام تقنية تغيير الأوضاع، وهو أسلوب يعتمد على انتقال اليد اليسرى من وضع إلى آخر، ومن أهم أهداف هذه التقنية توسيع النطاق الصوتي للدرجات الموسيقية، وعدم اللجوء إلى كثرة الانتقالات من وتر إلى آخر بين الدرجات الموسيقية. تنتج عن هذه العملية حركة انزلاقية للإصبع الذي سيبدأ حركة الانتقال صعوداً ونزولاً إلى الوضع الجديد مع ضرورة عدم إحداث خلل في استمرارية الدرجات الموسيقيّة وزمنها.
حظي منسي باهتمام الباحثين والدارسين، ووضعت على أسلوبه عدد من الدراسات، منها دراسة تحليلية عزفية لأسلوب أنور منسي في العزف على آلة الكمان وإمكانية الاستفادة منه لدراسي الآلة في الموسيقى العربية، من إعداد الباحث إيهاب عبد الحكيم عبد الغفار (عام 1995)، وأيضاً دراسة الباحث حمزة أبّا بعنوان: تقنيّات العزف الغربية على آلة الكمنجة، آليّة لتطوير أسلوب الأداء في الموسيقى العربيّة وتحديثها لدى أنور منسي، وهي دراسة تحليلية لأدائه لنماذج من ألحان محمّد عبد الوهاب عام 2013.
تتفق هذه الدراسات على أن التجربة العزفية لمنسي كانت ثمرة تلاقي التأسيس المنهجي الغربي مع الذائقة المشرقية، وأن استغلاله لخبرته التقنية وقدرته المهارية لم يكن بهدف التغريب، بل لإكساب العزف الشرقي أبعاداً تعبيرية أعمق، وأن التكوين الأكاديمي الذي تلقاه الرجل على يد الخبراء الأجانب قد شكّل لديه مناعة فنية ضد التقليد الأعمى للمألوف، فلم يقبل بمسايرة النمط السائد لعازفي الكمان في عصره.
يمكن القول إنّ انفتاح منسي على الخبرات الأجنبية وفّر له ترسانة تقنية، مثل التحكم المعقد في القوس وحركات الأصابع السريعة، مكنته من تجاوز عثرات العزف السماعي التقليدي.
بذلك، تحول أسلوبه إلى مرجع قياسي للأجيال اللاحقة، إذ أثبت أن إتقان العلم الغربي هو أقصر الطرق لخدمة الفن الشرقي الأصيل. في يناير/كانون الثاني من عام 1962، رحل أنور منسي، قبل أن يتمّ الأربعين، فكان عمره القصير من أكبر أسباب دهشة العارفين بأثره وتأثيره.