أمراض القلب... الذكاء الاصطناعي يكشف ما لا يراه الأطباء

29 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 13:36 (توقيت القدس)
هذه الأداة تستطيع اكتشاف أمراض لا يمكن لأطباء القلب رؤيتها (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- طوّر باحثون أداة "إيكو نكست" المعتمدة على الذكاء الاصطناعي لتحليل تخطيط القلب الكهربائي، بهدف الكشف المبكر عن أمراض القلب البنيوية الخفية مثل أمراض الصمامات والتشوهات الخلقية.
- أظهرت الأداة كفاءة بنسبة 77% في تشخيص أمراض القلب البنيوية، متفوقة على الأطباء الذين حققوا دقة 64%، بفضل تدريبها على بيانات ضخمة من تخطيط القلب وتصوير الإيكو.
- تساهم الأداة في رفع معدلات الكشف المبكر عن أمراض القلب، حيث يمكنها تحويل كل تخطيط قلب إلى فرصة للكشف المبكر، مما يعزز العلاج في الوقت المناسب ويقلل من الهدر في الموارد الطبية.

طوّر باحثون أداة تعتمد على الذكاء الاصطناعي قادرة على اكتشاف أمراض قلبية خفية، عبر تحليل بيانات اختبار بسيط ومنخفض التكلفة يُجرى في معظم عيادات الأطباء، هو تخطيط القلب الكهربائي، وفق دراسة نُشرت يوم 16 يوليو/تموز الحالي في مجلة نيتشر. الأداة "إيكو نكست" (EchoNext) تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل تخطيط القلب الكهربائي، بهدف تحديد الحالات التي تستدعي إجراء تصوير للقلب باستخدام الموجات فوق الصوتية (الإيكو) لتشخيص الأمراض البنيوية.

يعاني ملايين الأشخاص حول العالم من أمراض القلب البنيوية، مثل أمراض صمامات القلب والتشوهات الخلقية ومشاكل أخرى تؤثر على وظيفة القلب؛ لكن هذه الأمراض غالباً ما تمر من دون تشخيص مبكر، خصوصاً في ظل غياب اختبارات روتينية منخفضة التكلفة للكشف عنها، ما يؤدي إلى فقدان جزء كبير من وظيفة القلب قبل التدخل الطبي.

"لدينا فحوصات دورية للكشف عن السرطان، مثل تنظير القولون وتصوير الثدي، لكن لا يوجد لدينا ما يعادلها للكشف عن معظم أمراض القلب"، يقول قائد الفريق البحثي بيير إلياس، أستاذ الطب والمعلوماتية الطبية الحيوية المساعد في كلية الأطباء والجراحين في جامعة كولومبيا والمدير الطبي للذكاء الاصطناعي في مستشفى نيويورك-بريسبتيريان.

يمثّل تخطيط القلب الكهربائي أحد أكثر الفحوصات استخداماً في العالم، ويُستخدم عادة للكشف عن اضطرابات نظم القلب أو علامات النوبات القلبية السابقة، ويتميّز هذا الفحص ببساطته وانخفاض تكلفته، كما يُجرى روتينياً لمرضى لا يشتكون بالضرورة من مشاكل قلبية، وفقاً لتصريحات إلياس لـ"العربي الجديد". لكن هذا الفحص، رغم أهميته، لا يكشف بدقة عن أمراض القلب البنيوية؛ إذ يقول إلياس: "دُرّبنا في كليات الطب على أن تخطيط القلب لا يمكنه كشف أمراض صمامات القلب أو تضخّم العضلة القلبية. هذا الفحص غير مصمّم لذلك".

لكن الأداة الجديدة تغيّر هذه المعادلة. فقد درّب الباحثون نموذجاً قائماً على التعلم العميق باستخدام أكثر من 1.2 مليون زوج من بيانات تخطيط القلب وتصوير الإيكو، جُمعت من 230 ألف مريض.
يقول الباحث إن الأداة أثبتت كفاءتها، فعند مقارنتها مع 13 طبيب قلب في تحليل 3200 تخطيط قلب، نجحت الأداة في تشخيص 77% من حالات أمراض القلب البنيوية بدقة، بينما كانت نسبة النجاح لدى الأطباء 64% فقط. "ما نفعله يشبه استخدام اختبار رخيص لتحديد من يحتاج إلى اختبار أغلى وأكثر دقة"، يوضح إلياس. ويضيف: "هذه الأداة تستطيع اكتشاف أمراض لا يمكن لأطباء القلب رؤيتها من خلال تخطيط القلب التقليدي. نعتقد أن هذا سيفتح آفاقاً جديدة لفحص القلب منهجياً".

اختبر الفريق الأداة في الواقع العملي من خلال تحليل بيانات ما يقرب من 85 ألف مريض خضعوا لتخطيط القلب، من دون أن يكون لديهم تاريخ سابق في إجراء تصوير القلب بالموجات فوق الصوتية. لم يكن الأطباء على دراية بنتائج "إيكو نكست"، لتفادي أي تأثير على قراراتهم الطبية.

أظهرت الأداة أن نحو 9% من هؤلاء المرضى – أي أكثر من 7500 شخص – معرّضون بدرجة عالية للإصابة بأمراض قلبية بنيوية لم تُشخّص بعد. وخلال عام، خضع 55% منهم لفحص الإيكو، وتبيّن أن نحو ثلاثة أرباعهم كانوا يعانون بالفعل من مشكلات قلبية خطيرة. وبالمقارنة، فإن نسبة الإصابة بين من خضعوا للإيكو من دون مساعدة الذكاء الاصطناعي كانت أقل بكثير، ما يُظهر بوضوح قدرة الأداة على رفع معدّلات الكشف المبكر وإنقاذ الأرواح. "لو أن جميع المرضى الذين صنّفتهم الأداة بأنهم في خطر خضعوا لفحص الإيكو، لكشفنا عن ألفي حالة إضافية لأمراض قلبية كان من الممكن أن تظل خفية"، يقول إلياس.

وتُجرى سنوياً نحو 400 مليون عملية تخطيط قلب حول العالم، ومع استخدام أداة "إيكو نكست"، يمكن تحويل كل واحدة من هذه الفحوصات إلى فرصة للكشف المبكر عن أمراض قلبية قد تهدّد الحياة. يضيف الباحث: "لا يمكنك علاج مريض لا تعرف بوجود مرضه. ومع تقنيتنا، يمكننا تحويل كل عملية تخطيط قلب إلى نقطة انطلاق لفحص أوسع وأكثر دقة، وإعطاء المرضى فرصة للعلاج في الوقت المناسب".

ورغم أن الذكاء الاصطناعي ما زال يثير نقاشات حول دوره في الطب، إلا أن هذه التجربة تقدّم مثالاً قوياً على كيف يمكن للتكنولوجيا أن تعزّز مهارات الأطباء، لا أن تحلّ محلّهم. يشير إلياس إلى أن هذه التقنية ليست بديلاً عن الأطباء، بل أداة مساعدة تحسّن فرص التشخيص وتقلّل من الهدر في الموارد الطبية، ويشدّد الباحث: "نحن لا نستبدل الطبيب، بل نعطيه عيناً ثالثة".

المساهمون