"ألف إطار وإطار" لمهرنوش عليا: شهرزاد إيرانية جاذبة

03 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:57 (توقيت القدس)
"ألف إطار وإطار": جمالية خلق حالة دائمة من التوتر (الملف الصحافي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "ألف إطار وإطار" للمخرجة مهرنوش عليا، يستند إلى قصص مستوحاة من "ألف ليلة وليلة"، ويعرض تجربة نساء يطمحن لأن يصبحن ممثلات في مواجهة مخرج يختبرهن بأسئلة غير تقليدية.
- يسلط الفيلم الضوء على التوترات النفسية والاجتماعية في بيئة ذكورية، حيث تصبح غرفة الاختبار رمزًا لعالم يفرض شروطه على النساء، ويبرز صراعهن بين الخضوع والمقاومة.
- استخدام تقنيات سينمائية مثل العدسة المقرّبة يعزز شعور الاختناق، بينما يعكس الفيلم واقع الحياة في إيران، مع إشارات للاكتئاب وموانع الرقابة.

 

لعلّ الأفضل اليوم الإشارة إلى أن تصوير فيلمٍ تمّ بتصريح رسمي، ومرور "قانوني" على الرقابة، فعبارة "هذا الفيلم صُوّر بالخفاء" لم تعد تثير دهشة أو إعجاباً، إذ أمسى الجميع يصوّرون سرّاً، منذ لقي هذا الاختراع حظوظاً. الأكثر إثارة وإدهاشاً في السينما الإيرانية يتمثّل، اليوم، بفيلم يخرج رسمياً من إيران إلى العالم، كما خرجت أفلام كثيرة سابقة، منها لأصغر فرهادي.

يخطر هذا في البال عند مشاهدة "ألف إطار وإطار" (2025)، للأميركية الإيرانية مهرنوش عليا، التي كان بوسعها تصويره في أي مكان بالعالم الرحب، الذي يتلقّف بحرارة أفلاماً كهذه، ولا سيما أن أحداثه تجري في مكان واحد مغلق على العالم الخارجي. لكنّها فضّلت تصويره في إيران، والإشارة في مقدّمته إلى أن التصوير حاصلٌ بالخفاء.

حسناً. إنها عبارة ربما تمنح فيلمها قيمة مُضافة إلى قيمتيه النصية والإخراجية، مع قصصٍ مستوحاة من شخصية شهرزاد، وعنوان "ألف ليلة وليلة".

الفيلم مبنيّ على نساءٍ يردن أن يصبحن ممثلات، ويبحثن عن دور ما، ويخضعن لاختبارات أداء تقرّر مصائرهن، لا الفنية فقط، أحياناً. فتيات يلتقين، واحدة تلو أخرى، مخرجاً معروفاً، يختبر قدراتهن التمثيلية لأداء دور شهرزاد في "ألف ليلة وليلة"، في استديو خاص. المخرج يطلب من كل منهنّ أداء الدور بأسلوبها الخاص، مُحرّضاً إياهن، عبر طلبات غريبة وأسئلة متطفّلة، على "ابتكار" في تمثيل خبايا الذات وكشفها. لوهلة أولى، يبدو الأمر تجربة أداء عادية، ثم تُثار شكوك، عندما تصبح الأسئلة شخصية إلى درجة محرجة، والتصرّفات غير مفهومة. تتعزّز الشكوك حول الأهداف الأصلية لاختبارات كهذه، مع وصول الزوجة السابقة للمخرج، وإحدى صديقاته، لتكونا هما أيضاً موضع أسئلة، وتُشكّكان بهدفها. تدرك النساء تدريجياً أن المخرج يطمع إلى أكثر من اختيار صاحبة الدور الرئيسي.

في جلسات الحوار مع المرشحات، تصوّر كهرنوش عاليا، في فيلمها الفائز بالإسكندر الذهبي في قسم "إلى الأمام" وجائزة الجمهور، في الدورة 66 (30 أكتوبر/تشرين الأول ـ 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2025) لمهرجان سالونيك السينمائي الدولي، حالات نسائية تخضع لتجربة قاسية، لأن كل امرأة تكون وحدها، خلافاً للسائد، وجهاً لوجه مع مخرج يمتحنها من أجل دور. هذا الشدّ والجذب بين ممتحن وشابات مرشحات، تتفاوت قدراتهن على الوقوف في وجه محاورات ملتبسة، يستلزم وعياً وقوة للخروج منهما بسلام. لذا، تنجو بعضهن، كما فعلت شهرزاد، بذكائها ومقاومتها واتقانها لعبة القط والفأر، التي حصرها فيها الممتحن، وتخفق أخريات، أو يحترن بين استجابة ورفض، وبين شك ويقين، إزاء غرضه.

 

 

في هذا المكان، تصبح غرفة الاختبار، المتعلّقة هنا بالتمثيل لكنها ربما تكون في أي مجال آخر، نسخة عن عالم ذكوري متسلّط، يملي شروطه، وعلى النساء، اللواتي يأملن الحصول على دور، أن يلتقطن هذا الخيط الرفيع، الذي يفصل بين جدية طلب وخبثه، وأن يخترن بين خضوع ومقاومة.

رغم عبارة تتعلّق بسرية التصوير، وخلاصة توحي بفيلمٍ ملتزم مستوحى من حركة "أنا أيضاً" النسوية، وتوقّعات سلبية حول تكرّر التطرّق إلى هذه الأفكار في السينما، ينجح "ألف إطار وإطار" في إثارة الاهتمام، والاستمرار بالمشاهدة إلى ما قبل النهاية بقليل (87 دقيقة). يعود هذا إلى قدرته على خلق حالة توتر دائمة، في مواقف مستغربة بين بطله المخرج وما يمكن أن يُسمّى "فريسته". الشابة الواقفة أمامه تتلقّى أسئلته ومحاولاته بحجة اختبار قدراتها التمثيلية، يحثّها على اتّخاذ أوضاع جسدية مريبة (المواء، الزحف، إلخ)، واعترافات خاصة يستخدمها ضدها.

تؤدّي شخصية المخرج، الذي يبقى الوقت كلّه غير مرئي، دوراً مهمّاً في خلق أجواء شك. تظهر قدماه أو ظهره، لكنّ نظرته الذكورية لا تظهر أبداً. إنه قوة غير مرئية، تسود المكان، ومن هنا سيطرته (هذا يُشبه "آيات أرضية" للإيراني علي عسكري، 2023). يكتفي الفيلم بصوته، الذي يملأ المكان وهو يحاور بثقة وغطرسة تعطيان إحساساً بأنّ وحشاً جاهزاً للانقضاض، أو قوة وشيكة ستتدخل. الوجه المخفي والصوت المتلاعب للمخرج، وصورة الفتاة المؤطّرة بدقة، تشكل كلّها اختلالاً في التوازن بين الشخصيتين، ما يُثير أجواء ثقيلة ضاغطة، وشيئاً من تشويق، في فيلمٍ مُعرّض لتكرار مواقف.

ينجح كذلك استخدام العدسة المقرّبة، ووضع الكاميرا في زوايا ضيقة، بإضفاء إحساس بضيق المكان، وشعور باختناق في مساحة تجد النساء أنفسهنّ فيها، لتنعكس وجوه الشابات في أدقّ تعابيرها وتفاصيلها وتحولاتها وردات فعلها بين ثقة وشك، وخيبة وأمل، وعدم راحة، ومقاومة أو خضوع قسري، وتأمّل في طلبات غير مألوفة، كأن يقول المخرج: "لا تمثلي الحزن أو السعادة، بل الإغراء، كما لو كانت الكاميرا (وبالتالي هو) معشوقك".

يتمتّع السرد بحيوية نابعة من الحوار الذكي والمركّز، وإنْ ابتعد أحياناً عن العفوية. كأن مهرنوش عليا (المخرجة وكاتبة السيناريو) أرادت الإحاطة بكل الأفكار الممكنة والحالات، في وضع كهذا. كما ساهم التقطيع في إيقاع سريع، عبر الانتقال من فتاة إلى أخرى، قبل الانتهاء من امتحانها، ليعود إليها مجدّداً. أكّد السرد كذلك، عبر إشارات متكرّرة، عيشاً ضاغطاً في إيران (اكتئاب الإيرانيين وإحباطهم، وموانع الرقابة الإيرانية في السينما)، وتغيّراً كبيراً في مظهر النساء اللواتي يقبلن أكثر فأكثر الظهور من دون حجاب في الشارع والسينما.

المساهمون