أكتوبر اللبناني وانهيارات الراهن: احتيال سينمائي يُواجه تنانين السلطة

12 أكتوبر 2020
الصورة
"انتفاضة 17 أكتوبر": الواقع أعنف من الخيال (إبراهيم عمرو/ فرانس برس/ Getty)
+ الخط -

 

شهر أكتوبر محمَّل بثقلٍ في التاريخ والذاكرة. الانتصار العربي الوحيد على إسرائيل حاصلٌ فيه (6/ 10/ 1973)، وإنْ يُعطَّل الانتصار سريعاً، فالمأزق كامنٌ في عجزٍ عربيّ عن تحويل النصر إلى ثقافة عيشٍ تُبنى عليها مواجهات وتحدّيات، بدلاً من جعله، في الداخل، أداة قمع ومنع وتعذيب وإقصاء وقتل وتهجير. هزيمة الجنرال ميشال عون أمام دبابات الجيش السوري الأسديّ حاصلة فيه أيضاً (13/ 10/ 1990)، ما يؤدّي إلى إعلانٍ معطوبٍ عن سلمٍ أهليّ، يُصبح فوراً امتداداً لحربٍ غير منتهية. "انتفاضة 17 أكتوبر" (2019) تُطلِق صرخة شبابية في وجه منظومة فاسدة وناهبة وقامعة. الصرخة تضيع في بطش سلطة وانفضاض مهزومين كثيرين عنها، ووباء كورونا يُنقذ المنظومة الحاكمة من الانكسار، رغم أنّها (المنظومة) تُصاب بارتجاجٍ يدفعها إلى مزيدٍ من البطش والتضييق للحؤول دون انهيارها.

السينما معنيّة بالنصر العربي المعطَّل، من دون كلامٍ عن تعطيله، فالخطاب الرسميّ يمنع كشف المبطّن، وإنْ يذهب مخرجون قلائل إلى نقدٍ وتعرية، بمواربة واحتيال، للنصر، وللاّحق به. لكنّ السينما نفسها غائبةٌ عن الحدثين اللبنانيين، فآلة البطش الأسديّ تحول دون نبش المخبّأ وكشف المستور، وإنْ يكن بعض المخبّأ والمستور مرتبطاً بعدوٍ لها يتخلّى عن كلّ شيء لنجاةٍ فردية، تقوده إلى منفى باريسيّ، قبل عودته إلى بلدٍ يعاني أهوال اغتيالات متلاحقة وتغيير مطلوب، لكنّ اكتماله ممنوع. والسينما، بانكماشها أمام مصائب السياسة والاقتصاد، تتحايل على خراب الراهن وموت الذاكرة، وهذان من أفعال منظومة لبنانية خاضعة لاحتلالٍ أسديّ، فتقول (السينما) مواربة بعض خراب وموت، نافضةً عن الذاكرة موتها المطلوب، ودافعة الراهن إلى انقلابٍ خَفِر على دماره.

سياسيو البلد وقادة طوائفه وأسياد قبائله غائبون عن أفلامٍ لبنانية، غير معنيّة بنقل الرواية الرسمية من خطابٍ ممجوج إلى صُور دعائية. الهمّ الأساسيّ لأفلامٍ كهذه كامنٌ في الكشف والتفكيك والفضح. المنع أقوى من كلّ احتيالٍ. ابتعاد السينما عن مواضيع كهذه يدفع سينمائيين إلى قراءات مختلفة لوقائع وحالات وتفاصيل، فتُمنع أفلامهم وتُحارَب. طرفا "المعركة" غير متساويين أحدهما مع الآخر، فالمنظومة الحاكمة تمتلك خبرة كبيرة في الجُرم متنوّع الأشكال، بينما الصورة السينمائية، وإنْ تمتلك قوّة التاريخ والتوثيق (بالمعنى السينمائي، روائياً ووثائقياً، لا بالمعنى التسجيلي فقط)، تعاني مصائب الحاضر الذي يُشوِّه ويزوِّر ويُلغي، تلبية لبطش منظومة معنية بمصالحها.

 

 

"انتفاضة 17 أكتوبر" مبتورة في بداياتها، فالغلبة لتنانين المال والسياسة، والوباء إضافة إيجابية لتلك التنانين. مناقشة الانتفاضة مطلبٌ، ومجلة "بدايات" (فصلية ثقافية فكرية) تُطلق نقاشاً كهذا (العدد 26، ربيع 2020)، يُفترض به تحريض آخرين على مزيدٍ من الحوار الهادئ، وإنْ وسط غليان اللحظة ومخاطرها وإرباكاتها. السينما غير متمكّنة من مواكبة الانتفاضة، أو تناولها. لا سبب واضحاً لهذا. التوثيق حاضرٌ. التسجيلات، الصوتية والبصرية، حاضرةٌ أيضاً. التأمّل بالانتفاضة يحتاج إلى وقتٍ ليُتَرْجَم سينمائياً. الانتفاضة بحدّ ذاتها تحتاج إلى وقتٍ لفهم أسسها، ولمواكبة مساراتها، ولقراءة مصائرها.

شهر أكتوبر مُثقلٌ بأحوالٍ، تصنع وعياً وتفرض حالاتٍ وتقول وقائع، بعضها مُغيَّب. أحواله اللبنانية قاسية، والنتائج السلبية لبعضها مستمرٌ إلى اليوم، وهذا البعض أحد أسباب انهيارات الآنيّ. الثقل نفسه، متنوّع الأشكال والمضامين، قابلٌ لترجمة درامية، لما فيه من معطيات وانفعالات وتفكيرٍ. فهل تُصنع تلك الصُور لتقول شيئاً من حكايات اللحظة؟

المساهمون