أفلام نساء في مهرجان الدوحة: نبش ذاكرة وتوثيق راهن ومواجهة غدٍ
استمع إلى الملخص
- فيلم "حوا" يستعرض حياة النساء الأفغانيات خلال فترة "اتفاق السلام" بين الولايات المتحدة وطالبان، مسلطًا الضوء على التحديات التي تواجهها النساء وأهمية التعليم لتحسين حياتهن.
- "مملكة القصب" و"بابا والقذافي" يعكسان أحداثًا تاريخية وسياسية، حيث يرويان قصصًا عن حياة العراقيين تحت الحصار واختفاء المعارض الليبي منصور الكيخيا، مما يبرز تأثير السياسة على الأفراد.
يصعب التغاضي عن وفرة أفلامٍ، عربية غالباً، تتناول أحوال المرأة، أو تصنعها امرأة، تُعرض في النسخة الأولى (20 ـ 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025) لمهرجان الدوحة السينمائي. البداية مع فيلم الافتتاح "صوت هند رجب" (2025)، للتونسية كوثر بن هنيّة، رغم أنّه يستعيد جريمة إسرائيلية بحقّ طفلة (ستة أعوام)، يقتلها جنود إسرائيليون عمداً. فالفيلم تصنعه مخرجة، ويروي حكاية طفلة، وعبرها حكاية كيان مُجرم، وخضوع مهين له، وتخاذل أو ضعف سلطة محلية، ومواجهات "بطولية" لمسعفين ومسعفات فلسطينيين، في مواجهة آلة قتل غير هادئة. كما أنّ فيه مساحة لوالدة الطفلة (وسام حمادة)، وأخرى أوسع لرنا حسان فقيه (سجى الكيلاني) ونسرين جريس قواس (كلارا خوري)، العاملتين في مركز الطوارئ، التابع للهلال الأحمر الفلسطيني في رام الله، إلى جانب عمر أ. اللقم (معتز ملحيس) والمسؤول مهدي م. الجمل (عامر حليحل).
معاينة راهن يشهد فظاعاتٍ غير موصوفة بحق أناس، والنساء بينهم يدفعن ثمناً باهظاً لكونهنّ نساء أساساً بأعمارهنّ المختلفة، كما في "صوت هند رجب"، يتمثّل أيضاً في "حوا" (2024)، للأفغانية نجيبة نوري، بمساعدة راسول نوري، الذي يتقفّى أحوال نساءٍ أفغانيات، عشية "اتفاق السلام" بين الإدارة الأميركية (الرئاسة الأولى لدونالد ترامب)، وطالبان (29 فبراير/ شباط 2020)، إلى الأشهر الطويلة الأولى من استعادة تلك الحركة الحكم في كابول. فنجيبة، الصحافية الشابة، تُصوّر والدتها حوا منذ عام 2019 (للفيلم عنوان إنكليزي آخر: "كتابة حوا")، إلى ما بعد 15 أغسطس/ آب 2021 (فرار الرئيس الأفغاني من البلد) بأشهرٍ.
في مقابل اكتفاء "صوت هند رجب" بسبع ساعات، تشهد مقتل الطفلة من خلال مركز الطوارئ، يمتدّ زمن "حوا" إلى خمسة أعوام، الثلاثة الأخيرة منها تُختزل بكتابة في نهاية الفيلم، تؤكّد لقاء حوا وعائلتها بنجيبة في فرنسا (بعد رحلة إلى إيران). وإذْ تصنع بن هنية، في أقلّ من 90 دقيقة، فضاءً متوتّراً في غرف قليلة، لتعكس الجريمة وتفاصيل سابقة ولاحقة عليها؛ تجهد نوري، في 85 دقيقة، في سرد مسارٍ مفتوح على بيئة خاضعة لذكورية وتقاليد جافة وقاسية ضد المرأة، وعلى معنى تعلّم القراءة والكتابة، لأنّهما وسيلة عيشٍ أفضل.
غير أنّ الراهن، زمنياً واجتماعياً وثقافياً وتربوياً، يكتمل بماضٍ يشهد أحداثاً تمتدّ بين عامي 1990 (فرض الأمم المتحدّة عقوبات صارمة على عراق صدام حسين، الذي يُصرّ على الاحتفال بعيد ميلاده)، و1993 (في 11 ديسمبر/ كانون الأول، "يختفي" المعارض الليبي منصور الكيخيا من أحد فنادق القاهرة، وتُكتشف جثّته بعد 12 عاماً). العام الأول محور "مملكة القصب" (2025)، للعراقي حسن هادي، الفائز بجائزتي الكاميرا الذهبية والجمهور في نصف شهر السينمائيين، في الدورة 78 (13 ـ 24 مايو/ أيار 2025) لمهرجان "كانّ". والعام الثاني منطلقٌ درامي لـ"بابا والقذافي" (2025)، لجيهان ك. (فرنسية الولادة والإقامة، ليبية الأصل)، المعروض أولاً خارج مسابقة الدورة 82 (27 أغسطس/ آب ـ 6 سبتمبر/ أيلول 2025) لمهرجان فينيسيا (الاختيار الرسمي). الأول روائي، يستلّ عنوانه وتفاصيله العامة من وقائع حيّة، ليسرد حكاية قهر وانكسار وخيبات وخوف، وفساد وعلاقات متوترة بين أناس يعيشون حصاراً خانقاً، ويدفعون أثماناً باهظة بسبب غطرسة حاكمٍ قامع، زمن ديكتاتورية البعث العراقي. والثاني وثائقي، يستند إلى أقوال لزوجة الكيخيا بهاء العمري (سورية الأصل)، ومعارف له، ومستندات وتسجيلات وصُور، في بحثٍ شخصي لمخرجته عن والدها، غير العارفة به.
عدم معرفتها إياه، لاختطافه وهي صغيرة في السنّ، غير مترجم سينمائياً إلى فيلمٍ، تُقدّم جيهان ك. فيه ما لديها من أرشيف، وتسجيلات حديثة، وسرد الحكاية من وجهة نظر الأم أولاً، وهذا السرد مطعّم بأقوال لأصدقاء ومعارف. خوفها من خوض المسائل السياسية، التي ستكون السبب الأبرز والأهم لاختطاف ـ اختفاء الأب، الديبلوماسي الحالم بليبيا عصرية، منضوية في القومية العربية، هذا الخوف لعلّه ناتجٌ من عدم امتلاكها فكراً سياسياً، وهذا حقّ لها، لكنهما (عدم المعرفة وعدم الامتلاك) قادران على تحويل المادة الموجودة إلى نصٍّ سينمائي أعمق وأهم وأجمل، ينبثق من علاقتها المعلّقة بوالدها، بدل سرد ما يعرفه كثيرون وكثيرات.
هذا يتحرّر منه "مملكة القصب" (أو "كعكة الرئيس"، بحسب العنوان الإنكليزي) لكونه روائياً، ما يُتيح تفادياً كبيراً من الوقوع في فخّ التزام الواقعية كلّياً. التزام كهذا حاضرٌ في أول روائي طويل لمخرجه، إذْ يرتكز على وقائع معروفة: عقوبات الأمم المتحدة، عيد ميلاد صدام حسين (28 إبريل/ نيسان)، أحوال الفقر والخوف والتسلّط، النظام التعليمي المفروض على العراقيين والعراقيات، والأشبه بنظام عسكري، إلخ. هذا مشغول بحبكة درامية تلتقطها لميعة (بنين أحمد نايف)، حفيدة بيبي (وحيدة ثابت)، المكلّفة بالقرعة من أستاذها الديكتاتور بصُنع كعكة عيد الرئيس، فتجول في دهاليز "المدينة" رفقة صديقها سعيد (سجاد محمد قاسم)، بحثاً عن مكوّنات الكعكة، فيُعرّيان بيئة واجتماعاً وأفراداً، وعلاقات شائكة ومصالح متضاربة ونفوذاً قامعاً، وغيرها من مصائب وتحدّيات.