أفلام قصيرة في الجونة: موت وفقدان برسوم وموسيقى وغناء وتحريك
استمع إلى الملخص
- فيلم "أغمضي عينيك يا هند" لأمير ظاظا يسلط الضوء على قصة الطفلة الفلسطينية هند رجب التي قُتلت في غزة، مع إبراز قسوة الاحتلال الإسرائيلي من خلال مشاهد مؤثرة.
- الفيلم الفرنسي "فتاة الماء" لساندرا ديمازيير يعكس تقلبات الزمن وتأثيرها على البشر والبيئة، مع التركيز على جمال الرسومات السينمائية.
الموت والفَقْد والتقلّبات الحزينة للزمن، ثيمات تتشارك في متون أفلام قصيرة (2025)، معروضة في الدورة الثامنة (16 ـ 24 أكتوبر/تشرين الأول 2025) لمهرجان الجونة السينمائي. اللافت للانتباه في بعض المصرية منها اختيار الأنيمَشن للتعبير عن تجارب فردية، تهجس الكشف عن دواخل أبطالها وتكوينهم الشخصي، في إطار علاقاتهم العائلية، ونشأتهم الاجتماعية.
بينما يطلّ موت الفلسطيني في مُنجز السوري أمير ظاظا، "أغمضي عينيك يا هند" (32 د.)، المستوحى من القصة الحقيقية لمقتل الطفلة الفلسطينية هند رجب في غزة. قصته، وتقارب عنوانه مع فيلم التونسية كوثر بن هنية، "صوت هند رجب" (2025)، يقلقان مخرجه، الذي يخشى من التباسٍ محتمل. في مقابلة صحافية يقول: "تأكدت سريعاً أنّ الفيلمين مختلفان تماماً. فالأول قصير والثاني طويل، ولكل منهما مساحة فنية ورسالة خاصة".
بتكثيف زمني شديد، واشتغال على نقل لحظات الخوف التي عاشتها هند قبل مقتلها بنيران دبابة إسرائيلية، يُشرِك النص السينمائي المُشاهِدَ معه، لمتابعة ما يحصل لها ولعائلة خالها عند مرورهم في سيارته بشارع في غزة، تمركزت فيه دبابات إسرائيلية، كُلّف جنودها بمهمة محدّدة: قتل كل فلسطيني يمرّ، من دون سؤال عن هويته. بعد مقتل الخال وزوجته، لم يبقَ في السيارة سوى هند (باتيل عقاد) وابنة خالها ليان. نقل لحظات التوتر والخوف، ومعايشة الموت من قرب، بأداء تمثيلي عفوي وشديد الإقناع، وبتوظيفٍ بارع للصوت والحوار المقتضب، يوسّع النص السينمائي مشهد الموت اليومي للفلسطيني، ويُمدّد مساحته الدرامية. بقاؤها وحيدة بعد موت ليان، وتواصلها مع والدتها الملتاعة تلفونياً، لن يُجدِيا نفعاً في تخفيف رعبها المتزايد مع اقتراب الدبابة منها. بصوت يخفي حزناً عميقاً وغضباً، تنصح عاملة في الهلال الأحمر الفلسطيني هند بإغماض عينيها، إلى حين وصول سيارة الإسعاف.
بتعمّدٍ، تعيق الوحدة العسكرية الإسرائيلية وصول النجدة إلى الطفلة الوحيدة. لتَجسيد فعل القتل المتعمَّد، يُوظَّف مشهد تفجير الجنود لسيارة الهلال الأحمر، المقتربة منها، لإحداث تأثير قوي عند المُشاهد، ولزيادة قسوة في اللقطة التالية، التي يظهر فيها جنود إسرائيليون مع دباباتهم وهم يقتربون من الطفلة المحاصرة في السيارة المهشّمة، فيقتلونها بدمٍ بارد.
فيلما التحريك المصريان، "خائنة الأعين" (15 د.) لسعد دنيور وعبد الرحمن دنيور، و"س الديب ورحلة البحث عن التاج المفقود" (11 د.) لسامح علاء، يتقاربان في هاجسهما للبحث في أسئلة الطفولة المُقلِقة، والفَقد المبكر لمن لهم تأثير كبير على مسار حيوات أبطالها. للأول عنوان باللغة الإنكليزية، "أخي، أخي"، يقرّب حكايته أكثر لمتابعها، لكونه ينطلق من قصة التوءمين عمر ووسام، والتصاق حياتيهما وهما في بطن أمهما، ولم تفرق بين خروجهما معاً إلى الحياة سوى دقائق قليلة، كانت كافية لإحداث فوارق في السلوك.
يميل صانعا الفيلم إلى كشف الصلة بينهما وبين حكايته، عبر حقيقة فقدان حياة أحدهما في سنّ مبكرة. يأتي الموت مرافقاً لمسار ولادة وحياة ملتبسة، جرّاء التشابه والتناقض المتأتيان من خلافات في القناعات والسلوك. عمر ووسام ولدا لأبوين شديدي الإيمان الديني، لكنّهما في الوقت نفسه يعملان في حقل علمي. سؤال الدين يظلّ حاضراً في مسار الحكاية، المُجسّدة بأسلوب سينمائي متماسك، وباشتغال جمالي ينبثق من قوة تنفيذ المَشاهِد، ومن السرد الصوتي الممتع لتفاصيل حكاية لا تغيب عنها الكوميديا، مثلما تلتصق بها التراجيديا. موت الأخ يُحاط بغموض متعمّد، كاشفاً الفهم الجيّد لصانِعَيه لوظيفة فيلم الأنيمَشن القصير، وإمكانية إقران نصه السينمائي بأسئلة وجودية معقّدة، كالموت والأخوة، والتوافق القلق بين الإيمان والعلم.
بعد فيلمه القصير "ستاشر" (2020)، الفائز بالسعفة الذهبية للفيلم القصير في الدورة 73 (12 ـ 23 مايو/أيار 2020) مهرجان "كانّ"، يُجرّب سامح علاء الانتقال إلى أفلام التحريك. "س الديب ورحلة البحث عن التاج المفقود" خفيف الظاهر، عميق الباطن. سيرة طفل مع شَعْر رأسه، الآخذة طابعاً كوميدياً متأتياً من رسومات بسيطة (خطوط تقارب رسومات الكاريكاتير)، تستوعب في متنها تعقيدات علاقات عائلية، وتناقضات مواقف بين الأبناء والآباء. في المتن، هناك هيمنة أبوية تبرز في قرارات الأب على الشكل الذي يريد لابنه الظهور فيه بين الناس، خاصة قَصّة شَعْره. السارد الصوتي في نص علاء لبق، يعرف كيف يروّض موقفه النقدي من والده ومجتمعه بذكاء، من دون إثارة تناقض واضح بين الأب وابنه.
بالرسوم والموسيقى والغناء والتعليق الصوتي والمكتوب، ينقل حكاية كل قَصّة شَعْر، ومدى ما تتركه من تأثير لاحق على تكوين شخصيته. الابن يحاول تجاوز إملاءات الأب لشكل شَعْره. يصبغه مرة للتمويه والاحتيال على ما يريده الأب منه. الجهد الجماعي المبذول لمنح الاشتغال الجمالي مساحته المطلوبة، في فيلم التحريك القصير المُركّب، جليّ. به، يتولّد عند المتلقي شعور بأنه أمام منجز يقول أكثر مما يظهر في سطح سرده. وفاة الأب يؤشّر على التباس العلاقة وتعقيدها بين الابن وأبيه. موت يؤثّر في حياة طفل، تنغص إرادوية والده عليه حق اختيار شكل شَعْره ومظهره.
إلى ذلك، ينقل "فتاة الماء" (15 د.)، للفرنسية ساندرا ديمازيير، أحاسيس الكائن البشري حين يكبر ويضحى وحيداً، لا تكسر حدة عزلته سوى استعادة ذكريات شبابه ولحظاتها الحلوة. برسومات، مبهرة تقنيات تنفيذها سينمائياً، يتجسّد ماضي شابة تجيد الغوص في أعماق البحر، بحثاً عما يعين على عيشها في قرية بحرية. حبيبها يرافقها بعد كل رحلة غوص، تصاحب فيها الأسماك والكائنات البحرية، إلى مطعم القرية. تتذكر الشابة، التي أضحت اليوم عجوزاً، يترك الزمن آثاره على جسدها، ذلك المكان الذي شهد رقصاتهما الأولى. لم ترزق بأطفال. يُخيّب الحظ حلمها في أن تصبح أماً. لم يعد هذا الأمر يحزنها طويلاً، صار جزءاً من ماضٍ، تقبل به كما هو، مثلما تقبل بالمتغيرات التي تحيط بها: الأسماك لم تعد بالوفرة التي كانتها. حيتان كبيرة تقع في شباك عملاقة، فتهرع إلى نجدتها، تجمع فضلات البلاستيك التي يرميها الناس في مياه البحر من دون تفكير منهم في مضارها. صارت العجوز اليوم أكثر اهتماماً بالبيئة، وأكثر حزناً على ما آلت إليه البحار ومياهها الملوّثة.
منجز ديمازيير (نجمة الجونة البرونزية) يشيع حزناً شفيفاً على تقلبات الزمن، وما يتركه في نفوس البشر وأجسادهم في كل مكان، باشتغال سينمائي، خاماته الأساس رسومات جميلة تنسي الغائر منها عميقاً في النفوس، فيما تُبقي معنى أكبر للذكريات الجميلة الكافية لتحمل عيش صعب.