أفلام قصيرة في الجونة: بحث جاد عن أشكال تعبيرية جديدة

19 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 06:00 (توقيت القدس)
"الشيطان والدراجة": مُراهِقة تكتشف جسدها فتحلّ اللعنة عليها (الملف الصحافي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- "الشيطان والدراجة": فيلم لبناني للمخرجة شارون حكيم، فاز بجائزة نجمة الجونة لأفضل فيلم قصير عربي، يتناول قضايا الهوية الدينية والجنسية من خلال قصة مراهقة تواجه رفض المجتمع لاكتشافها جسدها، ويبرز التصادم بين التقاليد والمحرمات.

- "أغابيتو": فيلم فليبيني للمخرجين كايلا دانيل روميرو وأرفين بيلارمينو، فاز بنجمة الجونة الذهبية، يروي حياة ميرا التي تدير قاعة بولينغ، ويجمع بين الرقص والسرد البصري ليعكس تطور السينما الآسيوية.

- "لوينز": فيلم بلجيكي للمخرج دوريان جيسبرز، نال نجمة الجونة الفضية، يقدم تجربة تاريخية في محكمة بليفربول بالقرن الـ19، ويثير تساؤلات حول العدالة الأوروبية.

 

تُحيل ثلاثة أفلام (2025)، فائزة بجوائز مسابقة الفيلم القصير، في الدورة الثامنة (16 ـ 24 أكتوبر/تشرين الأول 2025) لمهرجان الجونة السينمائي، إلى التفكير بالمتغيّر الكبير الحاصل في نتاجها، بحثاً عن أشكال تعبيرية جديدة، موضوعاً واشتغالاً جمالياً وفنياً.

يبدو هذا أوضح عند عرض بعضها في مهرجانات سينمائية، تتيح للمتلقّي فرصة التعرّف إلى نتاجات مهمّة في المشهد السينمائي العالمي، يتجاوز الجغرافيات التقليدية المهيمنة. "الشيطان والدراجة" (24 د.)، للبنانية شارون حكيم (نجمة الجونة لأفضل فيلم قصير عربي)، يؤشّر عليها. بأقلّ من نصف ساعة، تقارب صانعته حساسيات أخلاقية ودينية، عبر حكاية مُراهِقة من أبوين مختلفي الديانة (الأم مسيحية والأب مسلم)، تكتشف جسدها، وبواطن الملذات الجنسية فيه، فتواجه بسببه رفض العائلة والكنيسة والمجتمع لها. كل المؤسسات "الأخلاقية" وحماتها يصطفون ضدّها، ويبدّلون موقفهم منها، لأنها مالت إلى مُصلِح الدراجات الهوائية في البلدة الصغيرة، ولأنها اكتشفت لأول مرة في الاحتكاك بسرج دراجتها متعة لم تقاومها، فراحت تفشي سرّها بين صديقاتها وزميلات المدرسة، فصارت الدراجة وسرجها مزاراً للمراهقات، وبالنسبة إلى العائلة والكنيسة شيطاناً لا بُدّ من طرده والتخلص من شروره، ومعاقبة الناشر لإغوائه.

تَحرم الكنيسة المراهقة ياسما (أداء بارع لميليسا سوكار) من حضور قداسها. الأب يعنّفها، والأم تكاد تجنّ من تصرّفها، الذي تعتبره عاراً تخاف أن يُبعدها عن الدائرة المسيحية "المتحضّرة"، والحريصة على أن تكون وسطها، بعيدة عن محيط الأب المسلم.

كل هذا يأتي في سياق اشتغال جمالي، وكتابة مُكثّفة تعرف كيف تستغل الزمن السينمائي، وتستثمره لمعاينة محرّمات أخلاقية، في فيلم قصير واحد يقول الكثير، ويصلح أن يكون مثالاً على جودة صنعة فيلم عربي، يقارب موضوعات إشكالية بلغة سينمائية هادئة وسلسة، تجعل من التصادم الحاصل في مشهد البلدة اللبنانية المحافظة ممرّاً لتكريس ما ينبغي له أن يكون سوياً وعادياً.

في الفليبيني "أغابيتو" (15 د.)، لكايلا دانيل روميرو وأرفين بيلارمينو، هناك أيضاً شابة تتوسّط حكاية مكان، تتفاعل فيه حيوات شتى، وتتناقض. المكان: قاعة بولينغ، تديره الشابة ميرا (تمثيل مقنع لنور هوشماند). لا تتغير مواعيد العمل فيه، إلا في اليوم الأخير من كل شهر. هذا التغيير كثيراً ما يثير عند مُراهنين ردات فعل عنيفة، لعدم انتباههم إلى جدول أوقات العمل، فتحدث مشاكل وتصادمات، تسيطر عليها ميرا غالباً. من دون تأخير، يتّضح أن التغيير سببه زيارة أخيها المريض، العاجز عن الحركة، ذاك اليوم. مجيؤه يحوّل المكان إلى ساحة رقص مُتَخيّلة، يشارك الأخ فيها برفقة العاملين معها.

 

 

اشتغال المُخرِجَين على الجمع الرائع بين الرقص والسرد البصري، يفتح مشهد قاعة البولينغ المغلقة على آفاق رحبة من الفرح، لا حدود لها. ولأنهما لا يريدان أن يُجمّلا الواقع القاسي، الذي تعيشه ميرا، يقترحان لقطة واحدة لتجسيده بالكامل. ينهض الأخ من كرسيه، بمعونة زملائها، ويدحرج كرات بولينغ عدة نحو أهدافها. إحداها متأخرة، تعبر الممر وتصيب قدم أخته، المكلَّفة بجمع الكرات وترتيبها. إصابتها وصبرها على وجعها وندم الأخ العاجز، تنقلها اللقطة الأخيرة، وفيها تظهر متّكئة على الجدار، سائرة ببطء مصحوب بألم نحو الباب، لتكمل عملها من دون غضب.

"أغابيتو" (نجمة الجونة الذهبية لأفضل فيلم قصير) يقترح ضمناً، لجودة صنعته، نقاشاً حول تطوّر السينما الآسيوية، وأخذ مكانها المستحق في المشهد السينمائي العالمي.

لا غرابة في أن تأخذ السينما الأوروبية حصتها من مسابقة الأفلام القصيرة. الموروث السينمائي، الغني والطويل، والقدرة الإنتاجية المكلفة، يساعدان على تقديم أعمال تدنو بصرياً من أفلام روائية طويلة جيدة الصنعة. منجز البلجيكي دوريان جيسبرز، "لوينز" (25 د.، نجمة الجونة الفضية) أحدها. فيلم تاريخي مُشبع بترف الصنعة. وضوح حكايته هامشي عند كاتب نصه. يترك تفسير الجاري في محكمة صاخبة، تنعقد في القرن الـ19 في ليفربول الإنكليزية، للمُشاهد، بينما ينشغل صانعه برسم الأجواء الغرائبية السائدة فيها. قبلها، ينقل مشهد الافتتاح عملية سحب جثة رجل ميت من قاع واد سحيق. لا أحد في المحكمة يعرف اسم الميت، لكن الجمهور يدينه قبل انعقادها. الصخب والخلاف ينتهيان بالموافقة على منحه "لا اسم"، لكن الأمر يزداد تعقيداً حين تختفي الجثة من مكانها، فيُبحَث عن بديل لها. جثة رجل، تسقط من سقف المحكمة فجأة، تفي بالغرض.

رغم خلاف المدعي العام مع المحامي، ينتهي القاضي بالحكم على الجثة بالجرم، والإدانة. الغريب في النص السينمائي ربطه محكمة الماضي بالحاضر، بإضافة مشاهد قصيرة لمبانٍ وشخصيات تعود إلى الزمن الحاضر. أهناك ربط بين فوضى محاكم الأمس واليوم؟ هناك سخرية تتأتى من هذا التقارب الغريب، وتدعو إلى التفكير في مفهوم العدالة الأوروبية، بوصفها امتداداً لغرائبية وقائع محاكمة، ربما يعاد تكرارها في محاكم أوروبا اليوم.

المساهمون