أفلام عن المساحة: دعوة إلى التفكير

14 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:09 (توقيت القدس)
برج حمود: اكتظاظ سكّاني وعمارة كثيرة (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في الدورة العشرين لبرنامج Doc Screens، تم عرض تسعة أفلام قصيرة تجريبية تركز على موضوع المساحة، حيث تناولت التنظيم المدني، البيئة الحاضنة، والمساحة الرقمية وتأثيرها على المجتمعات.

- الأفلام مثل "Waterhood" و"Radius catastrophe" استكشفت العلاقة بين المساحة والبيئة الطبيعية، بينما "Drone Story" و"20240404" تناولت المساحة الرقمية وتأثيرها على الخصوصية والعلاقات الإنسانية.

- المخرجون دعوا إلى وعي مكاني أعمق، مسلطين الضوء على استغلال المساحة والعنف الكامن فيها، وأهمية التفكير في المساحة كعنصر حيوي في تشكيل واقعنا.

 

في برنامج Doc Screens، بالدورة 20 (9 ـ 19 سبتمبر/أيلول 2025) لشاشات الواقع في متروبوليس، عرضت تسعة أفلام قصيرة توصف، بتردّد، بأنها تجريبية. رغم تنوّعها وتباينها، على مستوى الجودة والنوع ومدى قدرتها على تحقيق أهدافها من التجريب، طغى موضوع المساحة في معظمها، ما يدفع إلى التساؤل عن الدافع الجامع إلى هذا، رغم المعالجات المتنوعة لمفهوم المساحة، وإعادة تعريفها في كل منها.

سبعة منها تناولت موضوع المساحة: توافرها وتسليعها وتعريفها، والاحتمالات الكامنة فيها، وغيرها. وتحت هذا العنوان العريض، يمكن تحديد ثلاثة عناوين فرعية، لتحديد كيفية تعامل المخرجين مع الموضوع: المُدني والبيئي والرقمي.

 

المساحة والتنظيم المُدني

أفلام They No Longer See the Land, but Square Meters لغسان حلواني (2021)، و Playtime Karantina لجينان داغر وأوسكار دي جيسبرت (2024)، وBourj Hammoud: The Value of the Existing لأرين وبانوس أبراهاميان (2025)، تتناول المساحة منصّة مُدنية خانقة، شكلت المجتمعات، ثم أصبحت سلعة بحدّ ذاتها.

يستند حلواني إلى ورقة بحثية أجراها فريق "استديو أشغال عامة" (منظمة تعنى بالعدالة في التخطيط المُدني). فيلمه حوار بين المواطنين والليبرالية، يبدأ بلقطات لمواقع بناء، وطول مدّته، تهيمن المباني على تكوين الإطار، فتنقل إلى المُشاهد إحساساً بالاختناق من هذه الغابة الإسمنتية التي لا مفر منها، بل إنها تستهلك كل شيء، وتستمر في النمو.

شخصية المواطن رجل في بداية العقد الرابع من عمره، ينتمي إلى الطبقة المتوسطة، يظهر في شقته فقط وهو يغسل الأطباق، أو مستلقياً على الأريكة في غرفة جلوس مظلمة. تنتقل الكاميرا إلى الخارج، لكن لتراقبه من النافذة المسوّرة وهو يقف في مطبخه. المبنى الذي يقطنه محاط بمبانٍ أخرى. السماء زرقاء، والمساحات الخضراء لا تشغل سوى ثلث الإطار، ما يجعله يبدو كسجين في هذه الغابة الإسمنتية.

شخصية النظام الليبرالي تسرد الفيلم أيضاً، فتقول: "(المواطن) لا يدرك أن قيمة حياته تتناقص باستمرار مع ارتفاع قيمة الأرض التي يشغلها". تبدأ رسوم متحركة في الظهور على الشاشة، تقيس حوض المطبخ وقيمته، بينما يغسل المواطن الأطباق. بهذا الفعل البسيط، يفكّك الفيلم واقعنا المادي. في حين أنه مجرد حوض عادي بالنسبة إلى البعض، يوجّه الفيلم انتباهنا إلى تسليع المساحة: قُسّمت كل مساحة إلى متر مربع (من هنا جاء اسم الفيلم)، ولكل متر مربع سعره.

مسألة التنظيم المدني، أو عدم وجوده، يتناولها أيضا فيلم الثنائي أبراهاميان، بينما يركز حلواني على تسليع المساحة، وسباق الاستيلاء على الأراضي، يتعامل أبراهاميان مع المساحة على أنها أرضية للتجديد، وحاضنة للمجتمع.

 

 

يستند الفيلم بدوره إلى بحث أجرته المخرجة أرين، يأخذنا في جولة عبر أحياء برج حمود، المكتظّة بالسكان والعمران، ليركز على ثلاثة معالم تقترح أرين تجديدها، وإعادة تأسيسها، لتسترجع مكانها مساحات ثقافية ومجتمعية. أحد هذه المعالم CAHL، مركز أرمني يهتم بذوي الاحتياجات الخاصة، قدّم لعقود خدمات إلى أهل المنطقة، لكنه الآن بات مهجوراً. يطرح الفيلم إعادة تنشيط المساحة، إلا أنه يُظهر أيضاً كيف يمكن للتخطيط غير المنظّم أن يعطّل الحياة المجتمعية. مثلاً: إلى الجهة الشمالية من CAHL، يخترق جسرٌ (طريق الاستقلال) الحيَّ بشكل مباشر. في الجهة المقابلة، يطغى الازدحام العمراني على المشهد.

على غرار فيلم حلواني، يسلط فيلم أبراهاميان الضوء على هيمنة العمران، بتقسيم الإطارات، من خلال لقطات جوية وأخرى واسعة، فيعرض واقع الاكتظاظ في برج حمود: الأسلاك التي تغطي السماء، الشرفات التي تبعد بضعة أمتار عن بعضها البعض، الضجيج المتواصل، وما إلى ذلك. يؤكد الفيلم على ندرة المساحة، وقدرة الناس على التكيّف مع هذه الندرة. يقول الراوي: "(السكان) يستخدمون الشوارع امتداداً لمنازلهم". كما يظهر الفيلم أن الحدّ الفاصل بين المساحتين العامة والخاصة ليس واضحاً، معظم الأحيان، إذ تتحوّل المساحة إلى أرضيّة واحدة، يخلق فيها الاكتظاظ صلة جديدة بالنسيج المُدني.

كما يقترح فيلم داغر ودي جيسبرت إعادة تشكيل العلاقة مع النسيج المُدني. الفيلم نفسه يسلّط الضوء على الحياة المجتمعية التي تتشكّل نتاجاً للتخطيط المدني، وندرة المساحات، تحديداً المساحات المخصّصة للعب الأطفال في حي الكرنتينا. معظم اللقطات لأطفال يلعبون: يتدلون من أغصان الأشجار، يتسلقون الشاحنات المتوقّفة على جانب الطريق، يدحرجون عجلة سيارة، أو يلعبون كرة القدم في الشارع، بينما تمرّ السيارات. إلى جانبهم، قطعة أرض مفتوحة تُستخدَم موقف سيارات، ولا يُسمح لهم بدخولها إلا في عطلة نهاية الأسبوع، وأيام الأعياد.

بالتالي، يصوّر الفيلم المساحة على أنها ملعب في غابة إسمنتية، أو بيئة عمرانية. وبينما ينتقد في البداية ندرة المساحات الخضراء، وواقع لعب الأطفال في شوارع الحي، يطرح وجهة نظر معاكسة تقارب المدينة أو المساحة العمرانية بصفتها ملعباً كبيراً، تصبح فيه المباني والأعمدة والأشجار وما إلى ذلك جزءاً منه، ما يسمح للأطفال بالتواصل المباشر مع بيئتهم المعيشية.

 

المساحة: البيئة الحاضنة

سلّطت هذه الأفلام الثلاثة الضوء على ندرة المساحات العامة والخاصة، تحديداً ندرة المساحات المخصصة للمجتمعات البشرية. لكنّ أفلاماً أخرى في البرنامج نفسه قاربت المساحة بما هي بيئة حاضنة للمجتمعات البشرية وغير البشرية: Waterhood لشربل صموئيل عون وRadius catastrophe لجاد يوسف (الفيلمان إنتاج 2024).

فيلم عون، المُصوّر بكاميرا هاتف، يتتبع مسار المياه من نهر بيروت، وعبر المدينة. أحد المشاهد اللافتة لقطة لمجرى المياه في نظام الصرف الصحي، بينما تمرّ السيارات فوقه. وُضعت الكاميرا/الهاتف في قناة الصرف الصحي لمشاهدة المياه الآسنة تتدفّق وتتابع مجراها، بينما تشير ظلال السيارات وأصواتها إلى أننا موجودون فعلاً تحت طريق رئيسي. بهذا المعنى، تصبح المياه عنصراً خفياً في الحياة المدنية، وتشغل مساحة في بيئتنا المعيشية.

تشير اللقطات المختلفة للمياه، كتدفقها من الجدار المتعفّن إلى نهر بيروت الجاف، إلى واقع المياه المنسي. يتحدى الفيلم مبدأ "إذا لم نره، فهو غير موجود"، ويطرح الواقع غير المرئي لنظامنا المائي. بلقطاته، يجعل الفيلم المياه بطل الرواية، الذي نتبعه من المصدر إلى الوجهة، وهذه خطوة تتجاوز أهمية المياه إلى ما وراء الفيلم، وتعيد تشكيل موقعه، بوصفه عنصر خلفية في حياتنا، إلى شخصية أساسية، نشاركها مساحاتنا المعيشية. بهذا المعنى، يأخذ مصطلح المساحة هنا إطاراً تعريفياً جديداً، وهذا نطاق جغرافي لا يشغله البشر حصراً.

فيلم يوسف يستخدم أيضاً هذا التعريف، فيأخذ المشاهد في رحلة عبر لقطات جوية للساحل الشمالي للبنان، والأنهار والمناطق الصناعية المهجورة، بينما يركّز عون على التقاطع بين القوى الصناعية والحياة البشرية، يروي يوسف قصة عميل فضائي يأتي إلى الأرض للتحقيق في جريمة قتل. في الرحلة، يوسّع نطاق تحقيقاته، ليتجاوز القضية الأساسية، ويتشعّب في العوامل البيئية التي أنتجت جريمة كهذه. يظهر الفيلم لقطات مستودعات ومحطات الوقود المهجورة، والمنازل والمنشآت الصناعية، والكلاب الضالّة المُصابة، والأنهار التي تتدفّق بقوة في ما يبدو أنه مرفق مائي. لقطات تشير إلى العنف الكامن في هذه المساحة، الذي ربما كان سبب جريمة القتل.

 

 

ما يوحي به الفيلم إذاً الترابط بين نوعية الحياة والوضعين المعيشي والنفسي للإنسان. فالمكان العنيف يولّد حياة وأشخاصاً عنيفين. أي أن المساحة، في سياق الفيلم، عامل فاعل في إنتاج العنف.

 

المساحة الرقمية

العلاقة بين العنف والمساحة تبرز أيضاً في فيلم Drone Story للورا ميناسا (2025): تُعرّف المساحة في الإطار الرقمي، وتطرح أسئلة حول تجسّد المساحة، والتوتر المستمر على الحدود الفاصلة بين المادي والرقمي، المرئي وغير المرئي، العام والخاص.

يتناول الفيلم مسألة الوجود الدائم للمسيّرة الإسرائيلية، المعروفة بـ MK، في المجال الجوي اللبناني. يتردّد صوتها المألوف كل الفيلم، بينما تتابع الشخصيات أعمالها اليومية الروتينية. يحوّل الفيلم السماء إلى ساحة مراقبة، تستخدمها المسيّرة لتحوّل حياتنا إلى شيفرة، ترسلها إلى المشغّل. فجأة، أصبحنا جميعاً ننظر إلى السماء لا للتأمل بل لتوخي الحذر لما تحويه. لم تعد السماء نفسها، التي كنا نرسمها في طفولتنا وتتوسّطها شمس ضاحكة وطيور تحمل الأمل، بل أصبحت سقفاً يطاردنا، ويراقب كل تحركاتنا، ويستهدفنا. هذه السماء الزرقاء الكبيرة أصبحت الآن تهديداً يمكن أن يرمي غضبه علينا في أي وقت. المراقبة تدخّلٌ في الخاص، أي أن التعدّي على الخصوصية أصبح سلاحاً يستخدمه الكيان كسلاح ضد شعب برمّته. بهذا المعنى، لم تعد المساحة وجوداً مادياً يتحرك فيه الفرد، بل أصبحت متشابكة مع الافتراضي والمتخيّل.

بالمثل، يطمس فيلم 20240404 لسرايا سلوان حمود (2024) تلك الحدود، إذْ تجذبنا المخرجة إلى مساحتها الخاصة، ليندمج عالمنا بعالمها. تتّحد المخرجة بالشخصية الرئيسية، إذْ تلمّح المخرجة إلى أننا نشاهد شاشتها الشخصية عبر صور شخصية لها. هذه المساحة، التي يُفترض بها أن تكون خاصة، أصبحت الآن مجالاً مشتركاً للجميع، فنرى المخرجة تدوّن أفكارها الحميمة، وتستعرض مكتبة صورها، وتغوص في متاهة الإنترنت. تجبرنا على الشعور بأننا نتلصّص عليها وهي تقوم بهذا الفعل الخاص جداً.

بينما اعتدنا في يومياتنا على عدم النظر خلسة في شاشة هاتف شخص آخر، تفتح حمود عالمها على مصراعيه، كما لو أنها تكشف سراً صغيراً، وتشاركنا هذه المساحة الرقمية الخاصة، بضعها علناً أمام الجمهور. وبينما المسيّرة دخيل، تجعل حمود من الجمهور نفسه دخيلاً في فيلمها.

يزداد تطفّل المُشاهد مع انطلاق الموسيقى ممّا يبدو أنه مكبّر صوت في الغرفة التي تجلس فيها الشخصية، وهذا يزيد إدراكنا بمحيط الشخصية. تكشف هذه العناصر عن حالتها النفسية، حتى ولو كانت غير مرئية.

مرة أخرى، تتلاشى الحدود بين المساحتين الافتراضية والمادية.

 

خاتمة

إذاً، أخذ موضوع المساحة حيّزاً أساسياً في هذه الأفلام. تعامل مخرجوها معها باعتبارها عاملاً حاضراً في واقعنا المعاش. وسواء كانت المساحة مستغلة أو مادية أو مرئية أو رقمية، تدعو الأفلام إلى وعي مكانيّ على المستويات كافة: أن نعي أكثر وجودنا في المساحة، ما نحتلّه، مع من نتشاركه، العنف الكامن، وتجاربنا الفردية أثناء تنقلنا بين الخاص والعام.

 

(*) في الدورة 20 (9 ـ 19 سبتمبر/أيلول 2025) لشاشات الواقع، التي تُنظّمها جمعية متروبوليس ـ بيروت، أقامت سينماتيك بيروت ورشة للنقد السينمائي في السينما المعاصرة، نتجت منها مقالات عدّة، منها ثلاث تنشرها "العربي الجديد"، للمساهمة في نشاطٍ ثقافي سينمائي شبابي. والورشة مُقامَة بإشراف حرمون حميّة والمنذر الدمني ومهدي عواضة، من فريق سينماتيك بيروت.

المساهمون