"أسنان لبنيّة": انسيابية في سرد قسوة وآلام

09 يناير 2026   |  آخر تحديث: 08:42 (توقيت القدس)
"أسنان لبنيّة": ملامح الموجة الرومانية الجديدة (الملف الصحافي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "أسنان لبنية" يعكس مبادئ الموجة الرومانية الجديدة من خلال الواقعية الصارمة والبساطة الشكلية، ويركز على اختفاء الطفلة ألينا وتأثيره على الشخصيات، مما يتيح التأمل في مشاعرهم وتجاربهم الداخلية.
- تدور الأحداث في نهاية الحكم الشيوعي برومانيا، مسلطاً الضوء على تأثير اختفاء ألينا على عائلتها، خاصة أختها ماريا، التي تواجه عالماً مضطرباً وتعيد تشكيل حياتها.
- يوجه الفيلم نقداً للسلطة لعدم جديتها في التعامل مع الاختفاء، ويبرز هشاشة المؤسسات وتأثيرها على الأفراد، مؤكداً الالتزام بالواقعية والصدق.

سهلٌ على المتلقّي الحاذق، أو العليم بتاريخ السينما الأوروبية، التقاط منطلقات ملامح الموجة الرومانية الجديدة، المتجلّية بوضوح في "أسنان لبنيّة" (Milk Teeth) الروماني (2025)، لميهاي مينكان (مخرج وسيناريست وصحافي). والفيلم، الذي ينهل من تقاليد تلك الموجة، ببساطته الشكلية، وواقعيته الصارمة، معروض أولاً في قسم "آفاق"، بالدورة الـ82 (27 أغسطس/آب ـ 6 سبتمبر/أيلول 2025) لمهرجان فينيسيا السينمائي، المخصّص بأفلام تمثل تيارات سينمائية جديدة، وتقدّم مقاربات تعبيرية مبتكرة في اللغة والأسلوب. وهذا سار عليه "أسنان لبنيّة"، المشارك في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، بالدورة الثامنة (16 ـ 24 أكتوبر/تشرين الأول 2025) لمهرجان الجونة السينمائي، مؤكداً حضوره في خريطة السينما الفنية المعاصرة.

أحداثه من الأيام الأخيرة لحكم النظام الشيوعي بزعامة نيكولاي تشاوتشيسكو، بتسليط الضوء على اختفاء الطفلة ألينا (لارا ماريا ألكسندرا كومانسكو)، عبر أختها الكبرى ماريا (إيما إيوانا موجوش)، ذات الأعوام العشرة، التي تعيش مع عائلتها ببلدة رومانية صغيرة حياة عادية، تبدو مستقرة من الخارج. اختفاء أختها يخلخل هذا الاستقرار، ويُحدث فراغاً يصعب على أفراد الأسرة التعامل معه، أو تفسيره.

مع هذا التحوّل، تضطرّ ماريا إلى مواجهة عالم، لم يعد واضحاً كما قبلاً. تراقب فوضى الكبار، وانكسار العلاقات في المنزل. بذلك، تتغيّر حياتها كلّياً، إذْ تصبح التفاصيل الصغيرة أهم، والأماكن المألوفة غريبة، والحوارات بين الأفراد مبتورة وغير مفهومة، ومحمّلة بمعان جديدة ومتوارية. لذا، تجهد في فهم ما يجري حولها، بعينيْ طفلة لم تستوعب الحادثة الكبرى، التي جعلت العالم مضطرباً حولها.

يتتبع الفيلم المسارات الداخلية للشخصيات، مع تداخل مشاعرها وعواطفها، ونمو الانفعالات نتيجة الخوف والحيرة والترقّب والضياع. في هذا السياق، تعيد ماريا تشكيل حياتها وفق منظور جديد، يتجلّى في علاقتها بذاتها ومحيطها الاجتماعي. بذلك، يحافظ الفيلم على قسوته، بعدم تقديم إجابات واضحة وشروحات مباشرة لما حدث، تاركاً المجال لتعدّد التأويلات، وتفسير الأحداث من المتلقي.

كريستيان مونجيو في مهرجان "كانّ" 2017 (أندرياس رنتز/ Getty)
سينما ودراما
التحديثات الحية

بذلك، يعانق مينكان بوضوح منطلقات الموجة الرومانية الجديدة، بالتزامه بعناصرها، كتوظيفه الواقعية الصارمة، التي عكس فيها الحياة اليومية لماريا، بأسلوب خال من المبالغات الدرامية والقوالب السينمائية المعتادة، مُحاكياً التفاصيل العادية في سلوك الشخصيات، وتفاعلاتهم اليومية. كما ركّز على حدث مركزي واحد، أي اختفاء الطفلة، من دون إكثار أحداث ثانوية، أو تورّط في بناء سردي مُعقّد، مُكتفياً بهيكل بسيط وواضح، ما ترك مساحة أكبر للتأمل في مشاعر الشخصيات، وتجاربهم الداخلية.

كما اعتمد لقطات طويلة وثابتة، صمّمها مدير التصوير جورج تشير ليليمات، ما عزّز المشاعر القلقة للمُشاهد، التي تتقدم ببطء وواقعية. من ثم، نقل الضغوط النفسية التي تعيشها الطفلة الى المشاهد العادي، ووضعه في مواجهة مباشرة في سياق التجربة الواقعية. اعتمد أيضاً الضوء الطبيعي، لتعزيز الصدق البصري، وجعل الأحداث أقرب إلى اليومي العادي.

أخلاقياً واجتماعياً، وجّه "أسنان لبنية" نقداً لاذعاً إلى السلطة، لعدم جدّيتها في التعاطي مع مسألة الاختفاء، والإشارة ضمناً إلى تورّط جهات نافذة في الحادث، مصوّراً حالة اليأس واللامبالاة لدى أفراد الشرطة، ما يعكس هشاشة المؤسّسات، وتأثيرها المباشر على حياة الأفراد العاديين.

بهذا الأسلوب، قدّم ميهاي مينكان تجربة عميقة، تتداخل مع السياق الاجتماعي والسياسي، مؤكداً الالتزام بجوهر الموجة الرومانية الجديدة في الصدق والواقعية والملاحظة الدقيقة للإنسان في مواجهة الظروف الصعبة. كما كشف عن هشاشة العلاقات الأسرية، والضغوط المجتمعية في زمن متحوّل، من دون إصدار أحكام مباشرة على الشخصيات والوقائع. بهذا، عانق بحرارة كبيرة منطلقات الموجة الرومانية الجديدة وأساسياتها، بشكل جدي وجاد، لإيمانه العميق بجدواها الفنية، وصدق تعابيرها، وحسن تعاطيها مع المتغيرات العالمية.

"أسنان لبنية" أكبر من أن يكون عن اختفاء طفلة في ظروف غامضة، لأنه صيحة عميقة عن الفساد السياسي والأخلاقي والاجتماعي، الذي حدث في تلك المرحلة، والطفلة ألينا المختفية ستار تختبئ خلفه آلاف الحالات المشابهة، التي تغطي كل الأعمار والفئات والاتجاهات. بهذا، وثّق مينكاي، أو أعاد إحياء مواجهة جديدة، لدى الرومانيين، ولدى كل منطقة ودولة ومجتمع يُحكم شعبه بالحديد والنار، فالمآسي لا تتحملها الضحية مباشرة فقط، لأنها جراح مُعدية، تنتقل من فرد إلى آخر، ومن جيل إلى جيل، فتتصل مع الزمن.