أسامة عبد الفتاح... الغناء ما قبل الحرب العالمية الأولى
استمع إلى الملخص
- أسس عبد الفتاح "فرقة التراث الموسيقي العربي" وقدم عروضاً مثل "فونوغراف وشاي"، حيث يدمج الأداء الحي مع التسجيلات القديمة، مما يوفر تجربة موسيقية تجمع بين الماضي والحاضر.
- يركز عبد الفتاح على نقد السياسات الثقافية التي أثرت سلباً على الموسيقى العربية، مشدداً على أهمية الوعي بالتاريخ الموسيقي واستخدام التكنولوجيا بوعي للحفاظ على القيم الثقافية.
في زمن يشهد استسهالاً وسرعة في إنتاج الموسيقى عالمياً وعربياً، وفي ظل تدهور حاد للأحوال المعيشية والأمنية والسياسية في لبنان والمنطقة، يبقى هناك حيز، وإن كان صغيراً، لمدّ صلات ما بين حاضرنا المتردّي ثقافياً وماضينا الغنيّ، أملاً في خلق استمرارية لما أسسه أجدادنا، حين كانت الهوية العربية الموسيقية حاضرة وذات صوت مسموع ومقدّر. هو ماض لا يبدأ مع "الزمن الجميل"، أو "زمن العمالقة"، كما هو متعارف عليه إعلامياً، بل يعود إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى، وهي الفترة الزمنية التي سيصحب الفنان أسامة عبد الفتاح زوّاره في رحلة إليها، عبر تسجيلات موسيقية عربية تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
"الأرشيف يغنّي" هو اسم العرض الجديد للموسيقي وعازف العود أسامة عبد الفتاح، الذي سيستضيفه مسرح مترو المدينة في بيروت غداً الثلاثاء. يقدّم الفنان عرضاً سردياً حول تاريخ الموسيقى العربية التقليدية، وانتقالها من حلقاتها الحميمة ورواجها الشعبي إلى عصر التوثيق والتسجيل، بدءاً مع تطوّر الصناعة الموسيقية، ودخول اختراع الفونوغراف والأسطوانة الشمعية، ثم أسطوانات (أقراص) الفينيل وما تلاها من تكنولوجيا. اهتمام عبد الفتاح بذلك نابع من رسالة شخصية تكوّنت لديه خلال سنوات دراسته الأكاديمية لعلوم الموسيقى والتربية الموسيقية تحديداً، ومن ثم عمله في مجال الأرشفة، إذ لاحظ أن المعلومات حول تاريخ الموسيقى العربية متاحة للباحثين فقط، وتكون متوفّرة لتلامذة المدارس وطلّاب المعاهد الموسيقية. من هنا، تولّد لديه حافز لخلق جسور معرفية، من خلال حصص التدريس لطلّابه من الهواة والمحترفين، على حد سواء، كما لدى جمهوره من خلال العروض التي يحييها موسيقياً، أو من خلال مشاركته في مشاريع موسيقية متنوّعة.
يحمل أسامة عبد الفتاح بكالوريا في مجال العزف على آلة العود التقليدي من المدرسة الموسيقية في الجامعة الأنطونية في لبنان، وهو حاضر في المشهد الموسيقي اللبناني والعالمي عزفاً وغناء. وفي الوقت نفسه، كانت فكرة إعادة بث الموسيقى وإحيائها تأخذ أشكالاً متنوعة لديه من خلال ورش العمل الموسيقية والدراسة الأكاديمية. تلك الفكرة مرّت بمحطات متعددة في لبنان وخارجه حتى عام 2019 في بيروت، حيث قدّم عبد الفتاح عرضاً بعنوان "فونوغراف وشاي" استضاف فيه الحضور مع فناجين من الشاي الدافئ، كأنما هم في زيارة منزلية، ثم قدّم لهم نماذج من تسجيلات موسيقية قديمة مع نُبذ حولها، إضافة إلى تقديمها حيّة بطريقته الخاصة.
يشير عبد الفتاح إلى فترة دراسته الجامعية، بوصفها بذرة تُكوّن تلك العروض، إذ كوّن مع عدد من زملاء الدراسة مجموعة باسم "فرقة التراث الموسيقي العربي"، كانت الموشحات والأدوار العربية صلب اهتمامهم؛ إذ دأبوا على حفظها وتقديمها بتأويل وصياغة جديدة أمام الجمهور. بعد "فونوغراف وشاي"، انتقل العرض لخشبة مترو المدينة، تحت عنوان "جلسات من غير خشخشة" في إشارة إلى التسجيلات مطلع عشرينيات القرن الماضي التي كانت تبدأ بصوت يقول "أسطوانات من غير خشخشة"، ذلك حين بدأ عصر التسجيل الكهربائي، ما ضمن ثباتاً أكثر للصوت من دون تشويش (خشخشة)، ولا سيما صوت المغنّي الذي صار لديه ميكروفون مخصص لانفراده بالغناء. كان عبد الفتاح يخطط حينها لأن يقدّم حلقات متتالية من الجلسات من دون الخشخشة تلك، إلا أن خشخشة أكبر طغت على صوت الموسيقى مع أحداث ثورة الشارع اللبناني في ذلك العام، وما تلاها من انهيار اقتصادي، الأمر الذي حال دون استمرار العمل.
مع انتشار فيروس كورونا الذي رافقه حجر صحي، دخلت الفكرة في سبات دام سنوات ثلاث، قبل أن يُكسر بعرض قدّمه عبد الفتاح في باريس بعنوان Les Archives chantant، وها هو اليوم يعود بدعوة من مترو المدينة لإعادة تقديمه في بيروت.
_______________
يتحدّث أسامة عبد الفتاح عن فكرة عروضه التشاركية تلك فيقول: "عندما نفهم تاريخنا يمكننا أن نقدّم نقداً بنّاء لما مرّت به موسيقانا تاريخياً، ومن ثم نرى ما يمكننا القيام به حيال ذلك. فالتردّي الذي أصاب الموسيقى عبر الزمن هو أمر تأثرت به جميع الفنون والآداب وميادين الحياة عموماً".
ولا تقف المسألة عند إدراك مكامن الضعف لدى المشهد الموسيقي اليوم، بل الوعي لسياسات شركات الإنتاج التابعة لسياسات الدول الكبرى وتنفيذ أجنداتها في بلادنا؛ فالاستعمار الجغرافي يبدأ مع استعمار الفكر. الحديث عن الاستعمار الفكري والغزو الثقافي هو أمر يحرص أسامة عبد الفتاح على إثارته في عروضه في لبنان وفي أوروبا، فيشارك الحضور معلومات حول سياسات التسويق والإنتاج لدى الشركات المهيمنة، وأساليبها التلاعبية منذ بدء عصر التسجيل الصوتي، كأن ترفع شهرة مطرب وتسقط آخر، أو أن تنشر مفاهيم سلبية من خلال أغان ذات محتوى فارغ. كما أن تلك الشركات فتحت باباً سهلاً كان يسمح لأي كان بصرف النظر عن معرفته الموسيقية أن يسجّل أسطوانة، تماماً كما يحدث اليوم في عالم مواقع التواصل الاجتماعي التي فتحت منابر مجانية للجميع وتصنع أسماءً لأفراد يقدّمون محتوى لا قيمة له.
يقول عبد الفتاح إن "سهولة الوصول إلى آلات التسجيل استغلها المستعمر لبث أفكار في بلادنا مسّت بالقيم وبالدرجة الأولى القيم الموسيقية. لشركات الإنتاج العالمية غايات ربحية وفي الآن نفسه سياسية لها علاقة بالسيطرة على بلادنا، من خلال التحكّم باقتصادها وأسواقها، لذا مقابل أهمية التطوّر التكنولوجي وضرورته لإنتاجنا الموسيقى وتوثيقها جيّداً، لا بدّ أن نفهم كيفية الاستفادة من مواكبة العصر بوعي تام لمواجهة أهداف السياسات العالمية".