أسئلة كثيرة والتوثيق واحدٌ: "غزة غراد" يُدمّرها فاشيون
استمع إلى الملخص
- يعتمد الفيلم على أسلوب بصري بسيط دون مؤثرات موسيقية زائدة، مما يعزز من تأثير المشاهد العاطفي ويظهر اللحظات الدرامية بصدق.
- يعكس الفيلم واقع الشتات الفلسطيني المستمر، حيث تظل ذكريات الوطن حاضرة في حياة العائلة، مما يبرز التحديات المستمرة للفلسطينيين في الشتات.
عائلةٌ فلسطينية (آل عاشور)، مؤلّفة من أربعة أفراد، تخرج من قطاع غزّة، فتجد في روسيا ملجأ، لأنّ الأم (آنا عاشور) روسية. لكنّ فولغوغراد (جنوب روسيا الأوروبية) غير ملائمة للشقيقتين الشابتين دنيا وليزا، فتُقرّران إقامةً في القاهرة، لقربها من غزة، ما يُتيح لهما عودة سريعة إليها فور إعلان وقف حرب الإبادة الإسرائيلية.
دنيا بداية "غزة غراد" (2025) لسوسن قاعود، المعروض في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة، في الدورة 13 (30 أكتوبر/تشرين الأول ـ 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2025) لمهرجان وهران الدولي للفيلم العربي. فالتسجيل، الذي تصنعه بهاتفها الخلوي (لوغو "الجزيرة". إنتاج الجزيرة الوثائقية ومشاهد للإنتاج الفني، بالتعاون مع رم بكتشرز)، يُقدِّم الحكاية كلّها، إذْ تقول، بإنكليزيتها المبسّطة، ما يعكس أحوالاً جغرافية راهنة، مُطعّمة بقهرٍ وألمٍ لكونه مرآة ذاتٍ أيضاً: "أعيش في غزة"، تُلحقها بتأكيد على مغادرة المنزل قبل أيام: "أعيش في تل الهوى"، بعد فقدانها منزلها، ووالدتها تفقد مكان عملها. تقول إنّها متمكّنة من إنقاذ كلبها، لكنْ، "لسوء الحظ، لم أستطع إنقاذ قططي الثلاث". عند الوصول إلى ما يُفترض به أنْ يكون حيّزاً "آمناً"، لم يكن لدى العائلة سوى سيارة الأب ـ الزوج، غسان: "أعتقد أنّ كلّ شيء بعد هذه الحرب لن يبقى كالسابق عليها". بنبرة هادئة وغاضبة بصمتٍ قاسٍ، تقول إنّها غير عارفة إنْ تكن، هي دنيا، التالية التي ستغادر، أو التي ستموت.
المقصود بالبداية صورةٌ تختصر شيئاً من واقع الحال الفلسطيني: شاشة سوداء. أصوات نساء يتبادلن أحاديث هاتفية، ستكون نتيجتها إعلان إحداهن (المخرجة قاعود؟) رغبتها في تصوير ـ تسجيل الحكاية، ليُعرَف الحاصل في غزة. مدخل (ثوانٍ قليلة)، معطوفٌ عليه صوت الدرون، يحدِّد مسار نصٍّ وثائقي، بعد تحديد العنوان (غزة غراد) نواته الأساسية: "غراد" مستلّة من اللغة الروسية، ولاحقاً يُعرَف سبب اختيار المفردة، فآنا تقول، في لحظةٍ، إنّ الفاشيين يُدمّرون ستالينغراد (التي تُصبح لاحقاً فولغوغراد)، "والآن غزة (ستكون) ستالينغراد الجديدة"، مُنهية جملتها بـ"لم يبق شيءٌ". لاحقاً، تذكر آنا أنّ أهلها لاجئون قديماً أيضاً، وأنّها ستُصبح مع ابنتيها لاجئات، "لأنّ زوجي فلسطيني".
مسائل عدّة تُطرح مواربة، في كلامٍ يُقال: الهوية، الانتماء، الهجرة، العنف، التربية، العلاقات الأسرية، البحث عن ذات خارج الأسرة، إلخ. لكنّ هذا غير مباشر، فالنواة الدرامية متمثّلة بالحاصل في غزة من حربٍ وتهجير بنيّة الاقتلاع (نحو 20 دقيقة من أصل 77)، والمسائل تلك تُطرح إلى جانبها. الأهمّ توثيق "غزة غراد" حكاية كلّ فرد من آل عاشور، باحتيال بصري غير متكلِّف وغير متصنّع، كأنّ النص (كتابة قاعود ونتالي الجعبة) معنيّ بإبراز سيرة العائلة، وعبر ذلك سيرة قطاعٍ وشعبٍ، إذْ تُلخِّص آنا، قبيل الختام، واقعاً فلسطينياً، بقولها لغسان إنّ الحاصل مع الفلسطينيين والفلسطينيات معروفٌ، وإنّه "نصيبكم (قدركم)"، فأخواته مُقيمات في أميركا والكويت والأردن، أي أنّ "قدر" الفلسطيني التشرّد، كما يبوح غسان بنبرة أقرب إلى غليان صمت، وألم إدراك.
غسان نفسه خائف، فإقامته وآنا في فولغوغراد تتزامن وتوترات إقليمية، ستؤدّي إلى اندلاع حرب بين روسيا وأوكرانيا: "إلى أين سنذهب، حينها؟ نحتاج إلى طرفٍ ثالث لنذهب إليه" (كل كلام يُقال بلهجة غزيّة، وفي بعضه نغمٌ مصري، واللغة الروسية حاضرة، بينما آنا تُتقن العربية فتتكلّم بها أيضاً).
دنيا وليزا في مقتبل عمرٍ شبابيّ، لكنّهما تعيشان حرباً، فتبحثان عن خلاصٍ، رغم ارتباط عاطفي بغزة. ترغبان في العودة إليها، لكنّ راهنهما يحتاج إلى استقرار، بل إلى ما يُشبهه، على الأقل. "تفرحان" حين تدخلان شقّة ستكون لهما في القاهرة، وتتذكّران أنّهما توّقتان إلى استقلالية عن الأهل، لكنّهما تستدركان سريعاً أنّ تحقيق هذا يُفترض به ألّا يرتبط بالحرب. تبحثان عن منفذٍ، كغسان وآنا ربما. لكن ثقل الذاكرة الجميلة (أمام صُور فوتوغرافية قديمة، يتذكّر الوالدان أياماً حلوة لهما في غزة) غير رحيمٍ.
سينمائياً، يُنجز "غزة غراد" بأبسط المفردات البصرية ـ السمعية. التصوير (أمجد رياض) غير متكلِّف، لاكتفائه بمرافقة كلّ شخصية في مسار حياتي يُصنع راهناً. يلتقط نبضاً جغرافيّاً أيضاً، عبر كلامٍ لإحدى الشقيقتين، وفي تخزين لقطات شبه صامتة مع شرودٍ أو تأمّل أو نظرات. المأزق أنّ الموسيقى (ميكساج وموسيقى وليد الهشيم) تُقلِّل من مغزى لقطات كهذه (وغيرها)، ومن قوّة معانيها المحمّلة فيها. فلقطات عدّة تمتلك تأثيرها من دون أي عاملٍ خارجِ عنها، ما يعني عدم حاجتها إلى محفّزات موسيقية لزيادة الانفعال، وهذا يُسيء إلى اللقطات نفسها، وإلى ما فيها من زخمٍ عاطفي وأحاسيس بشرية عفوية وصادقة، كما في لحظات وداع ـ توديع واستقبال، وتأمّل في حيّز يُشبه سكينة مطلوبة، أو في صمتٍ يعمّ غرفة في منزل.
هذا يطرح سؤال الموسيقى في النتاج الوثائقي، والروائي أيضاً، إذْ يعمد سينمائيون وسينمائيات، عرب (كثرة) وأجانب (قلّة)، إلى استخدام مؤثّرات موسيقية (كثيرة أحياناً) لإشاعة جوٍّ متعاطف مع لحظة درامية، تمتلك غالباً مفردات التأثير والانفعال والتعاطف، أو ربما عكس هذا كلّه.
لا علاقة للملاحظة بالموسيقى نفسها. فمقطوعات عدّة، تُضاف إلى لقطات ولحظات، مشغولة بجماليات فنية وتقنية جاذبة، أحياناً. المسألة محصورة بعدم حاجة اللقطة ـ اللحظة الدرامية إلى أي نغمة أو لحن أو آلات موسيقية بتنويعاتها، لما فيها (اللقطة ـ اللحظة) من قوة بصرية، على السينمائي والسينمائية إتقان إخراج ما فيها من جماليات وتأثيرات، بعيداً عن كلّ محفّز خارجها. ألنْ يكون تسجيل أصوات طبيعية في لقطات كهذه، بتفاصيلها وهدوئها ـ ضجيجها (تنفّس، أصوات مياه وريح وحركة أناس وسيارات، والبعض القليل للغاية من هذا موجود لكنْ بخفر شديد) أجمل وأعمق وأفضل؟
الشتات الفلسطيني غير منتهٍ. هذا تقوله آنا، ويوافق غسان، ضمناً، عليه. الحرب بدورها غير منتهية، لأنّ وقفاً للقتل لن يُلغي في الذات الفلسطينية قهر الخراب الذي يُلاحقها، في الجغرافيا الأصلية، وفي بلدان اغترابات متلاحقة. لقطات عدّة، وإنْ تكن قليلة، تعكس شيئاً من هذا، بعيداً عن المُباشر. "الغصّة" نادرة، لكنّ دمعاً يُبلّل عيناً، وهذا نادر أيضاً. فـ"غزة غراد" معنيّ أكثر باللاحق على المُقدَّم بصرياً، وهذا مهمّ.