أزقة بلفاست تتبدّل: زينة الميلاد تروي ما لم تُخْفِه الذاكرة
استمع إلى الملخص
- سوق الكريسماس في بلفاست يعكس التنوع والانفتاح الثقافي، حيث يبرز الكشك اللبناني كرمز للتعددية، ويجذب السوق أكثر من مليون زائر سنويًا منذ انطلاقه في 2004.
- الأزقة الضيقة في بلفاست تحولت من مسارح للاضطرابات إلى مساحات مزينة بأجواء عيد الميلاد، مما يعكس قدرة المدينة على التحول وتضميد جراحها.
كلما عدتُ إلى بلفاست أكتشف أن سحرها لا يتكرر بالطريقة نفسها، بل يعيد تشكيل نفسه في كل زيارة. هذه المدينة تملك قدرة غريبة على الجمع بين زمنين لا يفترض أن يلتقيا: مبانٍ قديمة تحمل أثر التاريخ وأخرى معاصرة تقف بثقة إلى جانبها من دون أن تلغيها. مطاعم وحانات تعود إلى قرون مَضَت، لكنّها تعيش وسط حياة حديثة لا تتوقف. شيءٌ في بلفاست يجعل الزائر يشعر وكأن المدينة تتغيّر باستمرار، مع البقاء وفية لجوهرها. ومع حلول موسم عيد الميلاد، يزداد هذا الشعور وضوحاً، كأن المدينة تختار هذا الوقت تحديداً لتقول إنها لا تزال قادرة على مفاجأة من يعرفها جيداً.
ومن قلب هذا المزج بين الذاكرة والحاضر، يبدأ المشهد الأكثر حضوراً في المدينة خلال الشتاء.
سوق الكريسماس.. احتفال يتجاوز فكرة التسوّق
في الأزقة المزدحمة من سوق الكريسماس في بلفاست، تكتشف أن الأمر يتجاوز التسوّق تماماً. أطفال يركضون نحو الألعاب الدوّارة، وكبار يطوفون بين الأكشاك بحثاً عن طعام يحمل نكهة الميلاد وكؤوس المشروبات الساخنة تتحرك بين الأيدي كأنها جزء من لغة الشتاء هنا.
وسط هذا التنوع، يلفت الانتباه الكشك اللبناني الذي يقف بثقة بين المطابخ الأوروبية: شاورما وفلافل وحمّص وخضار طازجة بألوان دافئة. لم يكن مجرد كشك طعام، بل حضوراً ثقافياً في مساحة احتفالية عالمية وواحداً من شواهد كثيرة على أن بلفاست تعيش توجّهاً واضحاً نحو الانفتاح والتعدّدية.
ورغم أن المشهد يوحي بأن السوق تقليد قديم في حياة المدينة، فإن الصحافة الأيرلندية والبريطانية تشير إلى أن انطلاقته الأولى كانت عام 2004 بفعالية صغيرة تضم 28 كشكاً داخل حدائق مبنى البلدية. بيد أنّها تحوّل اليوم إلى واحدة من أبرز الفعاليات الشتوية في المملكة المتحدة، مع أكثر من مائة كشك من نحو 30 دولة واستقبال أكثر من مليون زائر سنوياً، والأهم أن الدخول مجاني للجميع. لكن السوق لا تروي وحده قصة المدينة. فبجانب الاحتفالات، تقود التفاصيل إلى طبقات أعمق من الذاكرة.
ممرات بلفاست بين الذاكرة والزينة
بعيداً قليلاً عن الساحة، تقود الأزقة الضيقة إلى وجه آخر للمدينة: وجه لا يشبه الأضواء بقدر ما يشبه الذاكرة. هذه الممرات التي تُزيَّن اليوم بأغصان الصنوبر وأجراس الميلاد وكريات الزينة، كانت في الماضي تُعدّ مناطق متوجّسة خلال سنوات الاضطرابات، أو بحسب ما تعرف هناك أيام "الترابلز"، الصراع الذي عاشته بلفاست بين السبعينيات والتسعينيات. كثير من هذه الأزقة كان يُنظر إليه بوصفه ممرات هروب أو ملاجئ مؤقتة أو مناطق لا يمكن عبورها إلا بحذر. اليوم تغيّر المشهد تماماً؛ الجداريات على الجدران أصبحت جزءاً من ذاكرة فنية جديدة، والمباني القديمة لم تعد مرتبطة بالخوف بل تزدان بأكاليل عيد الميلاد وتستقبل الزوار بطمأنينة.
وعلى مقربة من تلك الأزقة، تظهر لافتة صحيفة "بلفاست تلغراف" على جدار حجري قديم. ليست مجرد علامة لمكتب صحافي، بل شاهد على واحدة من أهم مؤسسات المدينة الإعلامية التي رافقت الحرب والسلام ودوّنت سنوات الخوف والانقسام، مثل ما تواكب اليوم حياة المدينة المزدهرة. وجود اللافتة وسط زينة الشتاء يذكّر بأن بلفاست لا تزيّن شوارعها فقط، بل تزيّن أيضاً سرديتها: مدينة لا تنكر ماضيها، لكنها تعيد روايته بنبرة مختلفة.. أكثر هدوءاً وقدرة على التسامح مع نفسها. وكلما تقدّم الزائر أكثر، يتّضح أن التحوّل ليس سطحياً، بل يمتد من الأزقة إلى الرموز المعمارية الكبيرة في المدينة.
بلفاست.. مدينة تتذكّر وتحتفل
فعند التعمق أكثر، يظهر كيف يتجاور الماضي البعيد مع الماضي القريب في مشهد واحد. ففي الجهة القديمة يقف McHugh’s Bar (بار ماك هيوز) داخل واحد من أقدم المباني الخشبية المحفوظة في بلفاست منذ بدايات القرن الثامن عشر. وعلى الضفة الأخرى من الزمن، يبرز فندق يوروبا. فندق من سبعينيات القرن الماضي اكتسب لقب "الفندق الأكثر استهدافاً بالقنابل في أوروبا" خلال سنوات الصراع، قبل أن يتحول اليوم إلى واحد من أكثر الفنادق ازدحاماً بالزوار.
وبخطوتين خارج الأزقة والسوق، يظهر مسرح دار الأوبرا الكبرى بواجهته المزخرفة ولونه الأحمر الذي يضيف طبقة بصرية من الحنين إلى المشهد.
ودائماً تبقى فكرة صغيرة في الذهن ونحن نبتعد عن بلفاست، صوت يقول إن المدن لا تُقاس فقط بما بقي من حجارتها أو ما شهدته من تحوّلات، بل بقدرتها على تضميد نفسها. بلفاست نجحت في تحويل أماكن كانت يوماً مسرحاً للخوف إلى مساحات لقاء واحتفال. وربما يكون هذا هو معنى عيد الميلاد هنا.. أن يجد الناس مساحة مشتركة مهما اختلفت قصصهم.