"350 غرام"... حكايات ثانوية من دون أفق درامي

"350 غرام"... حكايات ثانوية من دون أفق درامي

05 مايو 2021
الصورة
المسلسل من بطولة عابد فهد (فيسبوك)
+ الخط -

حتى مطلع النصف الثاني من حلقات المسلسل الدرامي المشترك، "350 غرام"، الذي يشارك في سباق الموسم الرمضاني الحالي، لم نكن شهدنا أية تطورات ترفع من وتيرة العمل وإيقاعه. يغرق العمل، لمخرجه الأردني محمد لطفي، ومؤلفته الكاتبة السورية ناديا الأحمر، في مشكلات جمة، تشمل معظم عناصره البنائية. إذ نجد حلقات مستهلكة زمنيًا، لم توظف معها أية حكاية أساسية تفتح لخطوط متوازية، تخلق عملية الصراع بشكله السليم، وتدفع بالقصة نحو الأمام.

حكايات ثانوية، كان بالإمكان إيجازها بعدد حلقات أقل، من دون اللجوء لفتح مسارات بعيدة، لا تمتلك الدفق الدرامي المناسب لخلق الأحداث وأزماتها. الحكاية الأولى تنطلق من عند ياسمين (كارين رزق الله)، زوجة المحامي نوح الريس (عابد فهد). تتورط ياسمين بطفل إزاء علاقة تعرضت فيها للاغتصاب، قبل زواجها من نوح، ثم يكتشف الأخير تبعات هذه العلاقة، والطفل الذي تم إيداعه في دار الأيتام، فيسعى للتخلص منه عبر افتعال حريق في دار الأيتام، وإخفاء الطفل في مكان مجهول.

الغاية من هذه الحكاية لفت الانتباه إلى مدى قوة ودهاء شخصية "المخلّص" (لقب نوح الريس) والمقدرات التي يتمتع بها. بالطبع، هناك أزمة مؤجلة لم يكشف عن خيوطها بعد بين الزوجين تجاه هذه الأحداث. وهنا، نستشف المماطلة والرتابة اللتين يغرق فيهما المسلسل طوال مدة الحلقات العشر الأولى، التي ترافقها حكاية وأزمة أخرى تلاشت أصداؤها، وكل ما يرتبط بها منذ الحلقة الأولى، حيث تتعلق بقضية مقتل فارس ابن زعيم المافيا فايز الأشقر (سلوم حداد) على يد عصابة مافيا أخرى لم نعرف عنها شيئًا بعد سوى اسم زعيمها "أبو عامر الشماع". ثم لا نلبث أن ندخل بحكاية أخرى، ترتبط بفادي، الابن الثاني لفايز الأشقر، والذي سيخضع لمحاكمة بتهمة قتل زوجته يتولاها نوح الريس.

ولا تختلف حكاية مقتل ابن الزعيم وقضية ابنه الثاني عن حكاية زوجة المحامي من الناحية السردية.

حكايتان تفتقران للحشو والصدمة اللتين وظّفا فقط في ملء الخط العام للسيناريو على حساب عدد الحلقات ومساحتها. وقد زاد من سعة الفراغ الدرامي غياب الصراع بين الشخصيات، وجمود المشاهد التي ظهرت باهتةً، وخلقت بدورها خواءً في عمليات التصوير والإنتاج البصري أمام اللوكيشينات الغريبة وغير المألوفة، بحكم أن عمليات التصوير جرت في بعض المناطق في مدينة أبوظبي، ما خلق شعورًا عامًا زاد من شلل الحكاية وخيّم على مناخها الهدوء والملل.

سينما ودراما
التحديثات الحية

في الطرف الآخر من هاتين الحكايتين، تتصاعد حكاية مؤثرة وناجحة استلمت زمام الأمور، وخلقت حدثًا دراميًا فاعلًا، يملأ الفراغ العام في السيناريو، ويحافظ على بعض التشويق والتفاعل الغائبين في عالم الأثرياء. قصة حب من طرف واحد يقودها سليم الراعي (الممثل السوري طارق الصباغ) الذي برع في تقديم دور الشاب الحساس والجبان الذي يكنّ مشاعر دافئة لجارته ليلى (الممثلة اللبنانية ستيفاني عطا الله) الفتاة الأرملة التي تعامل سليم بكل قسوة وإجحاف. هذه الثنائية خلقت إيقاعًا خاصًا بها. سمحت ببناء مسار خاص للأحداث والشخصيات الثانوية في هذا الحيز من القصة العامة، بشكل أكثر ضبطًا وتأثيرًا على المشاهد مما تفعله باقي الشخصيات الرئيسية التي سبحت في فلكها الخاص، من دون أن تقدم أو تؤخر، إلا بما يتلاءم مع توزيع الأحداث، ولا سيما عابد فهد الذي، وإن كان البطل الرئيسي في العمل، مُنِحَ كامل الاهتمام ليستولي على العمل ويمتصه على حساب باقي الأبطال. وقد بدا واضحًا على فهد حجم المجهود المبذول ومحاولاته الظاهرة لسلخ أدائه التقليدي المعتاد في أعماله، اعتمادًا على صفات الشخصية البطلة وسلوكها بحكم موقعها الوظيفي، فتسبب بخلل ظاهر يجعل من هذه الشخصية صعبة التصديق والتفاعل، على عكس شخصية سليم الذي قدم دوره بشكل لافت ومقنع. شخصية سليم محورية، تصب عندها رسالة النص وغايته. وبالرغم من أنها شخصية ثانوية، غير أنها فتحت المجال لخلق توازن كان مؤجلًا في عملية تناسق الأحداث والحبكات.

 فبعد توبيخ ليلى الشديد لسليم وإيداع الأخير بالمشفى إثر محاولة انتحار فاشلة، تتضح القصة أكثر فأكثر، ولا سيما عندما يتعرض نوح الريس لوعكة صحية مفاجئة تستدعي إجراء عملية زراعة قلب من قبل أحد المتبرعين، وهو حدث لم يمهد له بالشكل السليم. بل جاء مفاجئًا ليوقظ حكاية جديدة، كما لو أنه زرع عمدًا لينقل الأحداث إلى جهة معاكسة تمامًا من دون سابق إنذار، لتتقاطع حينها الخيوط في ما بينها، فتثمر عن خلطة درامية فاعلة ومؤثرة انتشلت الحكاية من متاهاتها وشللها. فنصبح أمام إيقاع مختلف، يحرّك مسار الأحداث والشخصيات الجامدة. إيقاع يُنذر بكسر الرتابة المسيطرة على العمل وعلى حياة الشخصيات وعلاقاتها بعضها ببعض، ويفتح المجال لشخصية نوح الريس بتقديم نكهة مختلفة سماتها تتقاطع مع سمات شخصية سليم الذي ينتهي دوره عند تبرعه بقلبه.

فقصة محامٍ قوي الشخصية وذكي وداهية، تنقلب حياته وأحاسيسه رأسًا على عقب، عندما سيحظى بقلبٍ يعود لشخص ضعيف وحساس، ستجعل الأحداث تدخل في إطار من التشويق والإثارة، إذا ما وظفت بشكل ملائم في قادم الحلقات.

المساهمون