"الناعمات" يواجهن الطهرانيّة الأميركية: لماذا هذا الضجيج كلّه؟

23 سبتمبر 2020
الصورة
ميمونة دوكوري (الرابعة من اليمين) مع "ظريفات" فيلمها الأخير (ستفان كاردنيالي/Corbis/Getty)
+ الخط -

لكلمة "مينْيونّ" (Mignonnes) معانٍ عدّة باللغة الفرنسية: ناعمات، جذّابات، ظريفات. تُقال للأطفال خاصة، وأحياناً لفتاة ناعمة أو جذّابة، من دون أنْ تكون جميلة حقاً. اليوم، باتت عنواناً لفيلمٍ يُثير جدلاً واسعاً، أخرجته الفرنسية السنغالية ميمونة دوكوري.

فمن هنّ هؤلاء "الظريفات"، اللواتي أثَرْنَ كلَّ هذا الضجيج؟

4 صغيرات يبلغن 11 عاماً، ويسكنّ ضاحية باريسية، ويشكّلن فريقاً للرقص، للمشاركة في مسابقة. من يَقُل ضاحية فرنسية، يقُل أصولاً متعدّدة لسكّانها، معظمها عربيّ وأفريقيّ. مُلخّصٌ للفيلم لا يُنبئ بكل ما أثير حوله من انتقاد لاذع، وهجوم حاد، وتهديد بقتل المخرجة. عُرض في مهرجانين دوليين عام 2020، فنال جائزة الإخراج في "مهرجان ساندانس السينمائي" (الدورة الـ36 بين 23 كانون الثاني/ يناير و2 شباط/ فبراير)، وتنويهاً خاصّاً من لجنة تحكيم الـ"برليناله" (الدورة الـ70 بين 20 شباط/ فبراير و1 آذار/ مارس).

بدأت عروضه التجارية الفرنسية في 19 آب/ أغسطس الفائت. لم يعترض أحدٌ عليه، لا جمعيات حماية الأطفال، ولا الجمعيات النسوية التي تُسمِع صوتها عندما يتعلّق الأمر بجسد المرأة، بل حصل الفيلم على دعمٍ وتمويل من فرنسا، لتناوله فتياتٍ ينشدن "التحرّر" من سيطرة التقاليد. الجدل بدأ مع إعلان المنصّة الأميركية "نتفليكس" عرضه على شاشتها في 9 أيلول/ سبتمبر الجاري، بملصق دعائي للفتيات في وضعية الرقص، إذ اتُّهمت بالتحريض على "ممارسة جنس الصغار (بيدوفيلي)". اعتذرت المنصّة، وسحبت الملصق. لكنّ الاتّهامات لم تتوقّف، واعترضت الطهرانية الأميركية على استغلال الفيلم للفتيات الصغيرات، وإظهارهنّ كسلعة جنسية. بدأ جمع تواقيع على عريضة لمقاطعة المنصّة، فأصدرت "نتفليكس" تصريحاً لـ"وكالة الصحافة الفرنسية" وصفت الفيلم فيه بأنّه اجتماعيّ، وبأنّه ضد إضفاء طابع جنسي على الأطفال، وبأنّه يُبيّن هيمنة المظاهر وشبكات التواصل الاجتماعي على الصغار.

عند عرض الشريط الدعائي لـ"مينْيونّ" في صالة سينمائية في باريس، ضمن إعلانات عن عروض مقبلة، لم يُثِرْ أدنى رغبة في حضوره. لكنّ الجدل الذي شغل العالم (منعت تركيا عرضه أيضاً)، والفرق، الكبير والمثير للانتباه، في النظرة إليه بين فرنسا وأميركا، أثارا فضولاً لمُشاهدته.

الصغيرة فتحية يوسف (أو فاتيا، كما يُلفظ)، التي تؤدّي الدور الرئيسي، تلفت الانتباه بإجادتها فيه. آمي (تصغير أمينتو) تصل إلى حيّ جديد مع والدتها وأخويها الصغيرين، بانتظار وصول والدها من السنغال. تنبهر في يومها الدراسي الأول بـ4 فتيات، شقراء وسوداء وسمراوين، يتميّزن عن الأخريات بلباسٍ لا يليق بصغيراتٍ في عمرهنّ، مكشوف من الأعلى والوسط عند السُرّة والأسفل (هذا ممنوع في المدارس الفرنسية، عادة). يزداد انبهارها، هي الصامتة الخجولة، عندما تراهنّ يتدرّبن على الرقص في منطقة منعزلة خارج المدرسة. عندها، يبدأ التحوّل الأكبر للشخصية التي كانتها: فتاة مطيعة، ترافق أمّها إلى دروس الدين. هذا حاصل قبل معرفتها بتحضيرات أمها لمجيء الزوج/ الأب مع زوجته الجديدة من السنغال، الذي ربما كان سبباً إضافياً أدّى بها إلى الذهاب بعيداً في اندفاعها إلى الانضمام إلى الفتيات المشاغبات المشاكسات.

 

 

العلاقة بين الأب واندفاع آمي إلى الفتيات غير ظاهرة مباشرة، لأنْ لا مؤشّرات في السيناريو ولا في أسلوب الإخراج تفسّر أو تعطي مبرّرات درامية كافية لما حصل لها. فحبّ الرقص والتدرّب عليه شيء، والاستهتار غير المتوازن شيء آخر. كلّ ما أبدته المخرجة (كاتبة السيناريو أيضاً) محاولات آمي للانخراط في الفرقة، والاستعداد للمسابقة بصحبة "الظريفات". ولتحقيق هذا، لا شيء يردعها: السرقة، رمي صديقتها في النهر، الكذب، تصوير أجزاء حسّاسة من جسدها وبثّها على "فيسبوك"، هوسها بالحركات المثيرة لرقصة الـ"تويرك" الحسّية، وبحثها عنها في هاتف محمول سرقته. بهذا، تجاوزت رفيقاتها وأدهشتهنّ بأفعالها. كأنّ شيطاناً مسّها، كما فسّرت الشيخة الأمر، الذي بدا "أوضح" من تفسير السيناريو.

السيناريو باهت، وهذا مؤسف. ففكرة الفيلم الأول لميمونة دوكوري، أي تحوّلات طفلة صغيرة تنتمي إلى أسرة مسلمة وبيئة متدينة في أجواء جديدة مفتوحة، يُمكن استغلالها ومعالجتها سينمائياً بشكلٍ أفضل وأعمق. مع أنّ البداية واعدة، مع وصول العائلة إلى المنزل الجديد، ودرس الدين، والانبهار بالجديد والمغاير لكلّ ما اعتادته الصغيرة، وهذا يُخمّنه المُشاهد، إذْ لا يُعرف شيءٌ عن ماضيها.

يكتفي "مينّيونّ"، تقريباً، بتدريبات الرقص، وخلافات الظريفات اللواتي لم يسعَ السيناريو إلى التعريف بهنّ، خاصّة أنهنّ بَدَوْنَ على حدّة بلباسهنّ وسلوكهنّ، مقارنةً بالتلميذات الأخريات في باحة المدرسة. حصل هذا فقط في حديثٍ مُختصر بين آمي وأنجيليكا، حين تقول هذه الأخيرة (وهذا يبدو من سلوكها على أية حال) إنّ أهلها ينظرون إليها كمجنونة. فتيات يبدون من تصرّفاتهن غير متوازنات نفسياً، لكنْ لا شيء عن ظروفهن وحياتهن وأجوائهن البيتية وأسباب سلوكهن الخالي من أدنى احترام للجميع.

فراغ السيناريو دفع الإخراج إلى تعبئة الفيلم بالرقص. رقص طفلات في الحادية عشرة من أعمارهنّ، بحركات مبتذلة وموحية جنسياً، تبدو مُسيئة وصادمة، ومملّة أيضاً بسبب تكرارها. تبرير دوكوري أنّ كلّ هذا الجيل يعرف رقصة "تويرك" ويُشاهدها على الـ"نت" بدافع الفضول، لا يعني أنّ إدانتها وإدانة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال تتمثّل (الإدانة) بتكرار مَشاهدها بهذا الشكل.

كان يُمكن أن يكون "الظريفات" فيلماً لافتاً للانتباه لأسبابٍ أخرى، كأداء الصغيرات، وفكرته الأساسية عن تمزّق فتاة صغيرة بين تقاليد محافظة لأسرتها المسلمة، ورغبة في الانطلاق، ومجاراة زميلاتٍ لها.