"الشّفق" السوري: ثقل الموسيقى يحول دون متعة المُشاهدة

23 أكتوبر 2020
الصورة
الأخوان ملص في "الشفق" السوري: تبادل الأقدار (الملف الصحافي للفيلم)
+ الخط -

 

مُحقِّقٌ في فرعٍ للمخابرات السورية في دمشق يستجوب معتقلاً بخصوص تظاهرة الأمس، التي يجهد المُحقِّق في معرفة اسم منظّمها. يقترح تبادلاً للموقعين، فيُصبح هو مُعتقلاً، والمعتقل محقِّقاً أمنياً، بل رئيساً للبلد، يُقلِّد نبرته وصوته وحركة وجهه، في تماهٍ مُخيفٍ بين ضحية وجلّاد. اللعبة موفَّقة. المحقِّق (ينكشف موقعه لاحقاً، فإذا به مجرّد رجل أمن عادي)، يمارس مهنته بتسلّط هادئ، لكنّ دلالاتٍ عدّة تشي بشيءٍ مبطّن من سخريةٍ، يريدها فيلمٌ قصير بعنوان "الشّفق" (2020، 25 دقيقة)، للفرنسي روميو دو ميلو مارتان، في تحيّة سينمائية متواضعة لمثقفين وفنانين سوريين، يتعرّضون لبطش النظام الأسديّ منذ بداية الحراك المدنيّ السلمي العفوي.

فالفيلم ـ المقتبس عن مسرحية "الثورة غداً تؤَجَّل إلى البارحة" للأخوين السوريين محمد وأحمد ملص (اللذين يؤدّيان الدورين الرئيسيين فيه) ـ يبدأ بكلامٍ مكتوبٍ، يُفيد بأنّ "السلطات السورية في دمشق" تعتقل بعض هؤلاء "إثر تظاهرهم ضد نظام بشّار الأسد"، في 13 يوليو/ تموز 2011. تظاهرة يريد الضابط عمر (أحمد ملص) معرفة منظِّمها من المعتقل علي أبو جورج (محمد ملص). لكنّ غرفة التحقيق ـ النظيفة والمرتّبة والهادئة، كنظافة الضابط وترتيبه وهدوئه الذي يشوبه بعض غضب وصراخ ـ تُصبح مسرحاً لانقلاب أقدار، بل للعبة انقلاب أقدارٍ، أو لسخريةٍ لن توفِّر أحداً.

وإذْ تظهر صُور فنانين يُطاردهم النظام الأسديّ حينها، موضوعة على طاولة المحقِّق، فإنّ سرد مقتطفات مختصرة من سِيَر مي سكاف وحسان حسان وفدوة سليمان، في نهاية الفيلم، يعكس ميل "الشّفق" إلى رسم ملامح لحظة تاريخية، يُشكّل هؤلاء الثلاثة أحد علاماتها الأساسية في مواجهة آلة القتل الأسديّ. وفي مقابل إعلاء شأن السخرية في علاقة الضحية بجلّادها، يتمكّن علي أبو جورج من مواجهة جلاده بخطابٍ أو سخرية أو تحدٍّ أو تلاعبٍ، يوافق عمر على بعضه، وينصاع له برغبةٍ في تحقيق المطلوب، فتبرز المرارة المبطّنة في كلامٍ أو تعبير أو سلوك، لن تتمكّن السخرية من إخفائها.

 

 

القصّة، البسيطة والعادية، تُترجَم واقعياً كلّ يوم: مُحقِّق يريد معرفة أمرٍ ما لإعمال بطشه بحقّ متظاهرين سلميين. صورة بشّار الأسد في غرفة التحقيق تتحوّل إلى آلة قتل بفضل نظراتٍ تشي بكثيرٍ من همومٍ ومتاعب وضغوط. حكاية علي أبو جورج مع الأسد الابن (عند لقائه في حشد شعبي، ورغبته في إلقاء السلام عليه، وخوفه منه)، تختزل ـ بكلماتٍ قليلة وبنبرة هادئة تتحايل لتقول مخفيّاً ببعض السخرية ـ شيئاً كثيراً من وقائع العيش في "جمهورية القتل". المخرج مارتان يكتفي بمسائل قليلة لسرد تلك الحكاية البسيطة والعادية، بينما يقول النصّ وتقديمه التمثيلي غلياناً وتحدّيات.

"الشّفق" غير مدّعٍ. تواضعه السينمائيّ لن يُخفي بعض هنات، أبرزها الحضور الكثير للموسيقى في كلّ لحظة، إلى حدّ أنّها (الموسيقى) تكاد تفصل بين النصّ وحكايته ومناخه الدرامي، والمُشاهدة. التوثيق جزءٌ من تفسيرٍ مطلوبٍ، وإنْ يكن التفسير غير سينمائيّ، إذْ يبقى أسير المعلومة المباشرة. والتوثيق، الذي يحتاج إليه مُشاهِدٌ غير مطّلع (رغم انعدام أهمية أمرٍ كهذا، فكلّ فيلمٍ دافع إلى الاطّلاع والمعرفة، إنْ يهتمّ مُشاهدٌ باطّلاع ومعرفة)، يتمثّل بكتاباتٍ عن أحداثٍ، يستوحي الفيلمُ منها تفاصيل ومراجع، وعن شخصياتٍ غير ظاهرة فيه، وإنْ يُذكر اسم مي سكاف كـ"مُنظِّمة لتظاهرة الأمس".

ثقل الموسيقى يمنع كلّ متعةٍ يُمكن الإحساس بها أثناء المُشاهدة. مع هذا، يبقى "الشّفق" شهادة عن وقائع، وسرداً لحكايات.

المساهمون