71 مليار دولار من الصفقات.. أرقام تخفي هشاشة الاقتصاد الإسرائيلي
استمع إلى الملخص
- ارتفع متوسط حجم الجولات التمويلية إلى 10.5 ملايين دولار، لكن عدد الصفقات تراجع بنسبة 22%، مما يعكس أزمة ثقة بين المستثمرين وهشاشة القطاع، حيث تُستخدم الاستثمارات في المراقبة والتجسس والتطبيقات العسكرية.
- رغم النجاحات الصورية لقطاع التكنولوجيا، يعاني الواقع الاجتماعي والاقتصادي من أزمات، حيث ترتفع تكاليف المعيشة وتتسع الفجوات الاجتماعية، مما يعكس تناقضًا بين صورة "الأمة الناشئة" وواقع اقتصادي غير عادل.
بالرغم من الضجة التي تثيرها إسرائيل حول صفقات الاندماج والاستحواذ القياسية في قطاع التكنولوجيا لعام 2025، والتي بلغت نحو 71 مليار دولار، فإن هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة قوة اقتصادية حقيقية بقدر ما تكشف اعتمادًا مفرطًا على قطاع واحد مرتبط بالأمن والصراع. ووفق صحيفة "جورزاليسم بوست"، فإن ارتفاع متوسط حجم الجولة التمويلية إلى 10.5 ملايين دولار، وتسجيل صفقات ضخمة، ليس سوى مؤشر على اقتصاد يضخّم نجاحاته في مجالات محدودة، بينما يعاني من تراجع حاد في عدد الصفقات وتراجع ثقة المستثمرين.
هذا المشهد يطرح تساؤلات جوهرية: هل تمثل هذه الأرقام دليلاً على "معجزة تكنولوجية"، أم أنها مجرد واجهة براقة تخفي اقتصادًا هشًّا يقوم على العسكرة وتصدير أدوات السيطرة بدل الابتكار المدني المستدام؟
وعلى الرغم من التباطؤ، ارتفع متوسط حجم الجولة التمويلية إلى 10.5 ملايين دولار، وهو رقم قياسي يزيد بنسبة 50% عن العام الماضي، ما يشير إلى أن المستثمرين يركزون على عدد أقل من الشركات ولكن بمبالغ أكبر. شهد قطاع التكنولوجيا في إسرائيل نشاطًا قياسيًّا في صفقات الاندماج والاستحواذ عام 2025، حتى مع تراجع التمويل الخاص، وفقًا لتقرير "ستارت أب نيشن سنترال" للربع الثالث استنادًا إلى بيانات "فايندر".
رأس المال الخاص الذي جُمِع في الربع الثالث 2.4 مليار دولار، بانخفاض 38% عن الربع الثاني عند استثناء جولة تمويل "سيف سوبر إنتليجنس" البالغة ملياري دولار. وتقلّص عدد الصفقات إلى 141 صفقة، بانخفاض 24% عن الربع السابق و38% على أساس سنوي.
أما صفقات الاندماج والاستحواذ فقد روت قصة مختلفة، فقد سجّل الربع الثالث صفقات بقيمة 31.8 مليار دولار موزعة على 31 عملية، تتصدرها صفقة استحواذ "بالو ألتو نتووركس" على "سايبر آرك" مقابل 25 مليار دولار، وهي ثاني أكبر صفقة استحواذ في تاريخ إسرائيل. كما شملت صفقات مهمة أخرى استحواذًا بقيمة ملياري دولار على "فيرينت سيستمز". وسيطر قطاع الأمن السيبراني على عمليات الخروج، حيث شكّل 58% من القيمة، مع صفقات مثل استحواذ "إيم سيكيوريتي" مقابل 350 مليون دولار و"فايندينغز" مقابل 305 ملايين دولار.
خلال الأرباع الثلاثة الأولى من 2025، جمعت الشركات الناشئة الإسرائيلية 11.9 مليار دولار من التمويل الخاص، بزيادة 13% عن العام الماضي، رغم تراجع عدد الصفقات بنسبة 22%. وقفزت صفقات الاندماج والاستحواذ إلى 71 مليار دولار، أي ما يقارب خمسة أضعاف مستويات 2024، مدفوعة بصفقة "سايبر آرك" وصفقة بيع "ويز" مقابل 32 مليار دولار.
كما اكتسبت الطروحات العامة الأولية زخمًا، فقد جمعت "إيتورو" 700 مليون دولار في "ناسداك"، و"فيا ترانسبورتيشن" 493 مليون دولار في بورصة نيويورك.
وقال آفي حسن، الرئيس التنفيذي لـ"ستارت أب نيشن سنترال": "لقد أبرز الربع الثالث من 2025 سوقًا في مرحلة انتقالية. نرى جولات أقل، ولكن بأحجام قياسية، بينما يقوم المشترون العالميون برهانات جريئة على التكنولوجيا الإسرائيلية، خصوصًا في مجال الأمن السيبراني".
تكريس "اقتصاد الحرب" بدل الاقتصاد المدني
الطفرة في صفقات الاندماج والاستحواذ التي تهيمن عليها شركات الأمن السيبراني تكشف، بحسب Daily Sabah، أن النمو التكنولوجي الإسرائيلي يرتكز بشكل أساسي على الصناعات المرتبطة بالصراع والأمن أكثر من كونه اقتصادًا مدنيًّا متوازنًا. فبينما يُروَّج لهذه المشاريع باعتبارها "قصص نجاح"، فإن الواقع يشير إلى أن جزءًا كبيرًا منها يُستخدم في المراقبة والتجسس والتطبيقات العسكرية، خصوصًا في الأراضي الفلسطينية، ما يعكس نموذجًا اقتصاديًّا يعتمد على الحرب نفسها باعتبارها رافعة للنمو.
تشير "رويترز" إلى أن جولات التمويل في قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي انخفضت بنسبة 38% في الربع الثالث من 2025 مقارنة بالربع السابق، وهو ما يعكس أزمة ثقة بين المستثمرين. ورغم أن بعض الصفقات الضخمة مثل استحواذ "بالو ألتو نتووركس" على "سايبر آرك" بقيمة 25 مليار دولار ضخّمت الأرقام، فإن هذا التركيز المفرط على صفقات محدودة بدل دعم قاعدة واسعة من الشركات الناشئة يسلّط الضوء على هشاشة القطاع ويثير تساؤلات حول استدامة النمو.
وفقًا لتقرير نشرته "جاكوبين" في وقتٍ سابق، فإن إسرائيل تستخدم الفلسطينيين مختبرًا ميدانيًّا لتجربة تكنولوجيات المراقبة والأمن، قبل تصديرها عالميًّا. شركات مثل NSO و Pegasus أصبحت رموزًا لهذه السياسة، إذ طوّرت تقنيات للتنصت واختراق الهواتف استُخدمت ضد الصحافيين والنشطاء حول العالم. هذه الممارسات تجعل من النجاحات المعلنة في قطاع الأمن السيبراني إنجازًا مشكوكًا فيه، لأنها ترتبط بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
وفي الوقت الذي تحتفي فيه الحكومة الإسرائيلية بالأرقام القياسية لصفقات الاندماج والاستحواذ، يوضح Times of Israel Blogs أن هذه النجاحات الصورية تُخفي واقعًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا مأزومًا. فتكاليف المعيشة مرتفعة، والفجوات الاجتماعية آخذة في الاتساع، بينما لا تنعكس المليارات المتدفقة من الخارج على تحسين حياة معظم المواطنين، خصوصًا الفلسطينيين والعرب داخل إسرائيل. وهذا يعكس تناقضًا صارخًا بين صورة "الأمة الناشئة" المزدهرة وبين واقع اقتصادي غير عادل قائم على التفاوت.