استمع إلى الملخص
- تواجه قطاعات مثل الشحن والنقل والتعدين والتعليم العالي تحديات بسبب تراجع الطلب وارتفاع التكاليف، مما يؤثر على مستويات التوظيف ويزيد من الضغوط المالية.
- تشير هذه التحديات إلى مخاطر محتملة تحت السطح قد تؤدي إلى ارتفاع سريع في معدلات البطالة، مما يهدد استقرار الاقتصاد الأميركي العام.
يعيش الاقتصاد الأميركي هذا العام حالة مفارقة لافتة بين مؤشرات كلية تبدو قوية وقطاعات تشغيلية تظهر إشارات ضعف تتزايد ببطء. فبحسب البيانات الرسمية، سجل الناتج المحلي الإجمالي نمواً يفوق 3% في الربعين الأخيرين، بينما ظل معدل البطالة عند حدود 4.4%. وقال رئيس قسم الاقتصاد في مؤسسة "رينيسانس ماكرو ريسيرش"، نيل دوتا، في تحليل نشره "بيزنس إنسايدر"، إن هذه الأرقام تقرأ عادة على أن الاقتصاد الأميركي يبدو جيداً على السطح لكن تحت السطح، تلوح مخاطر خطيرة للغاية، ومن الأفضل تحديدها بوضوح بدل التغاضي عنها اعتماداً على مؤشرات كلية عامة.
وأضاف: "المشكلة في الاعتماد على البيانات الكلية هي أنها تبدو مستقرة عادة حتّى اللحظة التي ينهار فيها كل شيء. خذ مثلاً التحوّل في سوق العمل: في حالات الركود، تفترض التوقعات عادة أن البطالة ترتفع تدريجياً، مثل التباطؤ البطيء الذي نراه اليوم. لكن الخطر الحقيقي غير خطي. فعندما تنقلب الأمور فعلاً، يحدث ذلك بصورة مفاجئة، ما ينتج دائرة سلبية متسارعة"، وتابع: "فبدلاً من ارتفاع 0.1 % شهرياً، يقفز المعدل 0.2 % في شهر واحد ثم 0.3 % في الشهر التالي؛ فيتزايد عدد العاطلين بوتيرة سريعة. وتاريخياً، لا يلاحظ الخبراء هذا التحول إلّا بعد وقوعه، واستقرار الوضع الظاهري الآن لا ينفي إمكانية حدوث انعطافة خطيرة لاحقاً".
وعند التعمق في التفاصيل، بحسب دوتا، تصبح الصورة أكثر إزعاجاً. حتى وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت اعترف مؤخراً بأن بعض قطاعات الاقتصاد دخلت بالفعل في حالة ركود، قائلاً لـ CNN في مقابلة أوائل نوفمبر/تشرين الأول الجاري: "أعتقد أننا بوضع جيّد، لكن هناك قطاعات من الاقتصاد في حالة ركود"، ورغم أنه لم يذكر التفاصيل، فإنّ البيانات تشير إلى 4 قطاعات رئيسية توظف أعداداً كبيرة بدأت في إرسال أسوأ الإشارات:
1. العقارات السكنية
يرسل قطاع الإسكان السكني واحدة من أوضح الإشارات المقلقة داخل الاقتصاد الأميركي، إذ يشير تراكم المخزون من المنازل الجديدة غير المباعة إلى بداية مرحلة تباطؤ حقيقية في نشاط البناء. والارتفاع المستمر في عدد الوحدات السكنية الجاهزة التي لم تجد مشترين يجبر شركات البناء على خفض وتيرة إطلاق المشروعات الجديدة والتركيز على بيع المخزون القائم قبل الشروع في أي توسعات إضافية، وهو ما يتوافق مع الاتجاهات التي تظهرها بيانات تصاريح البناء، التي تعد مؤشراً سابقاً يظهر بوضوح ضعفاً قادماً في نشاط التشييد خلال الفصول المقبلة.
ووفق تقديرات مكتب التحليل الاقتصادي التابع لوزارة التجارة الأميركية، فإنّ الاستثمار السكني تراجع في الربعين الأخيرين، ما يعزز الفرضية القائلة إنّ دورة البناء الحالية لم تعد مدفوعة بالطلب الحقيقي، بل أصبحت متخمة بإنتاج يفوق قدرة السوق على الاستيعاب. وتكمن خطورة هذا الوضع في أن شركات البناء تحتفظ بعدد كبير من العمال يفوق مستوى النشاط الفعلي، إذ حافظت خلال الفترة الماضية على طواقم موسعة تحسباً لاستمرار الطلب المرتفع الذي ساد بعد الجائحة، إلّا أن مؤشرات السوق الحالية توضح أن هذا التوازن مهدّد بالتغير، ويؤكد دوتا أن استمرار هذا الفارق بين حجم العمالة ومستوى النشاط الفعلي يمثل وضعاً غير مستدام، وأن القطاع قد يشهد موجة تسريحات إذا لم يتعاف الطلب أو يتراجع المخزون بوضوح، الأمر الذي يجعل من ضعف قطاع الإسكان إحدى العلامات المبكرة التي تسبق عادة التحولات الكبرى في الدورة الاقتصادية الأميركية.
2. العقارات التجارية
يعيش قطاع العقارات التجارية في الولايات المتحدة مرحلة تباطؤ تمتد منذ فصول عدّة، بعدما كان لسنوات طويلة أحد أعمدة الاستثمار ونشاط التشييد. وتراجع الاستثمار في الأبنية التجارية لستة أرباع متتالية وفق بيانات الناتج المحلي، رغم طفرة بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وهو اتجاه يعكس حالة فتور واضحة في الطلب المستقبلي على المساحات المكتبية ومحال التجزئة والمرافق الصناعية.
ويظهر مؤشر فوترة المكاتب الهندسية والمعمارية، وهو أحد أبرز المقاييس التي تستشرف حجم الأعمال المقبلة، تراجعاً مستمراً في الطلب على خدمات التصميم خلال الأشهر الماضية، ما يشير إلى أن دورة البناء التجاري لن تشهد تحسناً ملموساً في العام المقبل. ووفق تقديرات مكتب التحليل الاقتصادي، فإنّ الإنفاق على الهياكل غير السكنية لا يزال دون مستويات ما قبل سنوات، وهو ما يعكس إحجام الشركات عن إطلاق مشروعات ضخمة في ظل ضبابية التوقعات الاقتصادية وارتفاع كلفة التمويل.
وتكمن خطورة هذا المسار في أن قطاع العقارات التجارية يعتمد على سلسلة واسعة من الوظائف، تمتد من التصميم والهندسة إلى المقاولات والعمالة المباشرة، وأي تراجع في التخطيط يترجم تلقائياً إلى تباطؤ في تنفيذ المشروعات، ومن ثم تراجع في الطلب على العمالة. وبحسب دوتا، فإن ضعف التخطيط الحالي يعني أن القطاع يتجه نحو مرحلة ركود وظيفي محتملة خلال الفصول المقبلة، وهو ما يجعله أحد أبرز مصادر القلق التي تهدّد البنية التشغيلية للاقتصاد الأميركي في هذه المرحلة الحساسة.
3. المطاعم
يعد قطاع المطاعم من أكثر القطاعات حساسية للتغيرات الاقتصادية، إذ يرتبط مباشرة بسلوك المستهلكين ومستوى إنفاقهم اليومي، وتظهر البيانات الأخيرة أن هذا القطاع بدأ يضعف بوضوح خلال الأشهر الماضية. وسجلت العديد من سلاسل المطاعم الكبرى تباطؤاً في نمو المبيعات، خاصة بين الفئات العمرية ما بين 25 و34 عاماً التي تعد المحرك الرئيسي للإنفاق على الطعام خارج المنزل، في وقت ارتفعت فيه تكاليف المدخلات الغذائية بنسب ملحوظة دفعت بعض الشركات إلى امتصاص جزء من الزيادات بدل تمريرها للمستهلك، ما أدى إلى تآكل هوامش الربحية وتعاظم الضغوط التشغيلية.
ووفق بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي، فإنّ إنتاجية العامل في قطاع الأغذية والمشروبات تراجعت مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يشير إلى وجود فائض في التوظيف داخل القطاع مقارنة بحجم الطلب الفعلي، الأمر الذي يجعل استمرار هذا المستوى من العمالة غير قابل للاستدامة على المدى المتوسط إذا لم يتحسن الطلب، كما أن ضعف المبيعات وتراجع الربحية ينشئ ديناميكية سلبية داخل القطاع، إذ تضطر الشركات إلى تجميد التعيينات، ثم إلى خفض الساعات، وربما تسريح العمالة لاحقاً إذا استمرت الضغوط، ويؤكد دوتا أن هذا التباطؤ ليس حادثاً عابراً، بل يمثل تحولاً هيكلياً في سلوك المستهلك الأميركي الذي أصبح أكثر حذراً في الإنفاق، خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتشديد شروط الائتمان، ما يجعل قطاع المطاعم من أبرز مصادر الضعف التي تضغط اليوم على البنية الاستهلاكية للاقتصاد الأميركي.
4. الحكومة
بدأت حكومات الولايات والبلديات الآن بمواجهة تحديات أشد مع انتهاء التمويل الاستثنائي الذي حصلت عليه خلال مرحلة ما بعد جائحة كورونا. فبحسب دوتا، فإنّ برامج الدعم المالي التي منحت الولايات قدرة على الحفاظ على مستويات توظيف مرتفعة بدأت بالنفاد، ما يضع الإدارات المحلية أمام خيارات صعبة تشمل تجميد التعيينات أو خفض العمالة لموازنة النفقات المتزايدة. ووفق بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي، فإنّ نمو التوظيف الحكومي تباطأ بوضوح خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً في إدارات التعليم المحلي وخدمات المدن، بينما تشير التوقعات إلى احتمال تسجيل خسائر وظيفية في بعض الولايات ذات العجز المرتفع.
كما تظهر تقديرات مالية منشورة أن العديد من البلديات تواجه فجوات تمويل ناجمة عن تباطؤ الإيرادات الضريبية وارتفاع تكاليف الخدمات، وهو ما يزيد احتمالات اللجوء إلى تقليص الوظائف أو إعادة هيكلة الإنفاق التشغيلي. وتعد هذه التطوّرات مقلقة لأن القطاع الحكومي كان تاريخياً صمام أمان يساهم في استقرار سوق العمل خلال فترات التباطؤ، أما اليوم فإنّ دخوله دائرة الانكماش يعني فقدان الاقتصاد أحد أهم مصادر التوازن في لحظة تتزايد فيها الضغوط على القطاعات الأخرى، ما يجعل تأثيره أكبر من حجمه الفعلي في هيكل الاقتصاد.
5. الشحن والنقل
انخفض عدد السفن القادمة من آسيا إلى الولايات المتحدة بنحو 30% مقارنة بالعام الماضي، كما تراجعت أحمال عربات السكك الحديدية بنسبة 6%، في حين تستمر قدرة قطاع الشاحنات في الانكماش مع انسحاب شركات صغيرة ومتوسطة من السوق بسبب ضعف الطلب وارتفاع التكاليف. ووفق بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي، فإنّ هذا التراجع انعكس على مستويات التوظيف في أنشطة النقل والتخزين، إذ تتقلص الحاجة إلى السائقين والعمال مع انخفاض حجم البضائع المنقولة. ويعد هذا التراجع المتزامن في النقل البحري والسككي والبري إشارة دقيقة على دخول الاقتصاد مرحلة تهدئة واضحة في النشاط السلعي، ما يهيّئ القطاع لمزيد من الانكماش إذا استمرت أوضاع الطلب في التراجع خلال الفصول المقبلة.
6. التعدين
أسعار النفط الحالية تبقى أقل من المستوى الذي يشجع الشركات على التوسع في عمليات الحفر، ما يعني أن شركات الطاقة لن تضيف وظائف جديدة في ظل هذه الظروف، كما أن أسعار الأخشاب، وفق تقديرات مكتب التحليل الاقتصادي، انخفضت إلى مستويات تجعل معظم مصانع النشر عاجزة عن تحقيق أرباح تشغيلية، وهو ما دفع عدداً من الشركات إلى تقليص الإنتاج وتأجيل خطط التوسع. ورغم أن هذه الصناعات صغيرة نسبياً في وزنها ضمن سوق العمل الأميركيّة، فإن تراجعها يضيف طبقة جديدة من الضغوط على الاقتصاد، إذ إن انكماشها المتواصل يشير إلى ضعف في النشاط الصناعي الأوسع، ويؤكد دوتا أن هذه القطاعات لا تتوسّع بل تنكمش، وأن ضعفها المتراكم يمثل جزءاً من الصورة الأكبر التي تظهر الاقتصاد يفقد زخم النمو في أطرافه قبل أن يصل التباطؤ إلى مركزه الرئيسي.
7. التعليم العالي
يعاني قطاع التعليم العالي من ضغوط متصاعدة تهدّد استقراره الوظيفي والمالي معاً، إذ تشير البيانات الحديثة إلى انخفاض واضح في معدلات التسجيل وتراجع التمويل الفيدرالي للأبحاث، وهو ما يفرض على الجامعات خيارات صعبة، ولجأت العديد من الجامعات إلى تقليص الموظفين أو تجميد التوظيف بسبب الضغوط التي خلفتها الميزانيات المنكمشة. ووفق بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي، فإن التوظيف في الجامعات بقي شبه ثابت خلال العام الجاري، إلّا أن الخبراء يرون أن استمرار الوضع الحالي غير ممكن على المدى المتوسط، لأنّ انخفاض التسجيل يعني انخفاضاً مباشراً في الإيرادات، بينما يؤدي تراجع التمويل البحثي إلى تقليص المنح المخصصة للتوظيف الأكاديمي والإداري. ويشير دوتا إلى أن القطاع قد يضطر إلى اتخاذ إجراءات أكثر تشدداً خلال العامَين المقبلَين، وهو ما يجعله أحد جيوب الضعف الإضافية التي تتسع بصمت داخل الاقتصاد.