يوم لمع الذهب.. وارتبكت حسابات الناس

16 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 16:03 (توقيت القدس)
توافد أعداد كبيرة على محلات الذهب، بانكوك، 16 أكتوبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت أسعار الذهب ارتفاعًا غير مسبوق، متجاوزة 4200 دولار للأونصة، نتيجة لخفض الفيدرالي الأمريكي لمعدل الفائدة والإغلاق الحكومي الأمريكي، مما جعل الذهب خيارًا جاذبًا للمستثمرين.
- في الهند، تباطأت مبيعات الحلي، بينما في السعودية أثرت الأسعار على خطط الزواج، وشهدت هونغ كونغ طوابير لبيع الذهب، مع توقعات باستمرار الارتفاع واحتمالية تصحيحات سريعة.
- توقع "بنك أوف أميركا" وصول الذهب إلى 5000 دولار في 2026، مع تحذيرات من مخاطر الشراء حاليًا، وتباين قرارات الأفراد بين الاحتفاظ بالذهب أو بيعه.

مع الإطلالة الأولى ليوم أمس الأربعاء، كانت شاشات متاجر الذهب تلمع بأرقام غير مألوفة للغرام الواحد من الذهب، إذ بدأت من 133 دولارا للغرام الواحد عيار 24 وانتهت عند 134 دولارا، ثم في اللحظة نفسها امتلأت المنصات بمنشورات سريعة، تثبت الصعود لحظة بلحظة، وتشير إلى القفزة. وكتب الاقتصادي محمد العريان أن الذهب تخطى 4200 دولار، في وصف فوري لمشهد تتسارع فيه القمم القياسية، بينما أكدت رويترز أن السعر اخترق هذا المستوى للمرة الأولى صباح ذلك اليوم.

مرّت دقائق، الحساب السعودي المتخصص في متابعة أسواق الأسهم كتب على منصة إكس: "أسعار الذهب في المحلات بالسعودية تصعد بقوة غير طبيعية بعد الصعود التاريخي للذهب.. الله يكون في عون العرسان". وهنا نصح يحيى على ذات المنصة أن "يؤجل كل عريس مشروعه ما دام سوق الذهب اختار الجنون!".

بداية الصعود

القصة بدأت في 17 سبتمبر/ أيلول 2025، عندما أعلن الفيدرالي الأميركي خفض معدل الفائدة بربع نقطة مئوية. هذا القرار جعل الاحتفاظ بالذهب أقل كلفة مقارنة بوضع الأموال في أدوات تمنح فائدة، فزاد الميل إلى شراء المعدن. وهنا علّقت من رمزت لنفسها بـ"أن.أس" على منصة إكس: "من زمان أصحاب التنبؤات نصحونا بهجر الدولار والعقار والتوجه لجمع الذهب. الآن فهمت لماذا؟".

بعدها بأيام قليلة، سجّل الذهب اختراقا تاريخيا في 8 أكتوبر/ تشرين الأول وصل إلى مستوى 4000 دولار، ثم واصل الصعود إلى 4100 دولار في 14 أكتوبر/ تشرين الأول، وصولا إلى 4200 دولار في 15 أكتوبر/تشرين الأول. وعلى المنصّات، ظهرت منشورات تلخص المزاج العام: "عقود الذهب تتجاوز 4200 دولار للمرة الأولى". 

الذهب والدولار

زاد المشهد توترا مع الإغلاق الحكومي الأميركي الذي بدأ في 1 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، إذ توقفت بعض الخدمات وتعطّل نشر جزء من البيانات، ما يرفع عدم اليقين ويدفع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة. وبعد أسبوعين، أوضحت وزارة الخزانة الأميركية أن التكلفة قد تصل إلى نحو 15 مليار دولار في الأسبوع إذا طال الإغلاق. هذا التوضيح ترافق مع موجة من التعاليق تلخص المزاج. ففي تغريدة لحساب "الكبيسي لاتر" تجاوزت المليون مشاهدة: "ارتفع سعر الذهب الآن بنسبة تقارب 60% في عام 2025 وحده. في يوم من الأيام، سنتساءل لماذا كان الذهب رخيصا جدا". ورد عليه مباشرة مواطن أميركي: "الحل ليس في حثّ الناس على امتلاك الأصول، بل في وقف انهيار الدولار حتى يتمكن العمال الأميركيون من العيش على رواتبهم". فبينما هناك من يترقب سوق الذهب لحاجة شخصية واستعمال يومي، هناك في القارات الأخرى من تهمه قيمة الدولار فقط حتى تتواصل الحياة.

موقف
التحديثات الحية

وبحسب مجلس الذهب العالمي في تقريره يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، فقد سجل شهر سبتمبر/أيلول أكبر تدفق شهري إلى الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب، وجعل الربع الثالث الأقوى تاريخيا بقيمة 26 مليار دولار، مع صعود الأصول المدارة إلى مستوى قياسي. وفي اليوم نفسه، ذكرت رويترز نقلا عن بيانات المجلس أن صافي التدفقات منذ بداية العام بلغ 64 مليار دولار، بينها 17.3 مليارا في سبتمبر/أيلول وحده. وعلى المنصات العربية ظهرت خلاصة شعبية موازية: "الذهب فوق 4200.. ارتفاع متواصل هذا العام".

سعر الذهب مرتبط بخوف الناس

تحت العناوين الكبرى للذهب، تتغير تفاصيل الحياة اليومية. في الهند، أكبر سوق للحلي، أعلنت شركة تيتان المحدودة (شركة هندية متخصصة في صناعة المجوهرات والساعات، مقرّها في بنغالور)، في 7 أكتوبر، أنّ نموّ المبيعات تباطأ لأن ارتفاع الأسعار قلّل الإقبال على قطع الذهب للزينة ذات العيار الأعلى، مع تحول أوضح لدى بعض الزبائن نحو عملات وسبائك صغيرة للاحتفاظ بدل القطع الثقيلة. ومع اقتراب عيد ديوالي (عيد هندي للأضواء تزداد فيه عادة هدايا الذهب)، ظهرت عروض لتخفيض "المصنعية" وتصميمات أخف وزنا. وفي المساحات العربية، كتب المدوّن تحت اسم "محمد" عن سبب ارتفاع الأسعار وربطه بالخوف مباشرة في منشوره على منصة إكس: "صحيح أن الذهب مرتبط بالخوف، والإنسان دائما لديه خوف، لكن مستوى هذا الخوف مع عوامل أخرى هو ما يحدد السعر، وليس وجوده المطلق". ولخص المسوّق الرقمي محمد إنشاصي الأمر في تغريدته: "الجميع يتحدث اليوم عن الذهب لأنه في القمة، لكن الذكي من يتحرك الآن قبل القيمة القادمة، لأن التاريخ دائما يعيد نفسه، ومن يفهم اللعبة هو من يفوز في الأخير".

وقت البيع

وعلى الضفة المقابلة، ظهر سلوك مختلف في البيع لبدء توفير سيولة. في هونغ كونغ، رصدت رويترز في 10 أكتوبر/ تشرين الأول وقوف نحو 50 شخصا في طابور أمام متجر "تشونغ كي" المعروف بأسعار شراء منافسة من الجمهور، حاملين سبائك وأساور وقلائد للبيع للاستفادة من القمة السعرية. الصور والمشاهد أظهرت مزيجا من دوافع، من يبيع لتغطية نفقات، ومن يبدل مصاغا قديما بآخر، فيما يواصل آخرون الشراء. بينما على الشاشات التحليلية، عبر محللون عن قراءة متقاربة تتلخص في استمرار التوترات التجارية الأميركية الصينية، وإطالة أمد الإغلاق، واحتمال خفضٍ آخر للفائدة، وهي كلها عوامل قوية لارتفاع إضافي، مع تحذير من إمكانية حصول تصحيحات سريعة بعد الاندفاع.

ورفع "بنك أوف أميركا"، في 13 أكتوبر/تشرين الأول، توقعه لسعر 2026 إلى 5000 دولار للأونصة، وهذا ما عبر عنه المدوّن تحت اسم ماريو في منصة إكس: "سيصل الذهب في النهاية إلى ذروته، كما حدث عام 2009، وسينخفض ​​بنحو 50%، ولن يصل إلى مستويات قياسية جديدة إلا بعد عقد من الزمن. شراء الذهب في هذه المرحلة محفوف بالمخاطر، إلا إذا كنت تتداوله ومستعدا للخروج منه عندما يبدأ في الانخفاض. هذا ما يبدو عليه الخوف من تفويت الفرص". وهو الأمر الذي تفطن له كيت من نوكسفيل الأميركية عندما سرد قصته في منصة إكس: استثمر في الذهب وباع نصفه، ومستعد لبيع ما تبقى خوفا من الهبوط المفاجئ بعدما تابع مسار 2009.

ميزانية البيت

وبين هذا وذاك، ظل صوت الناس حاضرا داخل القصة لا على هامشها. ازدادت منشورات تقارن بين "خاتم الزواج" وميزانية البيت، ثم مع قفزة 4200 دولار في 15 أكتوبر/ تشرين الأول ظهرت خلاصات تشجع على "الاحتفاظ"، وأخرى تحث على "البيع عند القمم". هي صياغات موجزة تغذي المزاج اليومي للسوق. بينما قرارات البيت تباينت بين شراء خاتم أخف وزنا، وبيع قطعة لتأمين نفقات عاجلة، أو اقتناء عملة ذهبية صغيرة للاحتفاظ، مع قرارات القاعات الكبرى في السياسة النقدية والمالية. وما دام مسار الفائدة يميل إلى الخفض، وبيئة السياسة تزيد الغموض، والاستثمارات تتدفق إلى الذهب، سيبقى المعدن الأصفر في واجهة خيارات الناس، مع ضرورة تذكّر أن التقلبات جزء من الطريق حتى في مسار صاعد.

المساهمون