وقود الطائرات تحت الضغط العالمي.. كيف تحول الكيروسين إلى أحد أغلى منتجات النفط؟
- تواجه المصافي تحديات في تعديل نسب إنتاج الوقود بسبب إغلاق مصافٍ قديمة وأعمال الصيانة والهجمات، مما يزيد من ضغوط منظومة التكرير وصعوبة الحصول على النفط الخام المناسب.
- تأثرت أوروبا بشكل خاص بنقص الوقود، وارتفعت تكاليف التأمين والشحن بسبب التوترات الجيوسياسية، مما دفع شركات الطيران لرفع أسعار التذاكر وتقليص الرحلات الأقل ربحية.
يشكل وقود الطائرات اليوم أحد أكثر المنتجات النفطية حساسية في الأسواق العالمية، بعدما تحولت اضطرابات الإمدادات والتكرير والشحن إلى عامل مباشر في ارتفاع تكاليف النقل الجوي وأسعار التذاكر. وخلال عام 2026، تجاوزت أزمة هذا الوقود حدود تقلبات أسعار النفط الخام، لتكشف عن اختلالات أعمق في قدرة المصافي على تلبية الطلب، وانخفاض المخزونات في عدد من الأسواق الرئيسية، وتزايد تأثير التوترات الجيوسياسية على حركة التجارة والطيران.
ما هو وقود الطائرات؟
وقود الطائرات النفاثة منتج نفطي مكرر ينتمي إلى عائلة الكيروسين، ويستخدم في المحركات التوربينية للطائرات التجارية والعسكرية وفي الطائرات المزودة بمحركات توربينية مروحية. ويختلف هذا الوقود عن بنزين الطائرات المستخدم في بعض الطائرات الصغيرة ذات المحركات المكبسية. إذ يعتبر وقود المحركات النفاثة أثقل وأقل تطايراً من البنزين، ولا يحتوي على إضافات الرصاص المستخدمة تاريخياً في بعض أنواع بنزين الطائرات. وتوضح إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية أن الطائرات النفاثة والطائرات التوربينية المروحية تستخدم وقوداً قريباً في خصائصه من الكيروسين.
النوعان التجاريان الأكثر انتشاراً هما "جيت إيه" (Jet A)، المستخدم بصورة رئيسية في الولايات المتحدة، و"جيت إيه 1" (Jet A-1)، المستخدم على نطاق أوسع في الرحلات الدولية. ويجب أن يحتفظ الوقود بسيولته في درجات الحرارة شديدة الانخفاض التي تواجهها الطائرات على ارتفاعات قد تتجاوز 10 آلاف متر.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
من الكيروسين المنزلي إلى وقود عصر الطيران النفاث
ظهر الكيروسين تجارياً خلال القرن الـ19 بوصفه وقوداً للمصابيح والتدفئة. ومع تطوير المحركات التوربينية والنفاثة خلال النصف الأول من القرن العشرين، أصبح الكيروسين مناسباً للطيران بسبب كثافته الطاقية العالية وقدرته على العمل في درجات حرارة منخفضة وانخفاض تطايره مقارنة بالبنزين.
ومع دخول الطائرات النفاثة التجارية الخدمة بصورة واسعة خلال خمسينيات القرن الماضي وستينياته، تطورت مواصفات موحدة تسمح للطائرات بالتزود بالوقود في المطارات الدولية المختلفة دون الحاجة إلى تعديل المحركات أو أنظمة التخزين، ليصبح بعدها وقود الطائرات منتجاً عالمياً موحداً تقريباً.
كيف تنتجه المصافي؟
لا يستخرج وقود الطائرات جاهزاً من باطن الأرض، إذ ينتج بعد تكرير النفط الخام وفصل مكوناته داخل المصافي. ويقع الكيروسين من حيث خصائصه بين البنزين والديزل، ويصنف ضمن ما يعرف بالمقطرات الوسطى.
تبدأ العملية بتسخين النفط الخام وفصل مكوناته وفق درجات الغليان، ثم تخضع الأجزاء المخصصة لإنتاج وقود الطائرات لعمليات معالجة إضافية لإزالة الكبريت والشوائب وتحسين الاستقرار الحراري والوصول إلى درجة التجمد المطلوبة. وتستطيع المصافي تعديل نسب إنتاج البنزين والديزل ووقود الطائرات ضمن حدود معينة، إلا أن هذه المرونة ليست مطلقة.
لماذا توجد أزمة في 2026؟
تمثل منطقة الخليج مركزاً رئيسياً لتصدير الديزل ووقود الطائرات إلى أوروبا وآسيا وأفريقيا. ووفقاً لوكالة الطاقة الدولية صدرت دول الخليج نحو 3.3 ملايين برميل يومياً من المنتجات النفطية المكررة خلال عام 2025. وبلغ صافي صادرات الشرق الأوسط من وقود الطائرات نحو 400 ألف برميل يومياً في المتوسط خلال 2025، ما جعل المنطقة أكبر مصدر للوقود إلى السوق الدولية. وعندما تعطلت حركة الإمدادات عبر مضيق هرمز في نهاية فبراير/ شباط 2026، بسبب الحرب في المنطقة، خرجت كميات مهمة من السوق خلال فترة قصيرة.
ارتفاع الطلب على السفر
وصل الطلب العالمي على وقود الطائرات والكيروسين إلى نحو 7.7 ملايين برميل يومياً خلال 2025، مدفوعاً بقوة حركة السفر الصيفية وعودة الرحلات الدولية. وسجل وقود الطائرات أسرع نمو بين المنتجات النفطية الرئيسية خلال ذلك العام بنسبة تقدر بنحو 2.1%. وحسب الشركة العالمية الرائدة في مجال أبحاث السوق والاستشارات "فورتشن بيزنس إنسيتس" فقد قُيِّم حجم سوق وقود الطيران العالمي بالدولار بـ473.20 مليار دولار في عام 2025.
ويتميز الطلب على وقود الطائرات بأنه موسمي. فهو يرتفع خلال الصيف والعطلات الكبرى، في الوقت الذي تجري فيه بعض المصافي أعمال الصيانة أو تواجه أسواق النفط اضطرابات جيوسياسية، ما يزيد التنافس على الكميات المتاحة.
ضعف المخزونات الأوروبية
أصبحت أوروبا المنطقة الأكثر تعرضاً لنقص وقود الطائرات بسبب اعتمادها على الواردات. وتشير حسابات "رويترز" إلى أن مخزونات أوروبا ستغطي الطلب لفترة تقل عن 30 يوماً، وهي أدنى تغطية بين الأسواق الكبرى.
وتواجه أوروبا عجزاً متوقعاً يقترب من 600 ألف برميل يومياً خلال الربع الثالث من 2026، وفقاً لبيانات شركة "إنرجي أسبكتس" للاستشارات الصادرة في 18 يونيو/ حزيران، رغم زيادة الواردات من الولايات المتحدة وآسيا وكندا وكوريا الجنوبية، وارتفاع الإنتاج المحلي، خصوصاً في إيطاليا. وبلغت واردات أوروبا نحو 673 ألف برميل يومياً خلال يونيو/ حزيران.
مخاطر الشحن والتأمين وارتفاع الأسعار
أدت الحرب في المنطقة وما تلاها من توترات في مضيق هرمز والبحر الأحمر وممرات الشحن الأخرى إلى ارتفاع تكاليف التأمين وأجور الناقلات وطول الرحلات البحرية، ما دفع السفن إلى تغيير المسار، ونتجت زيادة في استهلاك الوقود وزمن التسليم، وجُمِّدَت كميات كبيرة داخل الناقلات لفترة أطول.
هذه الظروف رفعت من الأسعار بشكل كبير، إذ بلغ السعر العالمي الأسبوعي نحو 119.13 دولاراً للبرميل في الأسبوع الماضي. أما "إياتا"، فتتوقع متوسطاً سنوياً يبلغ 152 دولاراً للبرميل، بزيادة تقارب 70% عن متوسط 2025 البالغ نحو 90 دولاراً.
وفي الولايات المتحدة بلغ متوسط السعر الذي دفعته شركات الطيران خلال مايو/ أيار 2026 نحو 4.09 دولارات للغالون، مقابل 2.21 دولار في مايو/ أيار 2025، أي بزيادة سنوية قدرها 85%. وارتفعت فاتورة الوقود الشهرية لشركات الطيران الأميركية إلى 6.66 مليارات دولار، رغم انخفاض حجم الاستهلاك بنسبة 0.6%. ثم تراجع متوسط الأسعار في المراكز الرئيسية إلى نحو 2.88 دولار للغالون مطلع يوليو/ تموز.
أثر الأزمة في شركات الطيران
توقعت "إياتا" ارتفاع فاتورة الوقود العالمية لشركات الطيران من 252 مليار دولار عام 2025 إلى نحو 350 مليار دولار في 2026، بزيادة تقارب 40%. ويمثل الوقود عادة ما بين 25% و30% من تكاليف تشغيل شركات الطيران، مع اختلاف النسبة حسب عمر الأسطول وطول الرحلات وكفاءة الطائرات ومستوى التحوط المالي.
وتلجأ الشركات لمواجهة الصدمة إلى رفع أسعار التذاكر، وزيادة رسوم الوقود والأمتعة، وتقليص بعض الرحلات الأقل ربحية، واستخدام طائرات أكثر كفاءة، وإعادة التفاوض على عقود التوريد. وقد تحمي عقود التحوط بعض الشركات مؤقتاً من ارتفاع الأسعار، فيما قد تتحول إلى عبء عندما تتراجع الأسعار الفورية وتظل الشركة ملزمة بشراء الوقود بأسعار أعلى متفق عليها سابقاً.
أبرز الدول المنتجة ومراكز التصدير
حسب الشركة الرائدة عالميًا في مجال تحليلات الطيران "سيريوم"، فإن استهلاك منطقة الشرق الأوسط عام 2025 من الاستهلاك العالمي بلغ 57.7%، تليها منطقة آسيا والمحيط الهادئ بـ 15.2% ثم الشمال الشرقي لآسيا بـ 11.8%، وأفريقيا بـ 8.5%، ثم أميركا الشمالية بـ 3.8، وأخيراً أميركا الوسطى بـ 3%.
وتتصدر الولايات المتحدة الإنتاج العالمي بفارق كبير بفضل ضخامة قطاع التكرير وحجم سوق الطيران الداخلي. ووصل إنتاج المصافي الأميركية إلى نحو 1.8 مليون برميل يومياً في بعض أسابيع مارس/آذار 2026، وأصبحت الولايات المتحدة مصدراً مهماً لأوروبا وأميركا اللاتينية.
وتُعَدّ الصين من أكبر المنتجين والمستهلكين. وتسيطر شركة البترول والكيماويات الصينية "سينوبك" على جزء كبير من التكرير المحلي. وفي يوليو/ تموز الجاري، أعادت الصين هيكلة منظومة وقود الطيران من خلال دمج أكبر موزع محلي مع أنشطة "سينوبك"، بهدف تعزيز أمن الإمدادات وتقليل التكاليف، في وقت بلغ فيه استهلاك الصين من وقود الطائرات لعام 2024 نحو 311.49 مليون برميل، ويُتوقع أن يصل إلى نحو 594.75 مليون برميل بحلول عام 2040، بينما استهلكت 323 مليون برميل في 2025.
وتبرز كوريا الجنوبية بوصفها مركزاً تصديرياً كبيراً، لأن مصافيها المتطورة تنتج كميات تفوق احتياجات السوق المحلية وترسل الوقود إلى الولايات المتحدة وأوروبا ودول آسيوية أخرى. وأظهرت بيانات شركة النفط الوطنية الكورية الجنوبية، أن سيول استهلكت 32.9 مليون برميل من وقود الطائرات في عام 2024 و36.5 مليون برميل في عام 2025.
وتعد الهند منتجاً ومصدراً متنامياً، مستفيدة من المصافي الضخمة الواقعة قرب السواحل وقدرتها على معالجة أنواع متعددة من النفط الخام. وأصبحت جزءاً مهماً من الإمدادات البديلة المتجهة إلى أفريقيا وأوروبا خلال فترات اضطراب الشرق الأوسط. وحسب خلية تخطيط وتحليل البترول الهندية استهلكت نيودلهي نحو 70.21 مليون برميل من وقود الطائرات في 2024 و 74.8 مليون برميل في 2025، ويتوقع أن يرتفع الاستهلاك إلى نحو 78.90 مليون برميل متوقع للسنة المالية 2025-2026.
وتؤدي السعودية والإمارات والكويت وقطر وعُمان دوراً مهماً في سوق التصدير بسبب توسع طاقة التكرير وقربها من طرق التجارة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. وتمثل السعودية والإمارات والكويت بصورة خاصة مراكز لإنتاج المقطرات الوسطى وتصديرها.
وتملك روسيا قطاع تكرير كبيراً وإنتاجاً مهماً من الكيروسين، إلا أن العقوبات والهجمات على المصافي والقيود التجارية قلصت مرونتها في السوق الدولية. وتُعَدّ سنغافورة مركزاً تجارياً وتخزينياً رئيسياً أكثر من كونها دولة منتجة للنفط الخام. وتستورد الخام والمنتجات شبه المصنعة، ثم تعيد تكريرها وتخزينها وتصديرها إلى دول آسيا والمحيط الهادئ. وتبرز هولندا وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا ضمن مراكز الإنتاج والتوزيع الأوروبية، مع بقاء القارة مستورداً صافياً بسبب ضخامة الطلب وإغلاق عدد من المصافي القديمة خلال العقود الماضية.
هل تنتهي الأزمة قريباً؟
بدأت السوق تستعيد بعض التوازن في يونيو/ حزيران، بعد زيادة إنتاج المصافي وارتفاع الصادرات من الولايات المتحدة وآسيا، وفق وكالة الطاقة الدولية. لكن هذا لا يعني انتهاء الأزمة. فما زالت المخزونات الأوروبية منخفضة، كذلك فإن السوق تعتمد على استمرار حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وعدم تعرض المصافي أو الموانئ لمزيد من الاضطرابات.
وقد ينخفض السعر خلال النصف الثاني من 2026 عند تراجع الطلب الموسمي، وارتفاع تشغيل المصافي، واستقرار الشحن، وإعادة بناء المخزونات. أما استمرار التوترات الجيوسياسية أو تعطل مصافٍ رئيسية، فقد يعيد الأسعار إلى الارتفاع بسرعة.